ارشيف من :أخبار عالمية
انقسامات تونسية على وقع الحدث المصري
إن ما يحصل في مصر هو رجع صدى لما يحصل في تونس والعكس صحيح، والبلدان مؤثران في بعضهما البعض منذ أقدم العصور، فالقرطاجيون صانعو حضارة تونس القديمة ذوو الأصول الفينيقية كانوا يتمتعون بعلاقات متميزة مع مصر الفرعونية في العالم القديم، أي حضارات ما قبل ميلاد المسيح. وعلماء الزيتونة، الجامعة التونسية الإسلامية العريقة، كانوا من مؤسسي الأزهر الشريف في مصر. والفاطميون الذي أسسوا دولتهم في حواضر تونس القديمة، المهدية والقيروان، بنوا القاهرة وفتحوا مصر انطلاقاً من تونس التي خرج منها المعز لدين الله الفاطمي وقائده جوهر الصقلي.
تأثر وتأثير بين مصر وتونس
تأثر وتأثير بين مصر وتونس
وتواصل التأثر والتأثير بين البلدين اللذين توجد فيهما أقدم مدن الشمال الأفريقي وأكثرها مساهمة في الحضارة الإنسانية، مع الحركات الإصلاحية في كلا البلدين. فقد تأثر خير الدين التونسي وأحمد بن أبي الضياف ومحمد بيرم الخامس وغيرهم من المصلحين التونسيين في القرن التاسع عشر برفاعة رافع الطهطاوي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهم من دعاة الإصلاح في مصر. وليس من باب الصدفة أن تنقل جامعة الدول العربية إلى تونس بعد تورط الرئيس المصري السابق أنور السادات في اتفاقيات كامب ديفيد مع "إسرائيل"، ثم تكون أرض الكنانة أول المتأثرين بالثورة التونسية.
نفي
لكن الفريق الحاكم في تونس ينفي هذا الترابط ويصر على أن تونس ليست مصر، في تماهٍ مع ما ردده الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك بعد هروب الرئيس التونسي الفار زين العابدين بن علي من تونس، من أن مصر ليست تونس، ومع ما ردده الزعيم الليبي السابق معمر القذافي بعد سقوط كل من مبارك وبن علي، من أن ليبيا ليست مصر ولا تونس، بل وذهب فريق الموالاة أبعد من ذلك إلى حد إدانة ما حصل في مصر من إسقاط للشرعية، واعتبر بيان حركة النهضة تدخل الجيش في بلاد النيل في الحياة السياسية بـ"السافر"، وحمل نائب من حركة "النهضة" صورة مرسي داخل قبة المجلس الوطني التأسيسي.
ويبدو أن الأمور ستتطور أكثر وأن حكام تونس لن يمدوا أيديهم للحكم الجديد في مصر بعد الإطاحة بجماعة "الإخوان المسلمين"، وقد تشهد العلاقات بين البلدين تصدعاً على غرار ذلك الذي حصل زمن حكم كل من الحبيب بورقيبة وجمال عبد الناصر للبلدين، حيث اختلفت الرؤى بين الرجلين بشأن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وقطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدين.
ويتناغم هذا الرأي مع موقف رئيس الجمهورية محمد المنصف المرزوقي، المنتمي إلى حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية"، حليف "النهضة" الرئيسي في الحكم، وهو موقف ساند "شرعية مرسي" واعتبر ما حصل "انقلاباً على الشرعية"، مندداً بالمؤسسة العسكرية في مصر، وساند المرزوقي المرصد الوطني التونسي لاستقلال القضاء الذي انتقد بدوره تدخل المحكمة الدستورية العليا المصرية في الشأن السياسي، ورأى أن ذلك يتنافى ومبدأ استقلال القضاء، ودعا رئيس المحكمة الدستورية المصري إلى التراجع عما قام به.
انتقادات ومطالبات
أما أحزاب المعارضة في تونس فقد انتصرت للمحتجين في ميدان التحرير واعتبرت ما قام به الجيش المصري عملاً مشروعاً لأنه لا شرعية أعلى من شرعية الشعب الذي انتفض على احتكار الإخوان للسلطة، فحزب "نداء تونس" أهم فصيل معارض في البلاد، والمرشح لقيادتها خلال المرحلة القادمة، وفقاً لاستطلاعات الرأي، دعا حركة "النهضة" لاستخلاص الدروس مما حصل في مصر، واعتبر أنه ليس بالإمكان أن تستمر الأوضاع في تونس على ما هي عليه، ودعا أيضا إلى ضرورة التوجه الفوري لتصحيح المسار الإنتقالي نظراً لغياب الشرعية الإنتخابية والتوافقية في البلاد بعد أن تجاوزت حركة "النهضة" في حكمها أجل السنة المتفق عليه.
واتهم بيان "نداء تونس"، الذي يتزعمه رئيس الحكومة السابق الباجي قائد السبسي، حركة "النهضة" بالتعنت في عملية صياغة الدستور من خلال فرض آرائها ضاربة بالتوافق عرض الحائط، كما اتهمها باختراق مؤسسات الدولة بالموالين على حساب الكفاءات، لا سيما في المؤسسات الأمنية، وبالتدخل في القضاء وتوظيفه ضد الخصوم، والتشجيع على العنف من خلال الإبقاء على رابطات حماية الثورة، وهو ما يهدد المكونات السياسية والمدنية وعموم المجتمع. وأكد البيان انحياز الحركة لإرادة الشعب المصري وشبابه، وأعلن أن الوقت قد حان لحل الحكومة التونسية وتشكيل حكومة إنقاذ وطني مكونة من كفاءات وطنية، والإعلان عن خارطة طريق واضحة للانتخابات، وتكوين لجنة فنية لإصلاح مشروع الدستور، وحل رابطات حماية الثورة، المتهمة بأنها الذراع العنيفة لحركة النهضة، وإحالة المتورطين فيها على القضاء.
احتفال
بدورها، انتصرت الجبهة الشعبية التي تضم أحزاباً يسارية وقومية، والتي تعتبر ثالث أهم فصيل سياسي في البلاد، بعد "نداء تونس" وحلفائه، و"النهضة" وحلفائها، لخيار الشعب المصري، وخرج منتمون إلى الجبهة للاحتفال بإسقاط مرسي أمام السفارة المصرية في تونس، ودعت الجبهة، في بيان لها، إلى حل المجلس التأسيسي المنتخب في تونس، وتشكيل هيئة بديلة تتولى عملية صياغة الدستور، وحكومة إنقاذ وطني جديدة بديلة عن الحكومة الحالية يكون لديها برنامج عاجل، وتتولى الإشراف على الإنتخابات القادمة، كما عبَّرت الجبهة عن استعدادها لمساندة جميع التحركات الشبابية الهادفة إلى تصحيح مسار الثورة التونسية.
أما الهاشمي الحامدي زعيم "العريضة الشعبية" التي تحولت إلى "تيار المحبة"، والذي تم إقصاؤه عن المشاركة في الحكم على الرغم من حصول تياره على ثاني أكبر عدد من الأصوات خلال الإنتخابات الأخيرة، فقد حذر "النهضة" من مغبة الإستهانة بحركة "تمرد" التونسية، التي بدأت في جمع التواقيع على غرار حركة "تمرد" المصرية، واعتبر أن "النهضة" تلعب في الوقت بدل الضائع وأن صافرة نهاية المباراة متوقعة في أية لحظة. ويشار إلى أن حركة "تمرد" التونسية قد أعلنت أنها جمعت عدداً معتبراً من التواقيع، وأنها تواصل جهدها لجمع أكبر عدد ممكن، كما يشار إلى أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند طلب خلال الزيارة التي يقوم بها إلى تونس ملاقاة رئيس حزب "نداء تونس" الباجي قائد السبسي، ولم يطلب ملاقاة زعيم حركة "النهضة" راشد الغنوشي الذي سافر إلى قطر.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هل تونس سائرة على خطى مصر وخاصة أن الأوضاع جدّ متشابهة بين البلدين؟ أم أن الشعب التونسي سينتصر لعاداته، التي تحدث عنها ابن خلدون الذي ولد في العاصمة التونسية قبل قرون، والمتمثلة في عزوفه عن الشأن العام خلال فصل الصيف وانصرافه إلى اللهو ومتع الحياة وخاصة أن موسم الراحة والإستجمام يتزامن أيضا مع شهر رمضان؟ ومن المشهود تاريخياً أن معظم الثورات وحركات التمرد على الحكام في تونس جرت خلال الأشهر الأولى من السنة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018