ارشيف من :أخبار عالمية

ما ضرّكم؟

ما ضرّكم؟
قاسم حسين - صحيفة الوسط البحرينية

مع إطلالة شهر رمضان المبارك هذا العام، يستقبل البحرينيون باستغرابٍ، خبر إصرار الحكومة على تحويل موقع مسجد أبي ذر الغفاري إلى حديقة عامة.

الحكومة التي أهملت عشرات القرى لأكثر من ثلاثة عقود، في أكبر المحافظات وأكثرها سكاناً، تصرّ اليوم على إنشاء حديقةٍ صغيرةٍ في قرية النويدرات، رغم رفض الأهالي وتمسّكهم بإقامة المسجد في موقعه الأصلي.

الحكومة التي كانت آخر ما تفكّر فيه إقامة حدائق عامة، في تلك القرى المهملة التي تعاني من تهتك البنية التحتية، تصرّ اليوم وبطريقةٍ تدعو للعجب والاستغراب، على إنشاء حديقة مكان مسجد.

هذا المسجد الصغير، الذي يحمل اسم الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري (رض)، كان واحداً من بين 38 مسجداً تم هدمها بجرافات وزارة البلديات والتخطيط العمراني! وبدل أن تُصحّح الأمور، قام وزير العدل والشئون الاسلامية والأوقاف بتبرير هذا الفعل الشنيع. وكانت الحجة بأن بعضها غير مرخص، ووزارة العدل تدرك تماماً أن الكثير من هذه المساجد وُجدت قبل تشكيل الهيئات الإدارية الأولى للدولة في الثلاثينيات.

المتتبع لمواقع هذه المساجد، يكتشف أن بعضها كان يقوم وسط المزارع وعلى أطراف القرى، يوم كانت الزراعة مهنة أكثرية شعب البحرين قبل اكتشاف النفط. وفي العقود الأخيرة حيث انحسرت الرقعة الزراعية، هجرت هذه المساجد القديمة، لكن بقيت آثارها وحدودها معروفةً لأبناء كل منطقة، وفي العقد الأخير شهدت حركة إعادة تعمير، على أيدي المحسنين ومحبّي الخير.

في منطقتي مثلاً، البلاد القديم، تم في هذه الفترة إعادة إعمار ثلاثة مساجد متقاربة، يمكن لكل من يدخل المنطقة من جهة منتزه عذاري أن يشاهدها (الرحى والعمار والعصفري). هذه المساجد الواقعة على أطراف القرية الجنوبية، كانت مجرد أطلال أو بناء يوشك على السقوط، أصبحت عامرةً بالمصلين اليوم، تقف عندها السيارات وقت أداء الفرائض ليؤدوا الصلاة. فما الذي يضيركم أن تُعمر مساجد الله ويذكر فيها اسمه بالغدو والآصال؟ ولماذا الإصرار على هدمها ومحوها من الوجود؟ ولماذا إقحام هذه المساجد في معترك السياسة؟ وهل الانتقام من المعارضين يستوجب هدم مساجدهم... متناسين أنها بيوت الله قبل كل شيء وبعد كل شيء؟

في هذه الحرب غير المنطقية وغير المفهومة، سلّم أهالي منطقة النويدرات إدارة الأوقاف الجعفرية ملفاً يضم وثائق وشهادات تثبت الموقع الأصلي لمسجد أبي ذر، والذي تصر وزارتان من وزارات الدولة (البلديات والعدل) على تحويله إلى حديقة. الوزارة الأولى تصر على أنه بناءٌ مخالف، بينما تصر الأخرى على أن موقعه ملكٌ للدولة، وأنه شُرِع في بناء «المنشأة الدينية» عليه دون تخصيص الأرض.

الإصرار على استخدام مصطلح «منشأة دينية» يعتبر بدعةً أصلاً، وهو ما يحدث لأول مرةٍ على مستوى العالم الإسلامي قاطبةً، ورغم كثرة الصراعات بين المسلمين عبر التاريخ، إلا أننا لم نقرأ أن خلافاً بينهم، سياسياً أو دينياً، انتهى إلى هدم مساجد بعضهم بعضاً.

كان الأجمل بهذا البلد وتاريخه، ونحن نستقبل شهر الرحمة والمغفرة، أن تطوي الحكومة هذه الصفحة السوداء، وأن تعيد في صمت وهدوء ما هدمته من مساجد بدل المكابرة والإصرار على الأخطاء... فاستيقظوا يا أولي الأبصار.
2013-07-10