ارشيف من :أخبار لبنانية
المستقبل يلهو بقنابل موقوتة
غسان سعود - صحيفة الأخبار
لا يكفّ تيار المستقبل عن الاستثمار في الموت واستغلاله. من 14 شباط 2005 الأول إلى «14 شباط» الثاني. ثمة من يفيد المستقبل موته، ليس فقط لأنه يزاحمه في حياته. يتوّج المستقبل في تأبينه قادة المجموعات المسلحة وتأكيده تمثيلهم نصف الشعب اللبناني مسيرة طويلة من استغلال هؤلاء بدأت عام 2005 ولا تنتهي، كما يبدو، بموتهم.
كان الصيف يختلف في عكار قبل بضع سنوات عمّا هو عليه اليوم. كانت القرى تستيقظ قبل طلوع الضو لتسبقه إلى سهل العنب الأحمر، يقطفونه بعناية، يغنّون، ينقّونه، يناولونه بحذر لعاملات سوريات يلوِنَّ المشاريع بألوان مناديلهن ليوضّبنه في «سحاحير» يحملها أزواجهن إلى «بيك آب» ينطلق بحمولته إلى السوق الطرابلسيّ قبل الحادية عشرة صباحاً، موعد انتهاء العمل وعودة العمال بعشرين ألف ليرة لكل منهم إلى قراهم، يغيّرون ثيابهم ويمضون إلى الأنهر.
ما كان حزب الله وسلاحه يجثم على قلوب هؤلاء الشباب، ولا الظلم اللاحق بالمسلمين في البوسنة والهرسك. كان واحدهم يحلم بالزواج لزيارة الروشة في شهر العسل والمرور بوسط بيروت، وربما «السلطنة» مع جورج وسوف في أحد مطاعم المعاملتين. كانت الحياة مختلفة. كان الشباب يحلمون بوظيفة رسمية: المتعلمون منهم بموقع «أستاذ» في وزارة التربية أو «ضابط» في حال فتحها الله في وجوههم، وغير المتعلمين جنوداً في الجيش.
كان، ولا يزال، يمكن في عكار، في ببنين وبرقايل وبزال وعكار العتيقة ودنبو والكويخات وكل القرى الأخرى، رؤية المعاشات العسكرية الصغيرة تصطف في مكعبات أسمنتية واحداً فوق الآخر. كانت الحياة حلوة. ما كان يمر أسبوع من دون عرس في ساحة إحدى البلدات تلتمّ القرية كلها تحت لمباته ومكبرات الصوت تبثّ أغاني نجوى كرم وملحم بركات بعيداً عن السياسة وأخواتها. كان النقاش السياسي قليلاً، وقلّة المهتمين بالقضايا العامة توتّر المهتمين، لكن كنت ترى أشخاصاً يأخذون ويعطون أياً كان الحديث.
كانت عكار مختلفة. لم يغيّرها حزب الله. أصلاً لم يقترب صوبها الحزب. من غيّرها هو تيار المستقبل. بدأ ذلك عام 2005، حين انهار سد ماليّ ومذهبيّ وأخلاقيّ. ما عاد في هذه القرية وتلك شخصان يتعلمان على حساب الحريري مشكوراً وشخصان آخران يتطبّبان واثنان ينشطان مقابل أجر في تياره. بات الكل مرشحاً لـ«هبش» قطعة من قالب الحلوى الحريرية: الكل يريد تسجيل سيارته لنقل المتظاهرين إلى بيروت، حتى من لا يملكون أساساً سيارة.
الكل يريد تسجيل اسمه في قوائم المندوبين، حتى من لا يملكون أيّ خبرة انتخابية. الكل يريد أن ينشط في المستقبل، حتى ضحايا سياساته الاقتصادية. والكل يريد أن يثبت أنه أحق من الكل بقطع الحلوى أياً كانت وسيلة ذلك. تغيّرت الأعراس والسهرات ومضمون النقاشات. ما عاد دخول المؤسسات الرسمية حلماً ولا التطوع في الجيش طموحاً. من يحلم بخمسمئة ألف ليرة أو مليون وأمامه ملايين بأمها وأبيها؟ من يكترث بالمكعب الأسمنتي الصغير وفيلات المستقبليين تنتشر يميناً وشمالاً؟ من ينتظر أجره التقاعدي وحقائب الأموال الحريرية تصول وتجول أمامه.
كانت الأمور تتدهور لكنها لم تكن كارثية، حتى وضعت حرب تموز أوزارها. كان ذلك قبل أحداث السابع من أيار بنحو عامين. اخترع تيار المستقبل، على نحو عاجل ومتهوّر، الشركات الأمنية: تتقاضى هنا ضعف ما تتقاضاه في المؤسسات الرسمية وضعفي ما تتقاضاه في السهل. عبقريٌ ما قرر مواجهة حزب مسلح من عشرات السنوات، ومنظّم على نحو خيالي، ولديه عقيدة قتالية مذهبية سياسية متماسكة، بمجموعة شباب ليس العمل الأمني بالنسبة إليهم سوى استرزاق.
خطف المستقبل هؤلاء من السهول والمؤسسات السياحية الصغيرة والمؤسسات الرسمية من جيش وقوى أمنية ووزارات مختلفة، ولم يلبث بعد نحو عامين، إثر أزمته المالية وأحداث 7 أيار واتفاق الدوحة والانفتاح السوريّ ــــ الحريريّ، أن قطع الأموال عنهم ورماهم.
هكذا بدأت الكارثة. هؤلاء الذين يردّد الإعلام أسماءهم اليوم حين يتحدث عن «قادة محاور» حرب طرابلس الأهلية (والذين يتغزّل أشرف ريفي بهم)، ومجموعات الطريق الجديدة وعكار وعرسال ومجدل عنجر المسلحة، ليسوا إلا قادة أفواج المستقبل سابقاً. وحتى لو كان الشيخ أحمد الأسير مثلاً، وقبله شاكر العبسي، لم يكونا ضمن القادة الفعليين لمجموعات تيار المستقبل الأمنية، فإن مسلحيهم ليسوا إلا الشباب الذين أخرجهم المستقبل من نمط حياتهم وأحلامهم، وحين طردهم بحثوا عمن يعوض لهم أجور المستقبل. مرة أخرى تحققت نبوءة الإمام موسى الصدر عن تحول السلاح، حين يفقد فكره السياسي، إلى سلاح قطّاعي طرق. فلا يكاد مموّل يقبض على كفه، حتى يسمع بعودة الخوّات تفرضها المجموعات المسلحة على تجار طرابلس وسرقة سوبرماركات والسطو على المصارف.
كانت أحلامهم جدياً مختلفة. كان شباب الضنية يريدون قطعة حلوى صغيرة من القالب الكبير الذي يأكله النائب أحمد فتفت أمامهم. في حساباتهم، مصطفى هاشم وعزام دندشي ورياض رحال وغيرهم ممن اختارهم تيار المستقبل لتمثيل عكار عام 2009، وكل المفاتيح الانتخابية التي اغتنت على عجل، ليسوا أحسن منهم. لكنهم باتوا في ملعب آخر.
وبدل ارتعاد تيار المستقبل ومحاولته إعادتهم إلى ما كانوا عليه، تفرّج على تعبئة فراغهم السياسي مذهبياً، ساعياً الى استغلال حماستهم في تحقيق أهدافه السياسية، في ظل تشتت قيادته وانهيار منظومته الخدماتية وافتقاره. على غضبهم من توقيف الأمن العام شادي المولوي، اتكل الرئيس سعد الحريري لمحاصرة الرئيس نجيب ميقاتي بفوضى عجز تياره عن تحقيقها في يوم الغضب. وخلال عامين، كان المستقبل المستفيد الوحيد من كل ما ألحقته تلك العصابات بطرابلس للضغط على ميقاتي، والمستفيد الأوحد من كل التوتر الذي سبّبه أحمد الأسير لحزب الله جنوباً.
ورويداً رويداً، كلما قتل أحد العناصر الفاعلين في هذه المجموعات كان يتضح أكثر فأكثر حجم التعويل المستقبلي على هؤلاء ورهانه عليهم. فمن حداده العام على الشيخ أحمد عبد الواحد، إلى زحفه صوب عرسال غداة اصطياد استخبارات الجيش أحد قادة المجموعات التكفيريّة، وصولاً إلى إعلان النائبة بهية الحريري أن يوم تدمير الجيش اللبناني معقلاً تكفيرياً أعدم مسلحوه ميدانياً عناصر من الجيش، هو 14 شباط ثان، وتأكيد رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة أن «مطالب أحمد الأسير كانت مطالب نحو نصف الشعب اللبناني»، مع العلم بأن أرقام انتخابات 2009 تؤكد أن 54.7 في المئة من المقترعين اختاروا قوى 8 آذار مقابل 45.3 بالمئة اقترعوا لقوى 14 آذار، ما يوحي بأن حسابات السنيورة في تحديد «نصف الشعب اللبناني» الذي اختار الأسير ناطقاً باسمه، توازي في دقتها حساباته المالية.
توقف المستقبل عن المراوغة: هذه المجموعات تمثّلني، إما يكون الجيش على ذوقي المذهبي أو لا يكون. انتهى زمن تمثيل النائب سمير الجسر تيار المستقبل في طرابلس. هدوء الجسر ورصانته من الماضي. أشرف ريفي يمثل مستقبل طرابلس اليوم. يفضّل المستقبل النائب خالد ضاهر على زميله خالد زهرمان. المجموعات المسلحة استثمار مستقبليّ، يحققون للمستقبل كل ما يشتهيه من تحريض وتوتير وشغل لخصومه، ولا يتكلف المستقبل في المقابل عليهم أكثر من السير في جنازاتهم.
هذا ما فعله تيار المستقبل لمغامرين ظنوا أنهم هبطوا فجأة في أرض الأحلام، تركهم يحوّلون «فولارات» 14 آذار إلى أحزمة ناسفة ويستبدلون الرايات الملونة برايات سوداء.
لا يطول النقاش معهم، وبعضهم كانوا في صغرهم طلاباً في إرساليات مسيحية، حتى ينحرف باتجاه مذهبيّ ليس له مخارج. بعضهم ما كان يريد فعلياً أكثر من ملء خزان سيارته بالوقود، البعض الآخر كان ملّ العمل الزراعيّ ويحلم ببيروت، وكثيرون ظنوا أن مزايداتهم المذهبية مثل مزايداتهم السياسية سابقاً في تأييد حزب البعث، يمكنهم العودة عنها ساعة يشاؤون. يتفرج المستقبل على صناعة القنابل الموقوتة، ولا يسعى، ولو شكلياً، لتفكيكها أو كفّ يد صانعها. مقابل ازدحام جدول أعمال خصومه، ليس على جدول الأعمال الحريريّ سوى التهديد بتفجير هذه القنابل.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018