ارشيف من :أخبار لبنانية
إعادة اعتبار للشعب والثورة
سليمان تقي الدين - صحيفة "السفير"
خلال سنتين ونيّف من عملية ثورية متواصلة متعددة الأشكال، سلمية وديموقراطية، حقق الشعب المصري تغييراً سياسياً مهماً كان الأبرز فيه حفاظه على وحدته وتمسكه بتراثه المدني والحيوية الاستثنائية لأوسع فئاته. لم تكن ثورة مصر أبداً «ثورة ملونة» أو عملية سياسية مدبّرة من خارج أو حركة جماعة أو حزب أو تيار، بل كانت أصيلة عميقة الجذور وشاملة فاستحقت أن تكون نموذجاً رائعاً للثورة ولتصحيح مسار الثورة بوعي شعبي ومثابرة وتصميم قل نظيره أمام محاولات الاحتواء والسرقة والمصادرة والتحوير.
اختبر الشعب المصري سريعاً التجربة «الإخوانية»، بل تجربة الحزب المنظم الذي أراد ان يختصر لنفسه وبنفسه الثورة والدولة والمجتمع. أخذت هذه التجربة مداها فإذا هي تكرار فاشل وممسوخ لحكم الحزب العقائدي الواحد وللنزوع الشمولي الفاشي لإعادة تشكيل المجتمع على نموذج نقيض لحريته ونمط عيشه وكرامته. وبمقدار ما كانت انطلاقة الثورة مفاجئة بزخمها كان الاستمرار في المحاسبة والمساءلة مفاجئاً ومدهشاً من حركات شبابية أثبتت انها تعرف تماماً ما تريد، وكيف تُسقط الهالة والمهابة المزيّفة لجماعات تأخذ رصيدها من التلاعب الانتهازي بالشعارات وبالدين وهي مكشوفة الارتباطات ومغرقة في التبعية واستدرار الدعم الخارجي لتثبيت سلطتها.
ما أُنجز هو الثورة وما بقي لا يزال هو مهمة بناء الدولة المدنية أولاً لكل مواطنيها وحقوقهم، والعادلة ثانياً بتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية التي تصحّح منظومة طويلة من المظالم والامتيازات والحرمانات والتلاعب بالموارد القومية، وضرورة تحقيق السيادة الفعلية بوجهيها السياسي والاقتصادي. ولعل معركة الدستور هي الأولوية التي ستعيد تأكيد انبثاق السلطة من الشعب وكيف سيمارسها عبر المؤسسات الديموقراطية ومن خلال دولة القانون.
إلا ان الحدث المصري له دلالات أخطر من ذلك. فهو يرد الاعتبار بقوة للثورات وللربيع العربي الذي تضافرت على تشويهه تيارات الإسلام السياسي ومداخلات النظام التقليدي العربي ومحاولات الاحتضان المشبوه و«الحب القاتل» الغربي وغير الغربي. فلم تكن الثورة المصرية إيذاناً بانبلاج عصر الإسلام السياسي الثوروي الذي ينتهي إلى خيار بين أمرين: أحدهما نظام شمولي مغلق، وآخر ليبرالي تابع للنظام الدولي واحدى أدواته. لا تسعف ثورة مصر المبشّرين بالدولة القوية والحديثة والعادلة من خلال حكم وسلطة جماعة دينية أو حزب يحاول ان ينقض التطور الحضاري المدني لشعب باسم ثقافة بدائية أو سلفية أو أصولية تأتي من خارج سياق الطبيعة المتراكمة والمكتسبة وإبداعاتها. فلم يسقط الإسلام السياسي الإخواني وحده في ثورة مصر وهو إسلام طوائفي منتج في بيئة وأجهزة ومصالح وعبر أشخاص يطبعونه بطابعهم ونوازعهم.
لقد سقط مشروع الاعتداء الشامل على حرية المجتمع بفرض عقيدة أو فرض نظام أو خيارات من خارج وعيه وإرادته وحريته. سقط حكم الجماعة والحزب والقائد والديكتاتور والطغمة بمختلف أشكاله وتجلياته. ومن مصر نستمد الروح ليس فقط لتصحيح التوازن الإقليمي المختل بصورة كاسحة في الاتجاه السلبي ضد حقوق الشعوب العربية، بل كذلك لمواجهة كل الهراء والمراوغة والادعاءات التي جرّبت ان تحول ثورات الشعوب العربية إلى مشاريع مؤامرات أو حركات فوضى وعنف وإرهاب، وفي أحسن الأحوال إلى تخريب أنظمة التسلّط التي أنتجت الثورات وأنتجت كذلك تشوهاتها حيثما وقعت هذه التشوهات أو انكسرت إرادة الشعوب أمام التعاون والتقاطع المعروفين في المصالح الإقليمية والدولية.
وتبقى تجربة مصر مثالاً لإجماع «الشعب» لا القبائل والطوائف وشيوخها وزعمائها ومرشديها وقديسيها. ففي الميدان الذي صنع التغيير صورة كل الأطياف والفئات والبيئات والمهن والكادحين بسواعدهم وعقولهم والمثقفين بقطاعاتهم والفنانين بفرحهم والإعلاميين والتواصليين بشاشاتهم وسخريتهم وغضبهم وبهجتهم، الذين صنعوا ويصنعون الحياة وثقافة الحياة الحرة الكريمة ضد جلاوزة السياسة وشعوذة وتهريج الفكر والعقم الفكري والسياسي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018