ارشيف من :أخبار لبنانية
الطريق من 25 يناير لـ 30 يونيه
السيد البابلي - صحيفة "الجمهورية" المصرية
** الخميس:
لم يتمكن الرئيس محمد مرسي من البقاء في منصب الرئاسة أكثر من عام.. ولم يكن مرسي مستهدفاً لشخصه وانما جماعة الإخوان المسلمين كلها. فلقد كانت هناك قناعات بأنهم قد قفزوا علي الثورة واختطفوها.. ولذلك لم يهدأ للميدان بال حتي أزاحهم واستعاد ثورته.
وكانت هناك قناعات أيضاً بأن الإخوان لو ظلوا في الحكم أربع سنوات كاملة فإنهم لن يتركوا السلطة أبداً. ولن يكون هناك تداول للسلطة أو اقتراب منها.
ولم يستطع الإخوان أن يزيلوا هذه المخاوف التي كانوا علي دراية بها. لأن في السلطة إغراء وأوهاماً.. وهم لم يعتادوا السلطة من قبل وحين هبطت عليهم من السماء فإنهم لم يستطيعوا التكيف معها أو فهم دروبها ومسالكها. فضاعوا فيها وأضاعوا أنفسهم وأهدروا فرصة تاريخية لن تتكرر مرة ثانية.
** الجمعة :
وكان الخطأ التاريخي الأكبر للإخوان هو إقدامهم علي دخول ميدان الرئاسة. فقد قالوا بعد نجاح ثورة يناير إنهم سيخوضون التجربة السياسية من خلال الانتخابات النيابية فقط. وعندما حازوا الأغلبية فيها فإن الطمع أعمي بصيرتهم عن رؤية ملامح الطريق والقراءة الجيدة للتاريخ. فقرروا الدفع بمرشح رئاسي. متراجعين عن وعودهم السابقة بالابتعاد عن الرئاسة.
وخدمتهم الظروف والأقدار أيضاً. فالمرشح المنافس لم يكن مقدراً له الفوز لأن الثورة كانت في عنفوانها. وفوز شفيق كان يمثل إعادة استنساخ للنظام القديم. وقد استفادوا من ذلك جيداً. فقد أصبح الخيار صعباً. واضطر عدد كبير من الناخبين لانتخاب مرسي ليس حباً فيه ولكن ابتعاداً عن شفيق وذكريات الماضي.
** السبت :
وسواء كان نجاح مرسي في انتخابات سليمة أو مزورة. فإنه أمام العالم. وأمام شعب مصر. أصبح أول رئيس مدني منتخب بعد الثورة.
وأكسبه ذلك زخماً هائلاً وشعبية مرتفعة في الأشهر الأولي من حكمه.
ولكنها شعبية لم تدم طويلاً. فسرعان ما اكتشف الناس أن مشروع النهضة كان سراباً. وأن حل مشاكل مصر المستعصية في مائة يوم. كان نوعاً من الوعود الكاذبة في حملات انتخابية تعتمد علي ضعف الذاكرة. من منطلق أن الشعب سرعان ما ينسي.. وأن الوصول لمقعد الرئاسة هو الهدف والغاية.
ولكن أحداً لم ينس. وإلاعلام بكل وسائله كان بالمرصاد. ولم يتوقف عن تذكير الرأي العام ببرنامج ومشروع النهضة اليومي.. فلا الأمن قد عاد. ولا مشاكل المرور قد حلت. ولا أي بند من بنود المشروع قد تم تنفيذه.
ولم يلمس الشعب إلا تراجعاً في مستوي الخدمات ومزيداً من الاحتجاجات. ورئيساً ضعيفاً متردداً غير قادر علي الحزم والإدارة فاقداً للسيطرة. لا يحسن اختيار معاونيه ومستشاريه.. وواقعاً تحت ضغوط وتأثيرات لا تمكنه من حرية التحرك أو تنفيذ طموحاته.
** الاحد:
وأضاعه مستشارو السوء.. أدخلوه في مواجهات ومعارك لم تجلب له إلا الأعداء وأبعدت عنه الأصدقاء. وحولته إلي موضع سخرية الإعلام والرأي العام.
وربما لم ولن يشهد تاريخ مصر كله علي مر العصور رئيساً تعرض لهذا القدر من التجريح والسخرية والانتقادات والاستهانة به كرئيس وكشخص مثلما تعرض له الرئيس محمد مرسي. الذي وقف عاجزاً أمام هذا الطوفان فلم يستطع أن يواجه ذلك لا بالحزم ولا بالقانون ولا بالإنجازات. فلو كان قد استطاع أن يحقق قدراً معقولاً من الإنجازات علي أرض الواقع. لكانت هذه الإنجازات قد استطاعت أن ترد وتدافع عنه وتبرر له بعض تصرفاته وقراراته.
ولكن الرئيس الذي افتقر إلي خبرة الإدارة وفن المناورة والحكم لم يكن قادراً إلا علي التلويح في وجه معارضيه دون أن يملك القدرة علي أن يفعل شيئاً. فكل الأجهزة المعنية كانت تتمني سقوطه بعد أن أصابها اليأس والإحباط من الكثير من اختياراته وقراراته.
** الاثنين :
ولأن مستشاريه وبطانته لم تكن لهم أيضاً الدراية والخبرة الكافية. وارتدوا "جلباباً" لا يتناسب مع أحجامهم فإنهم لم يقرأوا المشهد السياسي جيداً. ولم يدركوا حجم العزلة التي سببوها للرئيس والتي أصابت الجماعة كلها.
وكان مفاجئاً لهم أن حشود 30 يونية فاقت كل تصوراتهم واحتمالاتهم. فقد كان اعتقاد البعض منهم أن الحشود ستكون مثل كل مليونية. مجرد آلاف وأنه سيكون يوماً عادياً وينقضي.. وأن الاستعراضات وتدريبات "الكاراتيه" في رابعة العدوية ستخيفهم وتبعدهم عن الميدان.
وجاء الحدث والحشد أكبر من كل التوقعات. وشارك فيه الجميع.. وخرج إلي الشارع جموع من كل الفئات العمرية. ومن الأغلبية الصامتة التي تحركت في كل مكان.
وكان مشهداً مذهلاً لملايين المصريين في الشوارع. كلهم خرجوا في تظاهرة احتفالية يستبقون فيها كل الأحداث ويعلنون دون انتظار لقرارات أو تطورات سقوط حكم الإخوان.
** الثلاثاء :
ولم يقرأ الرئيس المشهد جيداً مرة أخري. فتواجد كل هذه الحشود كان استفتاء شعبياً علي الرفض. وكان سقوطاً "للشرعية" التي دأب الرئيس علي التحدث والتمسك بها.. وكان تأكيداً ورسالة للعالم بأن النظام قد سقط ورفضه شعبه ولم يعد في الإمكان الإبقاء عليه أو التمسك به.
وظل الرئيس وحده علي عناده. يكرر أخطاء من سبقه. معتقداً أن عامل الوقت في صالحه. وأن النجاة قريبة إذا ما وقعت أعمال عنف وصدامات وبحور من الدم تخيف معارضيه وتمنحه الفرصة في البقاء.
وهو الخطأ الأكبر للرئيس مرسي.. فالتضحية لا تكون بدماء مصرية.. والمنصب لا يستحق كل هذا.. والخروج الآمن لا يتحقق علي أشلاء الضحايا.
** الأربعاء:
وكان في مقدور الجيش أن يقوم بانقلاب منذ اللحظات الأولي. وكان التأييد الشعبي جارفاً في هذا الاتجاه.
ولكن الجيش لم يقع في الخطأ. ولم ينزلق في هذه الهاوية. وتحاشي أن يقفز علي الشرعية وأن يواجه ضغوطاً أو انتقادات دولية.
فتحرك الجيش من منطلق حماية أمن الوطن داخلياً وأرسل إنذاره للجميع. ولم يستوعب النظام المغزي والمعني من هذا الإنذار وأبعاده. فحاول الالتفاف عليه دون أن يتخذ خطوات حقيقية جادة لتهدئة الصراع والوصول إلي اتفاق.
ولم يكن أمام الجيش إلا أن يرسم ويحدد خارطة طريق مستقبلية لكل القوي السياسية تضمن وتؤمن عبوراً آمناً بالوطن وحماية للشعب وخروجاً من الأزمة في إطار من الشرعية والرغبة الشعبية.. وهو فكر جديد يضمن أمن واستقرار مصر.. ويحافظ علي ثقل ومكانة القوات المسلحة.. وليحفظ الله مصر.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018