ارشيف من :أخبار لبنانية

إمـــارة رابعـــة العدويـــــة

إمـــارة رابعـــة العدويـــــة

محمد ابوالفضل-بوابة الاهرام

بالطبع لا أقصد التهكم من المسجد وصاحبته الزاهدة‏،‏ ولا حتى من المكان والمقيمين فيه من السكان الأصليين والوافدين, لكن ما أعنيه بالعنوان أن جماعة الإخوان المسلمين على استعداد لإقامة إمارة خيالية ولو علي مساحة كيلومتر مربع فقط, انتظارا لأمل( لن يأتي أبدا) يمكن فيه زيادتها, وقضم مساحات مجاورة, يتم احتلالها والسيطرة عليها, بحكم الأمر الواقع.

هذه الفكرة, ليست من قبيل أحلام اليقظة, لكنها عقيدة كامنة في عدد كبير من أدبيات الجماعة وفروعها المختلفة, والتي ثبت فشلها في غزة, حيث راهنت حماس علي تمددها في الضفة الغربية وإسرائيل, وعندما فشلت في تحقيق حلمها, تاجرت بمعاناة شعبها من الحصار ومراراته, دون أن تقدم حلولا عملية للخروج من النفق, بل تسببت خطوة حماس لفصل قطاع غزة عن الضفة في ضياع اللحمة الوطنية الفلسطينية, وربما القضية برمتها. وعندما ضحي النظام السوداني بالجنوب لإقامة دولة إسلامية خالصة, أصبح الشمال معرضا لمزيد من التفتت والتشرذم. وفي الحالتين لم تذرف القيادات الحاكمة في غزة والخرطوم دمعة واحدة علي ضياع القضية والأراضي, وكان الهم منصبا علي استمرار المشروع- الفكرة. وبدلا من تصحيح الأوضاع لمنع مزيد من الأخطاء, يواصل أصحاب هذا الاتجاه المشي في طريق مملوء بالأشواك, ثقة في نزول مدد من السماء يمكنهم من الوصول إلي أهداف وطموحات التنظيم الدولي للإخوان.

ومع أن السماء لا تمطر ذهبا أو فضة, كما هو معروف, فلايزال أصحاب هذا النوع من الأفكار يصرون علي مواقفهم الضالة, ويستغلون طيبة المواطنين, ويوظفون معاناتهم لخدمة أغراضهم. انظر إلي اعتصام أعضاء ومؤيدي جماعة الإخوان عند ميدان رابعة العدوية, وسوف تكتشف أنهم علي استعداد للبقاء في هذه البقعة فترات طويلة. فتحت ستار مساندة عودة الرئيس المعزول, جري إنشاء مستشفي ميداني متطور, يفوق عشرات المرات ما كنا نراه من خيم علي شكل مستشفيات متنقلة في ميدان التحرير. وغرف سرية لإدارة الأزمة, تشعرك بأنك في إحدي غرف عمليات القيادة العامة للقوات المسلحة. وأجهزة بث فضائي( مسروقة من التليفزيون) لا توجد في كثير من المحطات العالمية. ناهيك عن الاستعدادات الكبيرة لتوفير الأمن الداخلي والملبس والمأكل والمشرب للمعتصمين, وحتي دورات المياه وخلافه, وكلها تشير إلي الرغبة في البقاء الرمزي لأجل غير مسمي, حتي لا تموت الفكرة, ويختفي المشروع الوهمي, ويذهب معهما عشرات وربما مئات القيادات, الذين جاهدوا من أجل الاستمرار علي قيد الحياة. لذلك هم يجرون الناس إلي خندق العنف, لتختلط الأوراق السياسية والأمنية, فقد تتمدد إمارة رابعة العدوية.

إنه يشبه الخيار شمشون الذي تحدث عنه الكاتب البريطاني سيمور هيرش, في كتاب له تناول فيه أسرار وخفايا الترسانة النووية الاسرائيلية, وهو وصف للوضع الذي تستخدم فيه تل أبيب سلاحها النووي, وهو مستعار من قصة شمشون الجبار الواردة في التوراة. بمعني أن جماعة الإخوان تزعم أنها تستطيع قلب الطاولة علي رأس الجميع, بعد أن فشلت خطتها للحصول علي تعاطف دولي يؤيد تحركاتها السياسية والأمنية المتخبطة. وهنا ترمي إلي تحقيق أحد هدفين. الأول, تتمكن من التفاوض مع المؤسسة العسكرية الوطنية, علي أعلي سقف وهو عودة الدكتور محمد مرسي للسلطة, حتي تصل إلي المستوي الأدني الذي تريده والخاص بالخروج الآمن للرئيس المعزول وقيادات مكتب الإرشاد, وترك الكوادر من البسطاء إلي مصيرهم المجهول. والهدف الآخر, الدخول في حرب عصابات, تستخدم فيها الأذرع الإرهابية التابعة لها في سيناء ومناطق متباينة, لإحراج الجيش, وجره إلي مستنقع غامض, ومحاولة استدعاء صور الضحايا في سوريا للمشهد المصري. وهذا رهان خاسر جديد, حيث ثبت أن الجماعة في أضعف حالاتها الآن, وما تقوم به من تصرفات تتسم بالعشوائية أكبر دليل علي دخولها مربع النهايات السوداء. وتمسكها بالبقاء في محيط رابعة العدوية يؤكد ضعف خيالها السياسي.

وهو الخيال المحدود الذي أوقع الجماعة في مطب معقد, أوصلها إلي الصدام مع غالبية فئات المجتمع. وأخشي بعد انفضاض مولد المتظاهرين, أن تتحول منطقة رابعة إلي رمز أو حائط مبكي جديد لبعض المجذوبين والحالمين بدولة علي الطريقة الإخوانية, لأن صدمة سقوط المشروع الخيالي أفقدت الكثير منهم توازنه العقلي.
 

2013-07-11