ارشيف من :أخبار لبنانية
’14 آذار’ تخسر المعركة وتواصل الحرب على الجـيش
ميسم رزق-"الاخبار"
بوغِت نواب الرابع عشر من آذار بصك البراءة الذي رفعه وزير الدفاع فايز غصن في وجههم، من خلال أشرطة فيديو تؤكد اعتداء جماعة أحمد الأسير على عناصر المؤسسة العسكرية. ففي جلسة لجنة الدفاع النيابية التي أرادها الآذاريون اجتماعاً لمساءلة الجيش، بلع هؤلاء ألسنتهم، وباتوا اليوم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التراجع أو المُضي في سياسة تخوين الجيش.
لا يترُك فريق الرابع عشر من آذار ملفاً إلا ويغامر فيه. منذ أحداث عبرا الأخيرة، صوّب نوّاب هذا الفريق سهامهم على الجيش بحجّة أن «ما حصل على حاجزه لم يكُن يستحق كل تلك المعركة التي حصلت». لولا «العيب والحياء» لاستخدم هذا الفريق، جملة الرئيس سعد الحريري الشهيرة التي اتهم فيها حزب الله بعد أسره جنوداً إسرائيليين عام 2006 بـ«المغامر الذي سيدفع ثمن تهوّره». لم يخرُج أحداً من 14 آذار ليقول إن المؤسّسة العسكرية غامرت في صيدا بحياة عناصرها. إلا إن محور حديثها لامس العبارة دون نطقها علناً. تورّط نواب 14 آذار في «حرب» سياسية خاسرة مع البزّة المرقّطة، تحت عنوان «مجموعة من التساؤلات المقلقة» التي لا تدور إلا في أذهانهم وحدهم.
أسئلة لم تُشبعها أربعة بيانات خرجت على لسان قائد الجيش العماد جان قهوجي، أكد فيها «قيام الجيش بواجبه الوطني بكل الإمكانات المتاحة»، من دون إعطاء تفاصيل دقيقة عمّا حصل عشية الاشتباكات. كل ما كان يريده هؤلاء اعتراف واضح وصريح من قهوجي عن «مشاركة السلاح الميليشيوي السلاح الشرعي في حربه ضد الأسير». ثمة من همس في أذن قهوجي قائلاً إن «اعترافك، ولو سراً أمامنا يشفي غليلنا»، نصيحة لم تدخل إلى رأس قائد الجيش الذي أصرّ على موقفه الرافض لأي «ابتزاز»، حتى بعد محاولة إقناعه من قبل نواب في تيار المستقبل بأنّ «الحملة على مؤسسته ليست اتهاماً»، بل مجردّ «أسئلة تستدعي أجوبة، تهدئ على الأقل من فورة الناس في الشارع، ولا سيما في صيدا».
لم يلِج الجيش في ثنايا هذا الملف الشائك مع فريق الرابع عشر من آذار. أرادها حرباً معلنة أمام الجميع. لم يكُن ليعلم خصمه السياسي الجديد أن في جعبة القيادة العسكرية «قنبلة» ستنفجر في وجهه إذا ما أراد السير في حملته هذه. وبعدما صمّم نواب 14 آذار على إدانة الجيش من دون أن يكون في حوزتهم أي دليل يُبرّر هجمتهم، باغت وزير الدفاع فايز غصن وضباط الجيش اللبناني في جلسة الدفاع النيابية التي انعقدت أول من أمس لمساءلة الجيش، الصقور الآذارية بما لا يسُرّ خاطرهم. فكانت الوقائع التي عُرضت على شكل فيديو مُصوّر، بمثابة صفعة مدوية على وجه الساعين إلى تشويه صورة عناصر الجيش. كشفت الجلسة عن المستور بالحقائق الموثقة. حقائق بلع بعدها نواب المستقبل وحلفاؤه ألسنتهم. لم يعُد بإمكانهم استكمال كيل الشتائم والتخوين للجيش.
صك البراءة الذي رفعه غصن في وجههم كان أقوى من قدرتهم على المواجهة. ففي معرض محاولتهم إيجاد «فلسفة» ما لتشريع تهم وزعوها له على مرّ الأسابيع الماضية، انتقل النواب من الحديث عن أخطاء ارتكبها الجيش إلى فتح نقاش آخر، أُلقيت فيه المسؤولية على عاتق حزب الله. لم يجدوا مفراً آخر بعدما شاهدوا الشيخ أحمد الأسير يرتدي بزّته العسكرية ويحمل عتاده والسلاح ويأمر جماعته قائلاً: «خزقوهن تخزيق». وكيف واجه الأسير حاجز الجيش، صارخاً: «يا حيوانات بدنا نذبحكم»، آمراً مسلّحيه بإعدام عناصر الجيش عند الحاجز بالرصاص». لم تنتهِ جلسة الدفاع على خير، ولا سيما أن رئيسها النائب سمير الجسر ارتأى رفعها، بعدما علت أصوات النواب، واحتدم النقاش في ما بينهم. ليبقى السؤال: «هل سيخجل نواب مشروع العبور إلى الدولة من أنفسهم، ما سيرغمهم على العودة عن تهوّرهم»؟ قد يُخيّل إلى البعض أن ما كُشف سيدفع فريق الرابع عشر من آذار إلى إعادة حساباته، ورُبما تقديم اعتذار للقيادة العسكرية، إلا أن الواقع يمكن أن يكون مغايراً تماماً. فإنّ من يُعيد قراءة تصريحات نواب المستقبل، بدءاً بمعين المرعبي، مروراً بخالد الضاهر، وصولاً إلى أحمد فتفت، سيعي أن بوصلة الكلام التي تزعم «مشاركة الحزب إلى جانب الجيش في الاعتداء على أهل السنّة» لن تتبدّل. لكن هذا الكلام لا يختصر موقف قوى الرابع عشر من آذار.
ففي هذا الفريق رأيان يُتداوَلان بعد الجلسة. يعتبر الأول أنه «ليس من مصلحة 14 آذار، الاستمرار في حملتها على المؤسسة العسكرية التي أثبتت بالدلائل صوابية القرار الذي اتخدته رداً على اعتداء الشيخ أحمد الأسير على حاجز لها في صيدا»، معتبراً أن « تعنّت بعض النواب ضرب من الخوات، الذي سيقلّب نسبة كبيرة من القواعد الشعبية التي تنظر إلى هذه المؤسسة نظرة قداسة، ولن تقبل بعد مشاهدتها تجرؤ الأسير على عناصرها، بأن يستمر الخطاب التحريضي ضدها، بحجة الفرضية القائمة على تدخل حزب الله في المعركة وإدارتها، حتّى قبل وصول التعزيزات الأمنية التابعة للجيش». وفي هذا الفريق من قدّم نصيحة لزملائه بضرورة «لملمة الموضوع بالتي هي أحسن، بعدما خيّبت الفيديوات التي قدّمها الجيش أملهم في الوصول إلى مرادهم».
دعوة لم تقنع الرأي الآخر الذي «قرر تجاهل كل ما عرضه الجيش»، انطلاقاً من أن «سكوته عن حقه في المسائلة سيزيد من إخفاقاته السياسية، التي سمحت بظهور حالة كالأسير»، ولا سيما أن «تراجعه هذا سيؤكّد ضعفه، في ظل غليان الجمهور الذي يشعر بالضيم والظلم والاستهداف». ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن «الأسئلة التي يطرحها إنما تنقل ما يتداوله ناسه في ما بينهم، وأن تفوّهه بغير ذلك لا يعبّر عن نبض هذا الشارع الحقيقي». وبين هذين الرأيين، يقع فريق الرابع عشر من آذار أسيراً بين تصريحاته المتسرّعة وردّ الجيش على الحملة التي استهدفته. ونتيجة لذلك، لا يملك النواب إجابة شافية عمّا إذا كان في مصلحة فريقهم السكوت أو المُضي في سياسته ضد الجيش، في ظل «عدم وجود ضمانة تمنع تكرار المشهد الصيداوي في أي منطقة أخرى، وهو أمر من شأنه تفجير الشارع».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018