ارشيف من :أخبار لبنانية
رسالة إلي حزب النور - صلاح سالم
صلاح سالم - صحيفة "الأهرام" المصرية
تخوض مصر اليوم عملية انتقال ديمقراطي صعبة, طالما حلمنا بها, فيما يعاديها كثيرون في الداخل والخارج, ولا يحرسها سوي جيشنا الباسل,
الذي يخوض اليوم ما يشبه حربا حقيقية, سواء في سيناء ضد إرهاب متصاعد من جماعات عنف قبيحة, وجماعة سياسية أخذت تكشف عن وجه أقبح, أو حتي في قلب القاهرة حيث يواجه تحريضا عنيفا ضد مؤسساته نفسها أنتج المشهد الدموي لدار الحرس الجمهوري, وضد العملية السياسية الجديدة التي يرعاها, بعد وصول المسار الإخواني إلي طريق مسدود.
نحن إذن أمام عملية تبلغ من الخطورة والأهمية لمستقبل مصر حدا يجعلها عبورا ثانيا يقارب عبور أكتوبر عام1973 م. وفيما العبور العسكري استلزم تكتلا وطنيا شاملا, وموارد مالية هائلة لإنجازه, فإن العبور السياسي يحتاج إلي التكتل الوطني نفسه, والقدرات المالية نفسها, والدعم العربي ذاته. والواضح حتي الآن أن أشقاءنا العرب في السعودية والإمارات والكويت قد أدركوا حجم المعركة وعمقها في مصر قبل أن نصل نحن إلي ذلك المستوي من الوعي. فالتأييد الساحق من جماهير المصريين الذين خرجوا في الثلاثين من يونيو لم يترجم إلي تكتل وطني قادر علي الحركة بالسرعة والحسم الكافين لذلك العبور الصعب, وهو أمر يتبدي فيما شهدناه من اختلافات حول تشكيل الحكومة واختيار رئيسها, وكذلك من انشقاقات حول مواد الإعلان الدستوري علي نحو يذكرنا بأجواء ما بعد25 يناير مباشرة, تلك التي مثلت فرصة ضائعة علي مصر نرجو ألا تتكرر. ثمة مسئولية مؤكدة عن هذا الاختلاف تقع علي جميع الأطراف, غير أنني أتوقف اليوم عند حزب النور, والذي امتدحت طويلا مرونته السياسية, وإخلاصه الوطني في هذا المكان, قبل الثلاثين من يونيو, وأتمني استمرار مرونته وإخلاصه في المرحلة الحرجة التي نعيشها, فلا يتحول إلي قوة تعطيل للمسار الجديد, بل إلي جزء أصيل في الكتلة الوطنية الحرجة التي تسنده, والدولة الجديدة التي ينشدها, وهو أمر لن يتحقق إلا إذا أدرك الحزب وقادته أن مدنية الدولة ليست موضع نقاشنا اليوم, فما نحن بصدد إنجازه إنما هو تحول ديمقراطي في دولة مدنية أصلا, خلاصا من استبداد علماني تمكن منها ودفع بها إلي تراجع تدريجي عبر عدة عقود سبقت ثورة25 يناير, قبل أن يتحول بعدها إلي استبداد ديني أدي إلي انهيارها السريع في عدة أشهر سبقت30 يونيو. أستطيع هنا تفهم مخاوف الحزب المستقبلية, التي أعلن عنها أحد قادته حول احتمالات قيام تلك الدولة الجديدة, باستئصال شأفة الأحزاب الإسلامية, حال رفض الدستور تأسيس أحزاب سياسية علي أسس دينية. غير أني أؤكد هنا أن الأمر ليس استئصالا لحزب بذاته أو لتيار بعينه, بل وضع قواعد راسخة لدولة جديدة, يفترض أن يسودها القانون بوضوح, ويمارس فيها الحكم بشفافية وإلا فنحن نثور كي نعود لندور في الفلك نفسه كما حدث بين25 يناير و30 يونيو, فمن صالح الجميع اليوم وضع حدود فاصلة بين الدين والسياسة, ليمتنع الخلط وينتهي الزيف, كي تتوقف الهواية وندلف إلي عصر الاحتراف السياسي, وهو أمر يصب في صالح الوطن الذي أثق بإخلاصكم له, ولصالح الدين الذي أثق برغبتكم في خدمته.
أستطيع هنا تفهم عمق مخاوفكم مما كان قائما قبل25 يناير, ورغبتكم في عدم تكراره, حيث تعرض السلفيون إلي حصار من أمن الدولة أعجزهم عن الحركة, غير أن سبب هذا الحصار لم يكن يتمثل في مدنية الدولة, وخلوها من أحزاب دينية, بل في استبدادها المفرط, فالدولة المدنية تكون مستبدة كما تكون ديمقراطية, وقد كانت مصر مدنية ومستبدة في أن عاني التيار السلفي من استبدادها, ولكنه في المقابل استفاد من تمدينها, الذي حال دون التمثيل به علي طريقة الشيعة الخمسة في القرية الجيزاوية مؤخرا, لو أن الدولة المصرية لم تكن مدنية, أو كان لها ميل مذهبي أو طائفي في اتجاه مغاير له.
لقد مورس ضدكم بالفعل قمع( سياسي) من قبل دولة( مستبدة) تسعي لاحتكار( السلطة), تم التكيف معه بمهادنة الدولة وأجهزتها الأمنية, بتبريرات شتي واجتهادات عدة, الأمر الذي أعاق مشاركتكم في الحياة السياسية, ولكن من دون اضطهاد ديني, كان ممكنا, حال ممارسته, من قبل دولة( طائفية أو مذهبية), أن يؤدي إلي اجتثاث ذلك التيار وجوديا, حيث ينضاف القهر الثقافي والاضطهاد المذهبي إلي القمع السياسي. ولنتصور, مثلا, أن جماعة الإخوان المسلمين نفسها, قد تمكنت من الحكم لفترة طويلة استطاعت معها السيطرة علي مفاصل الدولة, فكيف يكون حال السلفيين في مصر آنذاك؟.. ربما كان أتعس كثيرا منه في ظل مبارك نفسه, لأن الاستبداد هو الاستبداد, والفساد هو الفساد, ولكن في حالة الإخوان ثمة مشاعر كراهية تنبع من دافع ديني أعمق, قد لا يكون عقديا ولا مذهبيا ولكنه فكري وتنظيمي, يعطي إحساسا بالمغايرة, حيث يعلمنا التاريخ بأن المغايرة من داخل العقيدة نفسها غالبا ما تولد إحساسا بالكراهية يفوق المغايرة في العقيدة, لأن الصراع بين متشابهين غالبا ما يدور حول( القيمة) نفسها أو( الفكرة) ذاتها, وهي هنا الإدعاء بالحق في تمثيل الإسلام الصحيح.
وهنا فإنني أدعوكم لتفهم المخاوف إزاء تزايد عدد الأحزاب ذات المرجعية الدينية, وإزاء صعوبة الفصل بين أي حزب منها وبين مرجعيته كما كشفت خبرة ما بعد25 يناير, حيث استمرت العلاقة بينهما حيوية إن لم تكن تنظيمية, تقوم علي التعاضد والتأثير المتبادل, علي نحو أربك ولا يزال يربك المشهد السياسي المصري; ولهذا أصبح ضروريا الآن فض هذا الاشتباك بحسم وسرعة: فإما ممارسة السياسة علي قاعدة دولة مدنية كاملة, ودستور ليبرالي, من دون مماحكة حول الشريعة وتعريفها, ما يعني التلاحم الكامل مع التيار الوطني في تلك اللحظة التأسيسية, وتأجيل الخلاف السياسي إلي لحظة الممارسة التالية. وإما الاقتصار علي العمل الدعوي, والابتعاد كليا عن العمل السياسي, فالمعروف أن الحزبية تقتل روح التكافل الديني, وأن الصراع السياسي, ووسائله الدنسة تخصم من قداسة الدين, فإن فعلتم ذلك أسديتم خدمة كبري للدين والوطن معا.
تخوض مصر اليوم عملية انتقال ديمقراطي صعبة, طالما حلمنا بها, فيما يعاديها كثيرون في الداخل والخارج, ولا يحرسها سوي جيشنا الباسل,
الذي يخوض اليوم ما يشبه حربا حقيقية, سواء في سيناء ضد إرهاب متصاعد من جماعات عنف قبيحة, وجماعة سياسية أخذت تكشف عن وجه أقبح, أو حتي في قلب القاهرة حيث يواجه تحريضا عنيفا ضد مؤسساته نفسها أنتج المشهد الدموي لدار الحرس الجمهوري, وضد العملية السياسية الجديدة التي يرعاها, بعد وصول المسار الإخواني إلي طريق مسدود.
نحن إذن أمام عملية تبلغ من الخطورة والأهمية لمستقبل مصر حدا يجعلها عبورا ثانيا يقارب عبور أكتوبر عام1973 م. وفيما العبور العسكري استلزم تكتلا وطنيا شاملا, وموارد مالية هائلة لإنجازه, فإن العبور السياسي يحتاج إلي التكتل الوطني نفسه, والقدرات المالية نفسها, والدعم العربي ذاته. والواضح حتي الآن أن أشقاءنا العرب في السعودية والإمارات والكويت قد أدركوا حجم المعركة وعمقها في مصر قبل أن نصل نحن إلي ذلك المستوي من الوعي. فالتأييد الساحق من جماهير المصريين الذين خرجوا في الثلاثين من يونيو لم يترجم إلي تكتل وطني قادر علي الحركة بالسرعة والحسم الكافين لذلك العبور الصعب, وهو أمر يتبدي فيما شهدناه من اختلافات حول تشكيل الحكومة واختيار رئيسها, وكذلك من انشقاقات حول مواد الإعلان الدستوري علي نحو يذكرنا بأجواء ما بعد25 يناير مباشرة, تلك التي مثلت فرصة ضائعة علي مصر نرجو ألا تتكرر. ثمة مسئولية مؤكدة عن هذا الاختلاف تقع علي جميع الأطراف, غير أنني أتوقف اليوم عند حزب النور, والذي امتدحت طويلا مرونته السياسية, وإخلاصه الوطني في هذا المكان, قبل الثلاثين من يونيو, وأتمني استمرار مرونته وإخلاصه في المرحلة الحرجة التي نعيشها, فلا يتحول إلي قوة تعطيل للمسار الجديد, بل إلي جزء أصيل في الكتلة الوطنية الحرجة التي تسنده, والدولة الجديدة التي ينشدها, وهو أمر لن يتحقق إلا إذا أدرك الحزب وقادته أن مدنية الدولة ليست موضع نقاشنا اليوم, فما نحن بصدد إنجازه إنما هو تحول ديمقراطي في دولة مدنية أصلا, خلاصا من استبداد علماني تمكن منها ودفع بها إلي تراجع تدريجي عبر عدة عقود سبقت ثورة25 يناير, قبل أن يتحول بعدها إلي استبداد ديني أدي إلي انهيارها السريع في عدة أشهر سبقت30 يونيو. أستطيع هنا تفهم مخاوف الحزب المستقبلية, التي أعلن عنها أحد قادته حول احتمالات قيام تلك الدولة الجديدة, باستئصال شأفة الأحزاب الإسلامية, حال رفض الدستور تأسيس أحزاب سياسية علي أسس دينية. غير أني أؤكد هنا أن الأمر ليس استئصالا لحزب بذاته أو لتيار بعينه, بل وضع قواعد راسخة لدولة جديدة, يفترض أن يسودها القانون بوضوح, ويمارس فيها الحكم بشفافية وإلا فنحن نثور كي نعود لندور في الفلك نفسه كما حدث بين25 يناير و30 يونيو, فمن صالح الجميع اليوم وضع حدود فاصلة بين الدين والسياسة, ليمتنع الخلط وينتهي الزيف, كي تتوقف الهواية وندلف إلي عصر الاحتراف السياسي, وهو أمر يصب في صالح الوطن الذي أثق بإخلاصكم له, ولصالح الدين الذي أثق برغبتكم في خدمته.
أستطيع هنا تفهم عمق مخاوفكم مما كان قائما قبل25 يناير, ورغبتكم في عدم تكراره, حيث تعرض السلفيون إلي حصار من أمن الدولة أعجزهم عن الحركة, غير أن سبب هذا الحصار لم يكن يتمثل في مدنية الدولة, وخلوها من أحزاب دينية, بل في استبدادها المفرط, فالدولة المدنية تكون مستبدة كما تكون ديمقراطية, وقد كانت مصر مدنية ومستبدة في أن عاني التيار السلفي من استبدادها, ولكنه في المقابل استفاد من تمدينها, الذي حال دون التمثيل به علي طريقة الشيعة الخمسة في القرية الجيزاوية مؤخرا, لو أن الدولة المصرية لم تكن مدنية, أو كان لها ميل مذهبي أو طائفي في اتجاه مغاير له.
لقد مورس ضدكم بالفعل قمع( سياسي) من قبل دولة( مستبدة) تسعي لاحتكار( السلطة), تم التكيف معه بمهادنة الدولة وأجهزتها الأمنية, بتبريرات شتي واجتهادات عدة, الأمر الذي أعاق مشاركتكم في الحياة السياسية, ولكن من دون اضطهاد ديني, كان ممكنا, حال ممارسته, من قبل دولة( طائفية أو مذهبية), أن يؤدي إلي اجتثاث ذلك التيار وجوديا, حيث ينضاف القهر الثقافي والاضطهاد المذهبي إلي القمع السياسي. ولنتصور, مثلا, أن جماعة الإخوان المسلمين نفسها, قد تمكنت من الحكم لفترة طويلة استطاعت معها السيطرة علي مفاصل الدولة, فكيف يكون حال السلفيين في مصر آنذاك؟.. ربما كان أتعس كثيرا منه في ظل مبارك نفسه, لأن الاستبداد هو الاستبداد, والفساد هو الفساد, ولكن في حالة الإخوان ثمة مشاعر كراهية تنبع من دافع ديني أعمق, قد لا يكون عقديا ولا مذهبيا ولكنه فكري وتنظيمي, يعطي إحساسا بالمغايرة, حيث يعلمنا التاريخ بأن المغايرة من داخل العقيدة نفسها غالبا ما تولد إحساسا بالكراهية يفوق المغايرة في العقيدة, لأن الصراع بين متشابهين غالبا ما يدور حول( القيمة) نفسها أو( الفكرة) ذاتها, وهي هنا الإدعاء بالحق في تمثيل الإسلام الصحيح.
وهنا فإنني أدعوكم لتفهم المخاوف إزاء تزايد عدد الأحزاب ذات المرجعية الدينية, وإزاء صعوبة الفصل بين أي حزب منها وبين مرجعيته كما كشفت خبرة ما بعد25 يناير, حيث استمرت العلاقة بينهما حيوية إن لم تكن تنظيمية, تقوم علي التعاضد والتأثير المتبادل, علي نحو أربك ولا يزال يربك المشهد السياسي المصري; ولهذا أصبح ضروريا الآن فض هذا الاشتباك بحسم وسرعة: فإما ممارسة السياسة علي قاعدة دولة مدنية كاملة, ودستور ليبرالي, من دون مماحكة حول الشريعة وتعريفها, ما يعني التلاحم الكامل مع التيار الوطني في تلك اللحظة التأسيسية, وتأجيل الخلاف السياسي إلي لحظة الممارسة التالية. وإما الاقتصار علي العمل الدعوي, والابتعاد كليا عن العمل السياسي, فالمعروف أن الحزبية تقتل روح التكافل الديني, وأن الصراع السياسي, ووسائله الدنسة تخصم من قداسة الدين, فإن فعلتم ذلك أسديتم خدمة كبري للدين والوطن معا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018