ارشيف من :أخبار لبنانية

الإسلاميّون يضربون في لبنان لحماية ساحتهم في سوريا

الإسلاميّون يضربون في لبنان لحماية ساحتهم في سوريا
جوني منير - صحيفة الجمهورية

على رغم ارتفاع منسوب القلق لدى الأوساط الديبلوماسية الغربية المهتمة بالساحة اللبنانية جراء اشتباكات عبرا وانفجار بئر العبد، إلّا أنها لا تزال على قناعتها بأنّ القرار الدولي كفيل بمنع انزلاق لبنان نحو الفوضى الشاملة، ولو أنّ ذلك لا يعني استقراراً أمنياً كاملاً بل اهتزازات أمنية مستمرة ومتنقلة لن تصل إلى حدود الحرب المفتوحة.

هذه الأوساط تنطلق من قناعتها على أساس التفاهم الضمني القائم بين العواصم الكبرى، وفي طليعتها واشنطن وبعض العواصم العربية التي تتولّى الرعاية المباشرة والكاملة لبعض المجموعات والتيارات على الساحة اللبنانية خصوصاً لناحية تقليص الموازنات المالية، ما يمنع هذه المجموعات من توسيع نشاطها أو قدراتها العسكرية والتخريبية.

في عبرا، بلغ القلق ذروته، ما جعل القيادة العسكرية الأميركية تسارع إلى إبلاغ لبنان استعدادها لتزويد الجيش اللبناني بأي نقص قد يطاول الذخائر أو القدرات النارية، ذلك أنّ واشنطن تدرك جيداً أنّ ضرب الجيش سيعني حتماً انهياراً سريعاً للوضع في لبنان وتقويضاً كاملاً للدولة اللبنانية.

ومع انفجار بئر العبد، سارعت المخابرات الأميركية (ومعها خبراء أمنيّون أوروبيون) إلى تزويد الأجهزة الأمنية اللبنانية ببعض ما تملك من معلومات حيال تحضيرات التنظيمات المتطرّفة لتنفيذ سلسلة تفجيرات على الساحة اللبنانية.

ووفق الهمس الدائر على نطاق محدود، فإنّ تفاصيل مهمة حيال الانفجار أصبحت معروفة، وبات هناك صورة شبه واضحة حول الجهة التي أعطت الأمر والمجموعة المنفذة والذين تعاونوا معها. وتبدو العواصم الغربية موافقة على النتائج التي ظهرت، واضعة ما حصل في سياق البدء بتنفيذ سلسلة تفجيرات أمنية في إطار الصراع الدائر في المنطقة.

وفيما تدرك هذه الأوساط الغربية خطورة تحرّك المجموعات المتطرفة على الساحة اللبنانية والخلايا الخطيرة التي أنشأتها، وبالتالي ضرورة ملاحقتها والقضاء عليها، فإنها لا تتردد في اعتبار أن هذا الانفجار قد يساهم في "فرملة" اندفاعة "حزب الله" في سوريا، حيث باتت كل الترجيحات تتحدث عن حرب طويلة في ظل الصراع المحتدم. ولم يعد سرّاً أنّ "الربيع العربي" لم يسلك الدرب الذي اشتهته واشنطن، لا سيّما لناحية خيبة أملها من سلوك الإسلاميين، الذي أنعش كل أنواع التنظيمات التكفيرية.

وفي آخر دليل على هاجس الإرهاب الذي بات يضغط على الحكومات الغربية، جنّدت الأجهزة الفرنسية مثلاً كامل طاقتها لاكتشاف هل كان هناك علاقة إرهابية بحادث انحراف القطار قرب باريس، وهي نفّذت حال استنفار طارئة وفق خطة موضوعة مسبقاً تُركّز على المجموعات الإسلامية الموجودة على أراضيها والموضوعة تحت الشبهة.

لذلك باشرت واشنطن تطبيق سلوك جديد إزاء الحرب الدائرة في سوريا تقوم على محاصرة المجموعات الإسلامية المسلّحة التي يفوق عددها المئات، على أساس الفصل الكامل بينها وبين "الجيش السوري الحرّ"، والعمل على تخفيف مصادر تسليحها وتمويلها تمهيداً للقضاء عليها في مرحلة لاحقة.

وقد أدى ذلك إلى شنِّ هذه المجموعات ضربات استباقية، تمثّلت باستهداف واغتيال قادة فاعلين في "الجيش السوري الحرّ". وتهدف واشنطن من خلال ذلك إلى جملة أمور يبقى أهمّها:

أولاً: تقويض "الدويلات" الإسلامية الخارجة عن أي رقابة، والتي باتت شائعة ومنتشرة في الأرياف السورية وبعض الزواريب، ما يُهدّد باستنساخ تجربة أفغانستان مرة جديدة ومحاولة تصدير هذه الآفة الى لبنان بسبب ساحته المشرذمة والغارقة في الصراع المذهبي، مع احتمال نقل العدوى الى الأردن المضطرب، وحتى الى تركيا.

ثانياً: ضرورة إمساك قيادة "الجيش الحر" فعلياً بساحات القتال لتستطيع العواصم الغربية تزويده بالسلاح النوعي القادر وحده على وقف التقدّم العسكري للجيش السوري، الذي يستعد لتنفيذ معركة استرجاع حلب بعد بضعة اشهر.

وهو ما يعني ضرورة تسليح "الجيش الحرّ" قريباً، والاطمئنان إلى ذلك من خلال عزل الإسلاميّين ومنع استيلائهم على السلاح، لعدم استخدامه ضد مصالحهم في المنطقة، إضافة الى وصول تقارير الى واشنطن تتحدث عن اختراقات ناجحة للجيش السوري و"حزب الله" داخل "الجيش الحرّ" والاسلاميّين، أدّت الى تسرّب أسلحة معيّنة من خلال عمليات شراء وصفقات مالية.

ثالثاً: تدرك هذه العواصم أنّ التماسك بين المقاتلين الإسلاميّين أقوى، وأنّ الفعالية القتالية لهؤلاء على جبهات القتال كانت افضل بكثير من جنود "الجيش الحرّ"، ما يجعل من المنطقي الاستنتاج بأنّ قضاء "الجيش الحرّ" على هذه التنظيمات مسألة صعبة جداً، وهذا ما يجعل واشنطن تخشى جدّياً طريقة تدارك معركة حلب التي يجري التحضير لها.

رابعاً: تتمنّى العواصم الغربية نجاح "الجيش الحرّ" في السيطرة على مناطق صافية له على اقل تقدير، وهو ما سيعطي حظوظاً أوفر لنجاح اي تسوية سلمية ستحصل بالتفاهم بين واشنطن وموسكو، وتصبح مؤهلة للتطبيق ميدانياً ولو جزئياً، إنما بما يشكّل بداية قابلة للتعميم.

من هنا يصبح ضبط او خنق الساحة اللبنانية على حساب الحركات المتطرفة والعنفية، مسألة أساسية ومرتبطة عضوياً بالصراع الحاصل في سوريا وآفاقه المستقبلية.

كذلك، فإنّ "الاعتراض" الإسلامي او حتى قرار تنفيذ ضربات استباقية لإفشال مشروع احتواء هذه الحركات، يشمل الساحة اللبنانية أيضاً، ولو أنّ "الشغب" هنا يأخذ وجه رفع مستوى المواجهة مع الساحة الشيعية وتهديد الركيزة الوحيدة للدولة اللبنانية، أي الجيش، وهي مواجهة "جذابة" تزيد من نفوذه داخل شارعه أو على الأقل تمنحه مساحة حماية واسعة، والدليل تداعيات عبرا.
2013-07-15