ارشيف من :أخبار لبنانية
الكنيسة تدعم خيارات سليمان وتذكّر بـ«إعلان بعبدا»
دنيز عطالله حداد-"السفير"
ماذا يعني اليوم الكلام عن الاعتدال واحترام الاختلاف والتعددية والبحث عن جوامع مشتركة؟ ماذا يعني اعتماد الحوار والنقاش سبيلا الى التفاهمات؟ اي ترجمة عملية للحديث عن المواطنة والوطنية والدولة والشعب الواحد؟ في زمن كالزمن اللبناني الذي نعيش، يبدو مثل الكلام المذكور خليطا هجينا يجمع بين السذاجة والتمرين الذهني وبين الامعان في البحث عن «جمهورية افلاطون».
اقله، هذا السائد والملموس. والمؤسف ان جميع القوى السياسية الوازنة تعتبر نفسها مثالا للاعتدال وصورته المجسدة. وان «الآخرين» هم المتطرفون والمحرضون على التعصب الطائفي والمذهبي وما يندرج تحتها من صفات. لا يختلف الكلام على ضفتي الانقسام السياسي. ففي نظر «14 آذار» ان «حزب الله» يجسد «المدرسة الشمولية في النظرة الى العالم، ولبنان تفصيل صغير في تلك النظرة والرؤية «، بحسب احد مثقفي هذا الفريق. في حين تعتبر «8 آذار» ان «المارد السني الذي بشّرنا بعضهم بالخروج من قمقمه ليس المارد الذي يلبي الرغبات والاحلام الخيّرة، بل هو ذاك الذي يحرض على الشر والانتقام واكل الاكباد»، بحسب احد المسؤولين في هذا الفريق.
لا ينفع في هذا المجال الاستنجاد بقول الامام الشافعي «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». فالسياسيون اللبنانيون يملكون الحقائق المطلقة ولا يقبلون جدلا او مساءلة.
يقول احد الاساقفة الموارنة المقيم، بسبب موقعه، على تماس السياسة في لبنان، ان «اللبنانيين يبتعدون عن تراثهم ويضحون بأثمن ما راكموا فيه واختبروه، اي العيش معا باختلافهم وبرضاهم». يضيف: «في دراسة لاحد علماء السياسة هو جايمس فايرون يقول ان 70 في المئة من دول العالم لا تزيد نسبة اكبر جماعاتها الاتنية او الثقافية عن 65 في المئة من السكان. ولبنان لا يُعتبر استثناء في هذا المجال، الا بما استطاع ان يبني عليه ويراكمه من اواصر وعلاقات انفتاح بين طوائفه ومجموعات اقلياته».
يرفض الاسقف «تأريخ لبنان بنزاعات ابنائه واقتتالهم»، محملا «جزءا غير قليل من الصراعات اللبنانية الى نظامنا السياسي الذي لم يبتكر طريقة لادارة التنوع والاستفادة منه في تعزيز الديموقراطية وترسيخها. فمجتمع متعدد كلبنان هو الارض الخصبة للرهان على الديموقراطية وتطويرها». ينقل الاسقف النقاش الى مكان مختلف مطالبا بـ«الحد من انتهازية السياسيين التي تستخدم الطبقات الضعيفة والمهمشة وتلعب على التناقضات مستغلة الفقر والبطالة والحرمان والجهل لتعزز العصبية والتعصب وتستخدم الناس وغرائزهم البدائية في الصراعات والنزاع».
ويخلص الى ان «لا نجاة للبنان الا بتغليب لغة العقل والانفتاح الحقيقي النابع من الضمير والقلب معا. فنحن امام امتحان اخلاقي لقيمنا الانسانية والدينية. ان اكملنا على هذا المنوال فمصيرنا بائس». يجيّر الاسقف كلامه لمصلحة رئيس الجمهورية ميشال سليمان معتبرا «ان انتهاجه الاعتدال خطا وسياسة هو التصرف الحكيم الذي يمكن ان يعيد لبنان الى سكة قيامة الدولة. واننا ككنيسة ندعم مواقفه لانها لا تأتي الا على خلفية المصلحة الوطنية. فليتواضع الساسة قليلا وليعودوا الى التلاقي والاتفاق والاختلاف تحت مظلة الدولة».
في السياق نفسه يؤكد مصدر قريب من رئيس الجمهورية ان «اعتدال الرئيس سليمان نابع عن قناعة بأن لبنان رسالة. وهو لا يمكن له ان يتغلب على ازماته وان يزدهر ويتألق الا في جو من الانفتاح وتقبل الاختلاف وتحويله الى طاقة بناءة يمكن ان تترجم انجازات وطنية». يصر على ان «اعتدال الرئيس ترجم احاطة من جميع اللبنانيين لاعلان بعبدا، لكن مع الاسف، ينجر السياسيون الى بعض الحسابات الخاصة ويسعون وراء ربح فئوي مفترض تجعلهم يتنصلون من تعهداتهم».
يضيف «نحن، وان كنا في عين العاصفة الاقليمية، الا اننا قادرون على النجاة بأنفسنا وتحييد بلدنا عن عواقبها. خريطة الطريق غير معقدة، يفترض ان تكون اولى خطواتها تسهيل قيام حكومة تهتم بأمور البلد والناس وتعيد الاحترام الى مفهوم السياسة كخدمة عامة. يأتي بعدها مباشرة العمل على وضع إعلان بعبدا موضع التنفيذ العملي بكل بنوده وفي طليعتها مسألة تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليميّة والدوليّة وتجنيبه الانعكاسات السلبيّة للتوتّرات والأزمات».
يتابع: «كما على اللبنانيين ان يترجموا عمليا ما توافقوا عليه وما يرددونه بأنّ اللجوء إلى السلاح والعنف، مهما تكن الهواجس والاحتقانات، يؤدّي إلى خسارة محتّمة وضرر لجميع الأطراف». يختم قائلا: «حين ننظر الى ازماتنا بعين مجردة نكتشف انها بمعظمها من صنع أوهامنا وحساسياتنا والوحش الذي ربيناه بيننا. بالتالي على رغم حراجة اوضاعنا الا انها ليست مستعصية او ميؤوسا منها».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018