ارشيف من :أخبار لبنانية

دول ما بين المرشدَين: ماذا بين «الإخوان» وإيران؟

دول ما بين المرشدَين: ماذا بين «الإخوان» وإيران؟
علي هاشم - صحيفة السفير

في اللحظة التي أعلن فيها نائب الرئيس المصري الراحل عمر سليمان تنحي حسني مبارك عن رئاسة مصر، بدت طهران كمن لم تسعها الفرحة. لحظة تاريخية دفعت بالمرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد علي خامنئي لإطلاق صفة «الصحوة الإسلامية» على الحراك الذي كانت درة تاجه الثورة المصرية.
يومها ألقى خامنئي خطاباً بالعربية، استذكر فيه الشيخ حسن البنا والرئيس الراحل جمال عبد الناصر سوية. كان الظن، كل الظن في طهران، أن صفحة جديدة ستفتح بين القوميين والإسلاميين، وكان الهم حينها، أي مصر ستتمخض عنها الثورة؟ والهم الأكبر ماذا عن فلسطين؟.

بدا شبه محسوم أن «الإخوان المسلمين» سيسيطرون على الحكم بالرغم من اتباعهم سياسة الانكفاء عن التصدي لدور القائد للثورة المصرية.
يقول أحد الإيرانيين المتابعين بدقة للشأن المصري، إن شدة حرص «الإخوان» على عدم استفزاز المجتمع الدولي كان السبب في زهدهم بداية في السلطة. ربما هنا بدأ الخطأ الإخواني في التعاطي مع الثورة يتجلى، «تقية سياسية» مورست في غير مكانها، فأفقدت «الإخوان» حق أخوّة الثورة وأبوّتها، وبالتالي لم يكن مشهد تنحيتهم عن الحكم بعد عام فقط من استلامه غريباً جداً.
بين «إيران ولاية الفقيه»، و«مصر الإخوان» علاقة قديمة تعود إلى ما قبل الثورة الإيرانية، لكنها ترسخت مع الثورة وانفتاح قادتها على الحالة الإسلامية المصرية. لا بل إن «الإخوان»، إلى ما قبل «ثورة 25 يناير»، كانوا يتهمون من قبل الحركات السلفية بالتساهل مع المشروع «الفارسي الصفوي» الذي يرسم للمنطقة.

وبالرغم من جفاء ما بعد الثورة المرتبط حيناً بالمواقف المتباينة من الملف السوري، وحيناً آخر بحسابات مصرية داخلية، استمر «الغزل» الإيراني، فاحتفت طهران بمحمد مرسي أول رئيس مصري يزور طهران في إطار فعاليات قمة «دول عدم الانحياز».

يقول صديقنا الإيراني المهتم بالملف المصري، إن «إيران كانت تنتظر من مصر مواقف واضحة من السلام مع إسرائيل والعلاقة مع أميركا، والأهم حماية الأمة عبر درء الفتنة. لكن مصر الإخوان وضعت جانباً عداءها لإسرائيل ولم تمس بكامب ديفيد». وأضاف: «في طهران قالوا لن نضغط عليهم، دعوهم ينظمون داخلهم، فهم بحاجة إلى فترة ليمسكوا جميع الخيوط».

كان «إخوان مصر» يجمعون خيوطهم، لكن لم يكونوا ليرغبوا بحياكة سجادة فارسية. جاءت زيارة الرئيس الإيراني المنتهية ولايته محمود أحمدي نجاد إلى القاهرة مخيبة للتوقعات، مع كم العدائية التي استقبل بها، والتي لو ووجه بها رئيس عربي في أي بلد عربي شقيق لقطعت العلاقات لعقود.
كان المرشد الإيراني يحض من معه على تقبل أي شيء من القاهرة، وظل يطلق على الحراك صفة «الصحوة الإسلامية»، وظل كثر يتساءلون لماذا؟
يقول ديبلوماسي عربي عمل في طهران لسنوات، إن السياسة الإيرانية متأثرة جداً بفن حياكة السجاد. قد تأخذ السجادة «الكاشانية» مثلاً ما يقارب العقدين لينتهي العمل بها، يحيك أولى خيوطها الأب ويربط آخرها الابن.

لا يأبه إذًا السيد خامنئي إن رميت سجادته بأي شيء مهما كان هذا الشيء مزعجاً، المهم أن «السجادة المشروع» يجب أن ينتهي العمل بها مهما طال الأمد، وهكذا هي «الصحوة الإسلامية» من منظوره. فقد تتعقد الخيوط وتتشابك لكنها في نهاية المطاف ستستسلم لصاحب النفس الأطول.
استمرت الرسائل الإيرانية إلى القاهرة، والردود المصرية في أوج دفئها كانت تأتي باردة. لا شك في أن دعم إيران غير المشروط لنظام الرئيس السوري بشار الأسد له دور كبير في ذلك. فهذا الأمر شكل يوماً بعد يوم حالة استفزاز لجزء كبير من الشارع السني الذي اتهم إيران بكونها شريكاً في القتل، وأنها تدافع عن الأسد من خلفية مذهبية وطائفية. بيد أن طهران أرسلت توضح تكراراً أنها مع حل سلمي للأزمة السورية، لكنها تقف إلى جانب الأسد لأنه الرئيس العربي الوحيد الذي صمد في وجه إسرائيل.

في لحظة ما، كادت تختلط الأوراق مجدداً، أرسلت مصر مبعوثاً رئاسياً إلى طهران، وبعدها أعادت تنشيط سفارتها في سوريا، ثم شاركت في «مؤتمر أصدقاء سوريا» في إيران. حينها قيل إن «الإخوان» يتمايزون، وإن حركة حماس ربما دخلت على الخط، لم يطل الأمر كثيراً.

الحقيقة هي أنه لم يكن بين إيران والإخوان شيء مباشر في السياسة ينغص العلاقة، لا بل ان ما بينهما هو أكبر من أن ينسى أو يتجاهل، مولود مشترك اسمه حركة حماس، كبر وترعرع في كنف الاثنين، فأخذ علمه وعقيدته من «الإخوان»، ودعمه وسلاحه من إيران. وحماس هذه لا تزال حتى اللحظة تشغل مكاتبها في طهران وفي ضاحية بيروت الجنوبية كأن خلافاً لم يقع.

في قراءة هادئة لما يجمع الطرفين، يبدو جلياً أن العامل الأساسي المؤثر في الخلاف كان شبكة الحلفاء الذين وصلوا في عدائهم وتناقضاتهم إلى مستوى غير مسبوق. وهم، وإن اختلفوا في التكتيك، لا يؤمنون بالإسلام السياسي الذي يجمع «الإخوان» بإيران، ولعلهم يوم عزل مرسي هللوا، لا شماتة فيه شخصياً، إنما رغبة وتمنياً بأن يكون هذا الإسلام السياسي في آخر أيامه.

الآن وقد سقط حكم «الإخوان»، تحمل إيران ما يمكن وصفه بالمشاعر المتضاربة، فهي من دون أي شك حزينة على هذا السقوط الذي لن يتأثر به «الإخوان» فحسب، بل الإسلام الحركي بشكل عام. لكنها أيضاً ترى في ما حدث، درساً مهماً لكل الحركات الإسلامية، مفاده بأن من الخطأ تسليم كل أوراق اللعبة للغرب ومن يلف لفه، فالغرب يأخذ الأوراق، ولاحقاً يبيع بورقة واحدة، وإن فعلاً كهذا لا ينتهي إلا بنتيجة كهذه.

كان بالإمكان أن تشكل حالة «الإخوان» من جهة، وإيران من جهة ثانية، محوراً ممتداً من الخليج إلى المحيط، ربما أكثر المتفائلين قد يذهبون إلى تسمية هكذا محور بـ«دولة ما بين المرشدَين». لكن العلاقة الباردة ثبتت حالة الاستقطاب، وأكدت مجدداً أن ما كان بين «الإخوان المسلمين» والجمهورية الإسلامية الإيرانية، دول يهمها بالدرجة الأولى قطع الطريق على أي تقارب أو تحالف، لأن أمراً كهذا قد يعني تغييراً كبيراً في المعادلات.
2013-07-05