ارشيف من :أخبار لبنانية
«خبيصة» جيش ودولة ونظام ...
جان عزيز -"الأخبار"
«الله يساعد الجيش»... عبارة تتكرّر على ألسنة غالبية اللبنانيين، كلما ورد ذكر هذه المؤسسة الوطنية، في معرض دفاع أو ملاحظة أو تعبير عن خوف أو شكوى من خطأ. والعبارة نفسها لا شك في أنها تشهد في الآونة الأخيرة تكثيفاً لذكرها، بوتيرة مترافقة مع ازدياد المخاطر المحيطة بالبلاد.
ذلك أنه مرة جديدة يكتشف اللبنانيون كم أن نظامهم متروك، لا بل تُرك عن قصد، مليئاً بالثغر والفجوات التي تعطّله، وتجعل استقلاليته الذاتية مستحيلة، وتفرض عليه ضابط إيقاع من خارجه. والاكتشاف الأخير الذي بدأ اللبنانيون يتلمّسونه، هو كيف أن هذا النظام ترك حتى الجيش اللبناني، مكشوفاً بلا غطاء قانوني كاف لحسن سير عمله. يكفي استعراض الأزمة الحالية: رئيس أركان الجيش يُحال إلى التقاعد في 8 آب المقبل. بعده في 23 أيلول يُحال قائد الجيش. فيما إذا استمرت استحالات ثلاث: لا حكومة جديدة، ولا جلسة استثنائية للحكومة المستقيلة، على قاعدة نظرية الظروف الاستثنائية ومبرري العجلة والضرورة، ولا جلسة للمجلس النيابي... عندها سيصير الجيش في حالة قانونية يشوبها الكثير من اللبس والغموض، رغم كل تبريرات مبدأ استمرارية المرفق العام.
لكن مشكلة الجيش أكثر عمقاً من هذه الأزمة الراهنة. مشكلته، أيضاً وأصلاً، أنه جزء لا يتجزأ من هذا الاجتماع السياسي اللبناني، بكل عوراته وغرائبه. وهو في النهاية أداة من أدوات النظام، لم يخرج عليه مرة، وإن حاول تجنّب السقوط مع سقطاته في كل مرة. وهو نجح في ذلك حيناً وفشل حيناً آخر. وقد يكون آخر مثال على ورطة الجيش هذه في نظامنا هذا، ما أشار إليه كلام البطريرك الماروني في عظته الأحد الماضي: «لبنان بحاجة (...) لدعم «القوات المسلحة» المنصوص عليها في المادة 49 من الدستور، التي «قائدها الأعلى رئيس الجمهورية، وتخضع لسلطة مجلس الوزراء».
كلام يفتح باب البحث على «الخبيصة» القانونية التي يعيشها الجيش في هذا النظام الهجين. لا ضرورة بداية للتذكير بتوزيع مواقع الجيش على المذاهب. ولا حاجة ربما للسؤال ما إذا كان من جيش في العالم بعد، يعرف ازدواجية في المراكز، من نوع رئيس أركان وقائد للجيش في الوقت نفسه... لكن تكفي، تعقيباً الإشارة إلى كيفية تعطيل نظامنا للجيش، قانونياً على الأقل، حتى يكاد الخبير القانوني أن يسأل: من يأمر الجيش اللبناني؟ ومن يقرر عنه وفيه؟
فعلى سبيل المثال، صحيح أن الدستور «الطائفي» يقول في المادة 49 الشهيرة منه، ان رئيس الجمهورية «هو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء»، كما انه «يرئس المجلس الأعلى للدفاع». لكن كيف تكون هذه «القيادة العليا» لكل القوات المسلحة، فيما الأخيرة خاضعة لمجلس الوزراء؟ وخصوصاً أن رئيس الجمهورية ليس جزءاً بنيوياً من هذا المجلس، ولا يصوّت فيه، ولا يقرر ولا يتابع تنفيذ مقرراته ولا مسؤولية عليه حيال أي من خطواته أو تدابيره؟ مزحة شكلية إذاً، من نوع استرضاء جنون عظمة الموارنة المفلسين بعد الطائف؟ سؤال مشروع...
هذا التناقض الدستوري الأول في ما يتعلق بالجيش اللبناني، جاء مع تخرّصات الطائف ليضاف الى تناقضات قانونية سابقة، مثّلها قانون الدفاع الوطني، الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 102، تاريخ 16 أيلول 1983.
فالمادة 5 من القانون المذكور، تؤكد أيضاً انه «يوضع الجيش في تصرف رئيس الجمهورية الذي يمارس صلاحياته وفقاً للأحكام المنصوص عنها في الدستور والقوانين النافذة...». وهي مادة تعود زمنياً إلى ما قبل دستور الطائف، وباتت عملياً لاغية وغير ذات صفة أو واقع، بعدما صارت القوات المسلّحة خاضعة لسلطة مجلس الوزراء. لكن إبقاءها قد يمثل أيضاً مداعبة أخرى لوبر الدب الماروني، في اتجاه ذاكرته التاريخية المنفوخة. علماً أن التدقيق بالمفهوم القانوني لهذا اللغو، يحمل انتقاصاً من موقع رئاسة الجمهورية، لا تفخيماً له. فحين يكون الرئيس قائداً للجيش، ويكون الجيش، كما كل القوات المسلحة، خاضعاً لسلطة مجلس الوزراء، فهذا يعني أن رئيس الجمهورية نفسه، موظف خاضع لسلطة المجلس نفسه، تماماً كما هو قائد الجيش قانوناً اليوم!
إلا أن «خبيصة» أخرى حملها قانون الدفاع نفسه. إذ ينص في المادة 15 منه على انه «تخضع وزارة الدفاع الوطني بجميع مؤسساتها لسلطة وزير الدفاع الوطني، وهو مسؤول عن تنفيذ جميع مهامها». وتحدد المادة 16 من قانون الدفاع نفسه، منعاً لأي التباس، إنه «تتألف وزارة الدفاع الوطني من مؤسسات: الجيش، المديرية العامة للادارة، المفتشية العامة، المجلس العسكري». لتعود فتؤكد المادة 19 من القانون نفسه، ان قائد الجيش «يرتبط مباشرة بوزير الدفاع الوطني». علماً أن وزير الدفاع، كما كل وزير بموجب دستور الطائف والمادة 66 منه، هو شريك كامل الشراكة في السلطة التنفيذية. لا موظف ولا أمين سر ولا وزير الرئيس كما في دستور ما قبل الطائف أو دساتير الأنظمة الرئاسية.
هكذا تكتمل الدوامة: لمن يخضع الجيش: لوزير الدفاع كما تقول المواد الأخيرة معطوفة على المادة 66 من الدستور؟ أم لرئيس الجمهورية كما ضحك الطائف على «إيغو» الموارنة وميغالومانيتهم؟ أم لمجلس الوزراء؟
طبعاً لا جواب الآن، ولا في المدى المنظور. فالدساتير والقوانين عندنا مجرد أوراق في الخدمة، تُسوَّد أو تُبيَّض غب الطلب. فيما أولويتنا الراهنة في مكان آخر. ففي الأنظمة الديمقراطية يقال ان هناك دولة لديها جيش. أما في الأنظمة «الأقل ديمقراطية» فيكون ثمة جيش لديه دولة. عندنا تبدو الأولوية الآن أقرب إلى الخيار الثاني، ولو على حساب مناصري مونتسكيو، الذين لا يشكلون أكثرية ساحقة من سياسيينا، من دون أدنى شك...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018