ارشيف من :أخبار لبنانية

التيار الأزرق يهجم على الجيش وعينه على الحكومة

التيار الأزرق يهجم على الجيش وعينه على الحكومة

ميسم رزق - صحيفة "الأخبار"

يستكمل «المستقبل» حربه على المؤسسة العسكرية، بحجة عدم إجابة قيادتها عن أسئلة المستقبل بشأن ما جرى في صيدا. حرب تفرض البحث في كواليس المستقبل عن أسبابها، ليتبيّن أنها جزء من الحملة على حزب الله، يعتقد مستقبليون أنهم يستطيعون الغرف منها سياسياً وشعبياً

إنها «حرب المستقبل ضد الجيش». العبارة ليست ملتبسة. هي عنوان جديد لحرب من نوع آخر يشنّها فريق الدولة على أقوى مؤسساتها. لم ينصُر المستقبليون المؤسسة العسكرية ولن يفعلوا. ومهما حاولت كتلتهم النيابية تغليف مواقفها بالحرص على رجال الجيش ومعهم أبناء صيدا، فإنه بات واضحاً أن المراد هو نزع الغطاء عن المؤسسة العسكرية وتركها تتحمّل وحدها تداعيات «جرأتها» على شن عملية على الشيخ أحمد الأسير في مربعّه الأمني، بعدما اغتال أنصاره 10 جنود وضباط.

منذ البداية لم تهضم معدة النائبين الصيداويين بهية الحريري وفؤاد السنيورة، «الوجبة» الدسمة التي أكلها الأسير في زنزانته الأمنية. لا أحد يعلم سبب تلك الهجمة التي شنّها الاثنان منذ اندلاع شرارة عبرا، ولا سبب منعهما حتّى من التنديد باستهداف جماعة الأسير لعناصر من الجيش اللبناني في «مدينة لم يعُد فيها أمنٌ ولا أمان». استهداف حاول السنيورة و«الست بهية» معاً تقزيم مفاعيله على اعتبار أنه عمل لا يستوجب ردّ فعل كذلك الذي أقدمت عليه المؤسسة العسكرية. لمَ خلع المستقبل رداءه المعتدل؟ ولماذا يُخاطر في زعزعة العلاقة مع المؤسسة التي لطالما دافع عن شرعيتها للهجوم على حزب الله؟

في الاجتماع الأخير الذي عقدته قوى الرابع عشر من آذار في بيت الرئيس سعد الحريري في وادي أبو جميل، ركّز اللقاء الذي حضرته جميع مكونات فريق «السلاح الشرعي» على مناقشة التطورات الأخيرة التي باغتت مدينة استولى على قرارها تيار المستقبل منذ التسعينات، قبل أن تغزوها عباءات ولحى المتشدّدين. أربعة قرارات عملية، توصّل إليها المجتمعون، كان أبرزها لا بل أهمها، الزيارة التي ينوي أعضاء الأمانة العامة لقوى 14 آذار القيام بها نهار الأحد المقبل إلى صيدا، بالتزامن مع تسليط الضوء على أهمية إجابة المؤسسة العسكرية عن جميع التساؤلات التي تطرحها المكونات الآذارية، وتحديداً تيار المستقبل عن حقيقة ما حصل عشية النهار «المشؤوم»، يوم نفذ الجيش عملية عسكرية رداً على اغتيال رجاله. وفي الاجتماع أيضاً، شدّد الحاضرون على إعادة طرح التمديد للواء أشرف ريفي، من دون ربطه بقرار التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي، إلى جانب استكمال المواجهة الدستورية التي سيتولاها النائب بطرس حرب لرفع الغطاء القانوني عن أي جلسة يدعو إليها الرئيس نبيه برّي يُدرج التمديد على جدول أعمالها. تفادياً لأدنى سوء فهم يحاول المستقبل في خطابه السياسي، التشديد على أن موضوع النقاش ليس ما تعرّض له الجيش من اعتداء، بل المسألة بحسب مرجع في المستقبل «مسألة مصارحة من موقع الحرص على هذه المؤسسة». هذا الحرص الذي يتحدث عنه المرجع، لا ينفي أن خطاب تياره خلا من أي انتقاد للأسير، وهو غياب جاء بمثابة إدانة غير مباشرة للجيش. هنا، يرفض المرجع هذه الفرضية، فعلى حدّ قوله «العلاقة مع الجيش ليست دراماتيكية كما يحاول البعض تصويرها». الا أن هذا القول، لا يُلغي واقع المستقبل الذي سارع إلى كشف خطابه المذهبي. لا يملك نوابه وشخصياته سوى لغة المزايدة إن كان في موضوع اللواء ريفي أو في موضوع الهجوم على الجيش، من خلال رفع سقفهم السياسي تحت وقع ضغط الشارع الاسلامي، خشية عدم القدرة على ملء فراغ الأسير، الذي يُمكن أن يخلق في وجههم 20 أسيراً آخر.

لم يكُن بمقدور الزرق هذه المرة، تصويب سهامهم إلى المؤسسة العسكرية، لخوضها معركة غير متوقعّة مع أحمد الأسير وجماعته، فحسب. اعتقدوا أن ترويجهم لمشاركة حزب الله في القتال إلى جانب الجيش، سيمتصّ نقمة الجمهور على خطابهم «المعتدل»، بعدما تحولّت نظرة مناصريهم إلى هذه المؤسسة، وانتقل تصنيفها من خانة «المارونية» إلى «الشيعية». مهما يكُن من أمر، فقد انجلى غبار المعركة بعد 36 ساعة. معركة كانت كلفتها البشرية قاسية على الجيش، أقرّ بعدها المستقبل بأن «العسكريين الذين سقطوا برصاص الغدر قبل بداية المعركة، إنما تتحمّل مسؤوليتهم الجهة التي أطلقت النار عليهم». أما الغريب في هذا الاعتراف، ففي أن «ثمّة في التيار من ما زال يعتقد بأن الجهة المعتدية لا يزال الغموض يكتنف هويتها، وخصوصاً مع تضارب الروايات، ومع وجود طرف مشارك على الأرض! بنى المستقبل تساؤلاته على روايات غير مؤكّدة. استكمل حملته، متسائلاً بالدرجة الأولى عن «الجهة التي اتخذت القرار بتنفيذ تلك العملية، التي تلاحم فيها السلاح الشرعي مع السلاح الميليشيوي، وذاب فيها الأخضر بالأصفر واختلط الحابل بالنابل» كما يقول مستقبليون. يرفض أن «يستخف الجيش بعقول المواطنين، من خلال تأكيد قيادته على أن عناصره قاتلوا وحدهم في صيدا، فيما أثبتت شهادات مئات المواطنين وبعض التسجيلات بالصوت والصورة نقيض ذلك تماماً». المشكلة أن مهاجمي الجيش استشهدوا بروايات غير مؤكدة، وأنكروا كل الصور التي نُقلت من داخل مسجد الأسير، التي أكّدت وجود أسلحة ومتفجرات.

في المحصلة، كشفت معركة صيدا وما تبعها من ردود أفعال مستقبلية، عن وجود مشكلة سياسية وشعبية لا يُستهان بها. مشكلة لم تكُن بالتأكيد وليدة المعركة، إنما ترجع إلى تعاطي تيار المستقبل منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري مع الدولة، وما تبعها من تجاوزات وتراكمات في أكثر من منطقة، أوحت بأن الجيش يُمارس دوراً فئوياً منحازاً لتغليب فئة على فئة، ولعل أكثر تلك المحطات وضوحاً ما كان يحصل مع الجيش في طرابلس وعكار والبقاع من تعدّ وتكفير ودعوة إلى الجهاد ضده. وبالتالي يقود موقف المستقبل الى حقيقة أن الهجمة على الجيش ما هي إلا استكمال لسياسة التيار، الذي يحاول قبض ثمن كل الأحداث التي يرى أنه يمكن تبني الهزائم فيها، ومحاولة استثمارها ليرفع من رصيده سياسياً وشعبياً. بدأ بالحرب على البزة المرقطة، انتقاماً مما عدّه «تخاذلاً من الجيش في الردّ على مصادر النيران أثناء غزوة بيروت عام 2008»، لعلّه يستطيع أن يلامس الخطاب الإسلامي المتطرف الذي بات يدغدغ مشاعر شارع لطالما سعى إلى السيطرة عليه. ومن ثمّ تبنّي النهج الكيدي مع حزب الله، عبر زج اسمه ولو بالقوة في معركة صيدا، بهدف قطع الطريق على أي تسوية ترغمه على المشاركة في حكومة واحدة معه، أو إعطاء الثلث الضامن لفريقه.
2013-07-04