ارشيف من :أخبار لبنانية
العسكر والحرامية؟
بهاء الدين يوسف-بوابة الاهرام
من يقرأ تاريخ مصر الحديث يستشعر فيما يجري حاليا من أحداث روائح الفترة التي تلت ثورة يوليو.
بداية من بيان القوات المسلحة المسموع في الأول من يوليو، وصولاً إلى حالة الإنكار التي يتقمصها الإخوان في محاولتهم للبقاء في السلطة مهما تكلف ذلك من جثث ومهما كبد البلاد من خسائر.
تشابه كبير بين الآن والماضي يبرز أولاً في الدافع المحفز لتدخل الجيش وهو استشعار الخطر علي الدولة الوطنية نتيجة انصراف الحكم عن مصالح الشعب وضعف النخب السياسية وانشغالها بالصراعات البينية, وهو ما دفع الجيش للتدخل قبل أن ينتقل تأثيره إلي تماسك القوات المسلحة نفسها, وهنا يجب علينا تأمل أوجه الشبه في تطور موقف الإخوان من العسكر بعد ثورة يوليو وموقفهم منهم بعد ثورة يناير, فمثلما باركوا وأيدوا تولي المجلس العسكري حكم البلاد بعد تنحي مبارك, وبالغوا في مغازلته ليصفوه بـ الجيش المصري البطل بحسب بيانهم الصادر صباح اليوم التالي لتنحي مبارك والذي ثمنوا فيه التوجه السليم للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في سبيل نقل السلطة سلميا, وهو بالمناسبة نفس البيان الذي أعلنوا فيه أنهم لن يرشحوا أحدا للرئاسة ولن يسعوا للأغلبية في البرلمان لأنهم احرص الناس علي الأمن القومي!! وكان ذلك السلوك قريبا جدا من تعاملهم مع ثورة يوليو التي باركوها في البداية واعتبروها حركة وطنية مباركة, وأمروا كوادرهم بتنظيم المظاهرات المؤيدة لها صبيحة الثالث والعشرين من يوليو كما طلب مرشدهم وقتها حسن الهضيبي من عبد الناصر سرعة إخراج الملك فاروق من البلاد.
ولأن حسابات المصالح هي الفريضة الحاضرة دائما في منهج الجماعة فقد تحول الغزل إلى عداء بين بعد أن فشلوا في تبديل الولاء الوطني للسيسي إلى ولاء للإخوان, فوصفوه بجيش الهزائم( محمد البلتاجي) ووصفوا قياداته بالفاسدين( محمد بديع) وكفار غزوة الخندق( صفوت حجازي), وهو موقف يشبه إلى درجة التطابق تعاملهم مع عبد الناصر حين انقلبوا عليه بعد تأكدهم من انه لن يكون تحت سيطرتهم, ووصل العداء إلي ذروته بعد إنشاء هيئة التحرير لتكون وعاء سياسيا للثورة الوليدة وهو ما دفع الهضيبي لأن يقول لعبد الناصر محتجا ما هو الداعي لإنشاء هيئة التحرير ما دامت جماعة الإخوان قائمة؟! والطريف أن الإخوان الذين يشجبون الآن انحياز الجيش إلي الشعب ويعتبرونه انقلابا عسكريا يستدعي محاسبة منفذيه, نسوا أن يوضحوا لنا الفارق بين تأييدهم الانقلاب علي ملك شرعي في52, وشجبهم لإقصاء رئيس شرعي أيضا إذا كان الاثنان ارتكبا نفس الأخطاء من الانصراف عن الشعب وتعريضه السلم الأهلي والأمن القومي للخطر!.
الغريب أيضا أن الإخوان كرروا في الواقعتين نفس الطريقة في مقاومة إبعادهم عن المشاركة في الحكم دون أي إبداع رغم الفارق الزمني الكبير, فوسائلهم التقليدية هي بالترتيب التأليب ثم التخريب وصولا إلي إراقة دماء الرافضين لهم, ومعها دماء الآلاف من أبناء الجماعة طالما أن ذلك يخدم سعي الجماعة للظهور بمظهر الضحية, ولعل ما حدث حتي الآن في رابعة والجامعة وأمام الحرس الجمهوري يذكرنا بمحاولات الجماعة تأليب محمد نجيب علي عبد الناصر, ثم افتعال المعارك الدامية مع شباب هيئة التحرير في بدايات عام1954 والتي استخدم فيها شباب الإخوان الأسلحة والقنابل والعصي فضلا عن حرق المقار والسيارات, وأخيرا محاولة اغتيال عبد الناصر في حادث المنشية الشهير.
ولأن من لا يتعلم من ماضيه لن يرحمه مستقبله كما تقول الحكمة المشهورة فإنني انصح الحالمين بمستقبل سياسي يشمل الإخوان بإعادة قراءة ما فعلته الجماعة بعد حلها عام1954 حين ردت علي قرار عبد الناصر بتخفيف أحكام الإعدام علي مرشدها العام وبعض قادتها وقتها بتدبير محاولة فاشلة جديدة لاغتياله وقلب نظام الحكم في منتصف الستينيات بموافقة المرشد وتخطيط سيد قطب الذي عوقب عليها بالإعدام مع آخرين. يصعب جدا من وجهة نظري- المصالحة مع فكر سياسي اختزل الغضب الشعبي العارم ضد فشل الجماعة في وصفه بأنه مجرد انقلاب عسكري علي رئيس منتخب, وبدلا من التحلي بالشجاعة والبقاء في قلب اللعبة السياسية لضمان سرعة تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ونزاهتها والمشاركة فيها للعودة إلي السلطة استنادا إلي قناعتهم بأنهم يمثلون أغلبية الشعب, راح قادة الجماعة يحشدون مئات الآلاف للبكاء علي الشرعية المزعومة ومناشدة القوي الدولية للتدخل في سلوك انتهازي وضيع, ثم يصرون الآن علي إخراج الأمر من إطاره السياسي إلي مواجهات مسلحة مع الجيش والشرطة والشعب أملا في تكرار السيناريو الجزائري الذي حصد أرواح ما يقرب من200 ألف شهيد خلال عشر سنوات, لكنهم لحسن الحظ يتناسون وجود اختلاف جوهري يتمثل في أن الجيش الجزائري ألغي نتائج الانتخابات بعد إعلانها مباشرة مما اكسب جبهة الإنقاذ الإسلامية هناك قدرا كبيرا من التعاطف الشعبي, كما أن تدخل السيسي ورفاقه في مصر جاء استجابة للضغوط الشعبية.
في النهاية سوف يبقي الإخوان علي اقتناعهم بان ما حدث هو انقلاب ضحك فيه العسكر علي الشعب الغبي لحرمان الجماعة من حقوقها الشرعية, ولا أجد ردا علي معايرتنا الدائمة بالسير عميانا وراء الجيش سوي تذكيرهم بأهم قاعدة من قواعد اللعبة الشعبية الشهيرة وهي أن الاحتماء بالعسكر أكثر أمنا وتوفيقا من الانحياز للحرامية!.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018