ارشيف من :أخبار لبنانية

السنيورة «يباغت» المفتي: عريضة إقصاء بموافقة سعودية

السنيورة «يباغت» المفتي: عريضة إقصاء بموافقة سعودية

لينا فخر الدين-"السفير"


قبل أن يؤكد المعنيون أنهم رأوا هلال رمضان بالعين المجردة، كان الجميع على يقين أن «دفاتر» مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني رقدت في أدراج فؤاد السنيورة، من دون إزعاج.

ثم، ومن دون سابق إنذار، قرّر رئيس «كتلة المستقبل» أن يوقظ «الدفاتر النائمة». لا أحد يعلم ماذا رأى الأخير في أضغاث أحلامه، في حين أنهم لاحظوا أنه استلّ بين ليلة وضحاها «ملف دار الفتوى»، فنفض الغبار عنه لينفخ فيه الروح من جديد.

بالطبع، لم ينس «التيار الأزرق» أنه خرج، خلال السنتين الماضيتين من معاركه مع مفتي الجمهورية وهو يجرجر خسارته خلفه، ولكن لا ضير في «داحس وغبراء» جديدة طالما أن «المستقبل» يحاول أن يقوّي عظم «السنة المستضعفين»، بعد أحداث عبرا!

لم يلحظ «التيار» أن تهديداته اليومية بـ«الاقتصاص» من قباني خلال الأشهر الماضية، لم تأت بثمن الأوراق البيضاء التي تلطّخت بـ«الحبر الأزرق».

أما اليوم فالأمور تغيّرت بعد أن قرّر «المستقبليون» سكب المِلح على «جرحهم» من دار الفتوى، متجرعين «فيتامين» المادة 6 من المرسوم 18/1955 التي تنص على أنه «لا يعفى (المفتي) من منصبه إلا لدواع صحية تمنعه من حسن القيام بمهامه، أو لأسباب خطيرة، ويصدر قرار الإعفاء من مجلس الانتخاب الإسلامي بدعوة من المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى حال عدم اعتزال المنصب بالطوع والاختيار وذلك بأكثرية ثلاثة أرباع الأعضاء على الأقل».

في حين تكمن «القصة الكاملة» في «مجلس الانتخاب» المكوّن من حوالي 108 أعضاء (رؤساء الحكومة، النواب والوزراء السنيين، أعضاء «الشرعي»، المفتين المحليين العاملين، قضاة الشرع، أميني الفتوى في بيروت وطرابلس، المدير العام للأوقاف الإسلامية).

فالسنيورة لم ينتظر حتى يأتي اليوم الذي يلتئم فيه «مجلس الانتخاب». فقرّر أن يجتمع مع الأعضاء «بالمفرِد» لضمان كلّ صوت «في جيبه» بغية إقالة المفتي. ولأنه أيضاً، لا يحبّ الكلام من دون أفعال، آثر رئيس «كتلة المستقبل» أن يوقّع كلّ عضو في المجلس أمام كلمة «نعم لعزل المفتي».

وحتى الأمس، بلغ عدد الموقّعين على «عريضة الإقالة» 86 عضواً (الإقالة تتطلّب تصويت 72 عضواً أي ثلثي المجلس)، في حين يرجّح «بعض المتفائلين» أن لا يكون العدد قد تعدّى الـ62 عضواً. ويشير المعنيون الى أن بعضهم وقّع تحت الضغط أو من خلال التلويح بتحريك ملفات معيّنة أو عبر وسائل أخرى يتقنها «المستقبل».

أما دار الفتوى فلم تصدم برؤية «بصمة» الرؤساء: فؤاد السنيورة أو نجيب ميقاتي على «الإقالة الاستباقية» (الرئيس سليم الحصّ رفض التوقيع فزاره الرئيس السنيورة مساء أمس لإقناعه، إلا أن نقاشاً حاداً دار بينهما ورفض الحص التوقيع فغادر السنيورة غاضباً). بينما فوجئت دار الفتوى بأن العريضة لم تحمل إسم الرئيس سعد الحريري ولم تنشر على «تويتر» حتى يستطيع التغريد بها كما لو أنه وقّع عليها افتراضياً. وفوجئت أيضاً بأن الرئيس عمر كرامي قرّر وضع يده بيد «المستقبل» للإطاحة بقباني، لأنه أصلاً «لا يحبّ سماحته».

ولكن علامات الاستغراب لم ترتسم على وجوه «أهل الدار»، إلا بعد أن قرأوا بعض الأسماء كالقضاة والمشايخ: أحمد درويش الكردي، محمد عساف، حسن الحاج شحادة، همام الشعار، عبد الرحمن المغربي، رياض الحلبي، محمد أبو زيد.. وآخرين ممن كان يعتبر قباني أنهم من المقربين منه والواقفين إلى جانبه، قبل أن يدخل السنيورة على الخط.

في المقابل، فإن قباني لم يتجاهل الأمر، بل قام بالاتصال ببعض الموقعين، الذين منهم من أكد توقيعه ومنهم من نكره.

يؤكد البعض أن خطوة السنيورة هذه المرة تختلف عن كلّ الخطوات التي قام بها خلال السنتين الماضيتين، فـ«عريضة الإقالة» طبخت على نار هادئة. ويلفت المعنيون الانتباه إلى أن رئيس «الكتلة الزرقاء» باشر بـ«معاملات العريضة» منذ 5 أشهر، و«فاز» القاضي محمد النقري بلقب أوّل موقّع عليها في شباط الماضي.

ماذا حصل؟

من الملاحظ أن «عريضة السنيورة» لم تكن ردّة فعل كسابقاتها، إذ أن الخلاف على محور «السادات تاور ـ عائشة بكار» كان في «كوما» خلال الأيام الأخيرة، إلى أن سارع «دولته» إلى إخراج «ورقة الإقالة» من كمّه.

وتشدّد مصادر متابعة على أن حماسة السنيورة جاءت بعد أن أعطى جناحاً في المملكة العربية السعودية «تيار المستقبل» الغطاء الشرعي لإقالة المفتي، في حين ساهمت دولتان خليجيتان في تأمين «الغطاء المالي» بغية إنجاز مهمة «مجلس الانتخاب» دون عراقيل، مشيرةً إلى أن بعض الأمراء السعوديين أعطوا إشارات واضحة في هذا الشأن.

ولكن السؤال يبقى كيف سيكون الوضع بعد أن ينهي «خصوم المفتي» مهمتهم بإقالته؟ لا سيما بعد أن وجدوا «مفتياً آخر»، وترجّح المصادر أن يكون إما رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان أو القاضي الشّيخ أحمد درويش الكردي.

في المقابل، فإن قباني لن يسلّم «الدار» إلى «المفتي» على اعتبار أن دعوة «مجلس الانتخاب الإسلامي» كانت من قبل «مجلس شرعي» منتهي الصلاحية ومدّد لنفسه دون العودة إلى مواد المرسوم 18.

وفي حديثه إلى زواره، شدّد قباني على «أنني لن أتراجع وباقٍ في منصبي بقوة المرسوم 18»، معتبراً أن «كلّ ما يقومون به هو تزوير».

لا يريد «سماحته» الإفصاح عما إذا كان بين يديه من «أوراق» تخوّله ربح هذه المعركة، إذ يكتفي بالقول: «إن الردّ سيكون في الوقت المناسب والطريقة المناسبة».
أما مصادر «الدار» فتبدو عاتبة على المعنيين والقضاة، وحتى رئيس الجمهورية الذي أكد أمام كلّ من زاره لتوسطه في قرار «مجلس شورى الدولة» بشأن «المجلس الشرعي» أنه لا يتدخّل في الأمور القضائية، في حين أنه تدخّل في قضية تخصّ أحد القضاة منذ أسبوع، ثم اتصل بنفسه بمن راجعه قائلاً: «خلص مشي حالو».

ومع رفض قباني تسليم دار الفتوى إلى من ينتخبه «المجلس الإسلامي»، سوف «تحظى» الطائفة السنية، بـ«حكمة مسؤوليها»، بمفتيين بعد أن «منحها» هؤلاء «نعيم العيش» في ظلّ مجلسين شرعيين!
 

2013-07-16