ارشيف من :أخبار لبنانية

ما بعد انقلاب مصر

ما بعد انقلاب مصر
أسامة الشريف - صحيفة الدستور الاردنية

بعزل الرئيس محمد مرسي من قبل الجيش وتعيين رئيس مؤقت يشرف على مرحلة انتقالية تنتهي بانتخابات برلمانية ورئاسية جديدة وتعديلات دستورية، تكون مصر قد دخلت مرحلة «ثورية» جديدة لا يعرف أحد كيف ستنتهي.

 الجدل حول اذا كان ما حصل هو انقلاب عسكري أم لا لن ينتهي ولكل طرف وجهة نظره. الأهم ربما هو ان غالبية الشعب المصري طلبت التغيير ورضيت به. كما ان الجيش سارع الى تسليم مقاليد الحكم لرئيس مدني غير منتخب برضا الاحزاب المعارضة والقوى المدنية والدينية ورفض معظم الاحزاب الاسلامية وعلى رأسها حزب الحرية والعدالة الذي كان يحكم مصر.

نجاح او فشل هذه التجربة الفريدة في التاريخ السياسي العربي والمصري يكمن في قدرة الجيش والشرطة على منع العنف واحتواء المعارضين في الميادين وبأقل الخسائر من جهة، في مقابل اقناع الاخوان ومناصريهم بالعودة الى الحياة السياسية دون اقصاء، من جهة اخرى. الشرط الأول يتطلب مرونة في التعامل مع المتظاهرين السلميين في مقابل حزم شديد في قمع من يلجأ الى العنف ويحاول ان يعطل المسيرة السياسية. اما الشرط الثاني فهو الاصعب حاليا حيث ترفض الجماعة الاعتراف بما حصل وتصر على شرعية الرئيس مرسي. كما ان هناك مؤشرات مقلقة حول اعتقال قادة الجماعة والحزب وغلق محطات فضائية رغم كل ما يقال عن تجنب الاقصاء.

ما حدث في مصر ينعكس بالضرورة على الساحة العربية والاقليمية. تباينت ردود الافعال بين مرحب ورافض لما حدث والخوف ان تزيد الحالة المصرية من حالة الاستقطاب السياسي والمذهبي الخطيرة التي تمر بها المنطقة. وهناك عدة قضايا تطرح نفسها اليوم منها: 

اولا: هل انتهى حقا زمن الاسلام السياسي بسقوط اخوان مصر وفشل تجربتهم هناك؟ وكيف سينعكس ذلك على ما يحدث في سوريا واليمن والاردن وتونس والمغرب؟ وهل يدفع ذلك الجماعات الجهادية كي تحتل الساحة وتعيد انتاج ما يحدث في سوريا والعراق؟ هل تظهر جماعات اسلامية جهادية مصرية على الساحة تحارب النظام كما حصل في ثمانينات القرن الماضي؟ 

ثانيا: هل تستطيع الثورة المصرية، بفصلها الثاني، ان تحقق طموحات الشعب المصري الذي ثار في 25 يناير مطالبا بالحرية والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية؟ هل تنجح الحالة الثورية المتجددة في ايصال اكبر بلد عربي الى تلك الاهداف النبيلة؟ ام نرى انزلاقا خطيرا نحو عنف وترويع واقصاء، على الطريقة الجزائرية، بحيث تضل الأمة وتفقد بوصلتها؟ هل يقبل الاخوان الوضع القائم ام يختاروا التطرف والراديكالية والعنف؟ 

ثالثا: الاطاحة بالاخوان في مصر، وبتدخل من الجيش، يعد فشلا ذريعا للسياسة الخارجية الاميركية من ناحيتين. 

الأولى انها دعمت هذا الفصيل السياسي بعد ثورات الربيع العربي واعتبرته بديلا مقبولا رغم تحذيرات الحلفاء في السعودية والامارات والاردن، والثانية ان التغيير جاء من مؤسسة الجيش وهي الأقرب الى واشنطن منذ التوقيع على اتفاقية كامب دافيد. وبحسب المراقبين فقد فشلت الادارة الاميركية في اقناع الجيش، ممثلا بقائده العام عبد الفتاح السيسي، بمنح مرسي فرصة ثانية. وظلت السفيرة الاميركية في القاهرة تحاور اقطاب الجماعة حتى اللحظة الأخيرة ولم تقرأ المشهد جيدا.

ورابعا وربما أخيرا فان كل ما حدث في السنة الماضية من حكم الاسلاميين لمصر، البلد الأكبر والأهم في المنطقة، يعيدنا الى المربع الأول وهو كيف نجتاز ما هو قابع امامنا من تحديات سياسية واجتماعية وثقافية للوصول الى الدولة الديمقراطية الحديثة التي تعترف بالقيم العالمية من حريات وحقوق انسان وتعددية ودولة مدنية وفصل للدين عن الدولة وسيادة للقانون وغير ذلك؟

ما حدث في مصر الاسبوع الفائت هو زلزال سياسي كبير بلا شك. هناك من اعتقد، وانا منهم، ان عهد الاخوان والاسلام السياسي سيمتد لسنوات وربما عقود، لكن فشل الجماعة في الحكم وادارة مفاصل الدولة والتصدي لتحديات العصر وايجاد الحلول كان كفيلا بافشال تجربتهم في زمن قياسي. مهما قيل عن المؤامرات والتحالفات المناهضة فان منظر عشرات الملايين من المصريين الذين نزلوا الى الشارع مطالبين بانهاء حكم المرشد لا يمكن ان ينساه التاريخ. فقد الاخوان شعبيتهم بسبب سوء ادارتهم للدولة المصرية وسنرى تداعيات ذلك في اكثر من بلد.

لكن تحديات الاستقرار والخروج من الازمات واحتواء المناهضين تبقى كبيرة وحقيقية. كما ان انجاز الدولة العربية الحديثة يبقى حلما نتعلق به بينما نرقب بقلق تجليات ما يحدث في مصر وغيرها!
2013-07-08