ارشيف من :أخبار لبنانية

الفتنة المذهبية

الفتنة المذهبية
بدأ التحريض المذهبي بشكله العلني والصريح بين الشيعة والسنة في العراق بعد عام 2003 حيث انتشرت عمليات التفجير والقتل على الهوية من قبل الطرفين، ولكن يمكن القول رغم كل المحاولات لحصول اقتتال سني شيعي في العراق قد فشلت وظلت مقتصرة على جماعات محددة منبوذة من قبل غالبية الشعب العراقي. ومن المعلوم أن فكر التطرف دخل العراق مع دخول عناصر القاعدة وانتشار فتاوى تكفير الشيعة وتحليل ذبحهم وقتلهم. ورغم خضوع البلد للاحتلال وتدخل دول الجوار فيه وتفكك الجيش العراقي، لم يصل التطرف والاقتتال بين المذاهب المختلفة لدرجة أن تهجم قرية على أخرى وتذبح سكانها على خلفية مذهبية أو تقصفها بقذائف وصواريخ مستوردة من الخارج؛ وربما يعزى فشل حدوث اقتتال مذهبي في العراق لأن هناك اندماجا حقيقيا بين الشيعة والسنة في هذا البلد. فكثيرة هي حالات التزاوج بين الطرفين واستمرت حتى بعد الاحتلال كما تجد الكثير من الشيعة والسنة ينتمون لنفس العشيرة.

كان من المفروض إذاً أن يكون العراق هو المفجر للفتنة المذهبية في الجوار والمنطقة بأكملها وفي كل الاتجاهات نحو سوريا ولبنان وتركيا وإيران ودول الخليج. فكل هذه الدول تشبه تركيبتها إلى حد كبير تركيبة العراق المذهبية، وكان الهدف النهائي تقسيم المنطقة على أساسي مذهبي وطائفي حتى يتم الفصل بين مقاومة حزب الله، التي جعلت الاحتلال ينسحب من الجنوب في عام 2000 مرغما عنه وبين الفصائل الفلسطينية المتمثلة في حماس والجهاد الإسلامي حتى يسهل عزلها عن بعضهما وعن المحيط السوري، الذي يكون قد تقسم أصلا إلى دويلات مذهبية تمهيدا لإعلان إسرائيل دولة يهودية وبالتالي ضياع حق اللاجئين وتصفية القضية الفلسطينية في المحصلة وإنهاء أي أمل بوجود مقاومة في الحاضر أو المستقبل.

فشل مشروع الفتنة في العراق جعل أمريكا وأدواتها يتجهون نحو لبنان البلد المقسم طائفيا ومذهبيا، الذي يحوي على أرضه مقاومة أوجعت إسرائيل فتم اغتيال الحريري ليكون بمثابة إعلان انتهاء الاتفاق السوري السعودي الأمريكي في لبنان، الذي كان من نتائجه انسحاب القوات السورية من لبنان وإحياء الصراع المذهبي من جديد. لكن قدرة حزب الله على امتصاص الأزمة حينها فوت الفرصة بتحالفه مع المستقبل وجنبلاط وصولا لتفاهمه مع الزعيم المسيحي ميشيل عون فاستعجلت إسرائيل الحرب على لبنان في صيف 2006 ظنا منها أن ما عجز عن تحقيقه حلفاؤها في لبنان من إشعال الفتنة ومحاصرة حزب الله ستقوم هي به عن طريق التخلص من الحزب عسكريا بمساعدة حلفائها حتى تقسم المنطقة كما تريد، كما بشرت كوندليزا رايس أيام الحرب، حيث لو قدر لهذا المشروع النجاح كانت المنطقة الآن مقسمة لدويلات على أساس طائفي ومذهبي، ولكن بعد أسبوعين من الحرب وجدت أمريكا نفسها محرجة فطلبت من قطر أن تلعب دور الباحث عن حلول لوقف الحرب وبنفس الوقت كوسيط يتصل بحزب الله.

انتصار الحزب في هذه الحرب غيّر المعادلات والحسابات بل كانت النتائج عكسية تماما فرفعت صور السيد حسن نصر الله في أغلب المدن العربية وساد شعور عربي عام موحد بقدرة المقاومة واحتضانها دون النظر لخلفيتها المذهبية.

فتغيرت الخطط بناءً على هذه النتائج فتم العمل على محاولة امتصاص انتصار حزب الله وترك الوقت لإسرائيل كي ترتب بيتها الداخلي خاصة على الصعيد العسكري والنفسي وتدرس بعمق نتائج حرب تموز (يوليو) 2006 فانخفضت حدة الكلام المذهبي في تلك الفترة لمعرفة أمريكا وحلفائها بعدم فائدته في مرحلة ما بعد الانتصار مباشرة، خاصة في ظل تقاعس الحكام العرب ووصفهم للحزب بأنه مغامر وبأنه سيدفع ثمن حربه مع إسرائيل بتدميره بشكل كامل.

وتم العمل بعد الحرب على اتجاهين، الأول: التشويش على الحزب لكي لا يستثمر انتصاره على مدى واسع فطلب من فريق 14 آذار في لبنان بعد انتهاء الحرب مباشرة طرح ملف سلاح المقاومة وضرورة سحبه باعتباره جلب الدمار للبلد وإشغال الحزب بالصراعات الداخلية لإبعاد صفة القوة الإقليمية، التي كسرت إسرائيل حتى بلغ الصراع الداخلي أشده في أيار 2008. وثم كانت النتيجة الإضطرار لعقد تسوية مع حزب الله في الدوحة.

أما الاتجاه الثاني الذي تم العمل عليه هو التقرب من سوريا في محاولة لترغيبها من أجل إبعادها عن حزب الله باعتبار الحكم في سوريا أقرب للعلمانية ووضع البلد الاقتصادي والاجتماعي هش يمكن عن طريق جذبه للاتحاد الأوروبي أن يبتعد عن حزب الله وإيران وذلك عن طريق حلفاء أمريكا في المنطقة وكانت قطر هي الأقرب للعب هذا الدور بعد تمايزها عن السعودية خلال الحرب على الحزب، إضافة إلى تركيا الباحثة عن دور في الوطن العربي، الذي لا بد أن يمر عبر سوريا، وكان هذا مع تغطية فرنسية لإضفاء مناخ غربي نحو التقارب مع دمشق وتكللت هذه الجهود في زيارة ساركوزي- اردوغان- حمد إلى سوريا في أيلول/ سبتمر 2008. وقد ساهم هذا التقارب في زيادة الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي هشاشة لكون التقارب والاتفاقيات مع تركيا كانت على حساب سوريا، كما سمح بفتح البلد أمام مخابرات حلف الناتو ومخابرات قطر، التي تضّيف أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط على أرضها، وبدأنا نسمع بعض التصريحات عن المسؤولين السوريين من قبيل أننا لسنا معجبين كثيرا بفكر حزب الله لكننا نحترم مقاومته. وفي النهاية لم تنفع محاولات الدول إبعاد سوريا عن إيران وحزب الله بالدرجة المطلوبة.

يمكن ملاحظة انخفاض حدة الخطاب المذهبي في هذه الفترة بل جرت خلال هذه الفترة اتصالات غير مباشرة بين جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وبين السلطة السورية، وزار القرضاوي سوريا وقال كلاما طيبا عن القيادة السورية. وكل ذلك كان هدفه الترغيب وفي نفس الوقت التغلغل أكثر في الواقع والتفاصيل السورية وتدمير الاقتصاد السوري.

عند اندلاع الاحتجاجات في الدول العربية للمطالبة بالحقوق والحريات، وجدت أمريكا وحلفاؤها غايتهم فيها خاصة بعد إسقاط زين العابدين ومبارك واندلاع الاحتجاجات في ليبيا في 17 شباط (فبراير) 2011 فسوريا بلد متقدم في مجال قمع الحريات ونسبة الفساد. وبدأت الجزيرة تروج لهذه الفكرة مع تحذير القيادة التركية قبل اندلاع الاحتجاجات في سوريا بأن التظاهرات ستجتاح دولا عربية أخرى.

وعندما بدأت الاحتجاجات في سوريا وخلال الأسبوع الأول ظهرت ثلاثة مؤشرات خطيرة تهدف لتحقيق هدف واحد هو الفتنة المذهبية وهذه المؤشرات هي: أولا تصريح اردوغان خلال زيارته بريطانيا عن طائفة الرئيس السوري وطائفة زوجته. والثاني: قول القرضاوي في خطبة الجمعة أن قتل ثلث الشعب السوري من أجل تحقيق أهداف الثورة هو أمر محلل. والثالث: شعارات وكتابات المتظاهرين في كثير من المناطق التي ادعت أن حزب الله وإيران يقتلون الأطفال والنساء في سوريا مما جعل بثينة شعبان تحذر من فتنة طائفية في سوريا!

هذه المؤشرات ظهرت خلال الأسبوع الأول من الأزمة ثم بدأ التحريض الطائفي والمذهبي يتوسع ويكبر شيئا فشيئا حتى تجاوز الحدود السورية ليتم الحديث عن صراع سني – شيعي على مستوى المنطقة بأكملها وبدرجة أكبر بكثير مما كان خلال الحرب على العراق. وهذا هو الهدف الذي سعت إليه بعض الاطراف منذ العام 2003 لذلك عاد الحديث عن تقسيم الدول العربية، الذي بدأ فعليا بتقسيم السودان حيث العرب مشغولون بالحرب على سوريا.

ومن المهم التذكير أن خطاب الفتنة هذا يتحمل نتائجه الكارثية كل شيخ يحرض على قتل وتحليل دم الطرف الآخر. ولا نبالغ بالقول أن الطائفة السنية هي المستهدفة بالتقسيم قبل غيرها من خلال محاولة اتهامها بالوهابية أو الإرهاب وخلق شرخ كبير بين من ينتمون لأحزاب تسمى الإسلام السياسي وبين من يرفضون هذه الأحزاب، ولعل مصر خير دليل على هذا الانقسام الحاد.

لذا فإن التحريض المذهبي ليس وليد الأزمة السورية ولكن ربما وصل لمستويات متقدمة لأنه تخطى حدود سوريا. لذا فإن عقلاء الطرفين مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى لتطويق حدود الفتنة لأنها إذا انتشرت ستطول الجميع وستحرق الأخضر واليابس.
2013-07-03