ارشيف من :أخبار لبنانية

صدّق ولو كذبوا

صدّق ولو كذبوا

صحيفة "السفير" - نصري الصايغ

«عليك أن تصدّق أميركا. ليس لأنها تقول الحقيقة، أو لأنها مقنعة، أو لأنها رشيدة. صدقها، فقط، لأن العرب لا خيار لهم، سوى التعويل على «الصواب» الأميركي، ولو كان خطيئة».

إذا لم يصدّق العربي أوباما. فمن يصدق؟ هل يصدق مثلا، الثنائي نتنياهو، ليبرمان؟ أم يصدق قيادات أنظمة «التعقل» العربي؟ أم السلطة الفلسطينية؟ أم منظومة دول الخليج العظمى؟ أم كارتلات النفط؟ أم جمهوريات الصمت العربي، وممالك الاختفاء العربي؟

«صدق الولايات المتحدة الأميركية، لأنك لست قادراً على اختراع أكذوبة عربية واقعية»، ليس لدى العرب غير الانتظار. أما وقد شدد أوباما على أن الاستيطان يجب أن يتوقف، فإن أكثر العرب، بايعوا أوباما، واعتبروا أن الاستيطان لن يخضع لقرار إسرائيل، بل لإرادة واشنطن. وسيتوقف، برغم أنه يتمدد، فأميركا على حق.

قبل ذلك بأعوام، قيل الكثير عن وقف الاستيطان. إدارات أميركية متعاقبة نبهت إلى خطورة الاستيطان على السلام. حتى جورج بوش الأب لم يكتف بالتصريح، فهدد ونفذ، فامتــنع عن منح قروض لإسرائيل بقيمة عشرة مليارات دولار، لأن اسحق شامير وقف أمام عملية السلام «المغدورة» في مدريد.
هل سينتقل أوباما من الطلب إلى الفعل؟ هل سيهدد نتنياهو بأمر يقضي بوقف توسيع المستوطنات واستيلاد مستوطنات جديدة؟

حتى الآن، لا يبدو أن في جعبة أوباما غير الضغوط اللفظية، والوعود النائية، كأن يعطي الفلسطينيين مثلا، وعداً برؤية الدولتين: الأولى قائمة منذ العام 1948، والثانية مرشحة لأن تقوم، (ليس معروفا فوق أي مساحة، وداخل أي حدود، وفي ظل أي سيادة) في العام 2013. «صدّقوا أوباما. تماما، كما صدقتم اتفاقية أوسلو»، تماما كما نصت كامب ديفيد الأولى، (حكم ذاتي) تماما كما كان وعد بوش الابن بأن تولد فلسطين، في العام 2005.

لا يبدو أن الإدارة الأميركية قادرة على تلمس عمق المصاعب التي تضعها إسرائيل أمام رفع حاجز عسكري واحد يحيط ببلدة فلسطينية في الضفة الغربية. لا يبدو أنها قادرة على فك أسر القرى المعتقلة في فلسطين.

ليست غزة وحيدة في حصارها، فمعظم فلسطين أسيرة الحواجز والطرق الالتفافية. ويبدو أن واشنطن تغض الطرف عن الجدار العنصري الفاصل، وعن تعدياته واختراقاته للخط الأخضر وخط الرابع من حزيران.

لقد غيرت أميركا لهجتها. فمتى تغيّر سلوكها؟

لا شيء يلزمها بذلك، فالدول العربية اختارت أن تكون في غاية الضعف والامّحاء، علها بذلك تنال فتات الرضى الأميركي، والقبول الإسرائيلي، ووظيفة الشرطي المضمون، والمتفوق قمعاً على شعبه، ونهبا لخيرات أرضه.

أميركا هي أميركا، وستبقى كذلك... ولقد كانت كذلك في ما مضى، وما تغير فيها، شكل قبضتها، وثقل ضرباتها، وحجم تدخلاتها، وأساليب نهبها، وكيفية تأمين مصالحها.

أصيبت صورة أميركا في عهد بوش الأمين، بكثير من التشوهات، وخابت استراتيجياتها في المنطقة. وما سيقدم عليه أوباما، لا يعدو أكثر من تحسين هذه الصورة، وإضفاء «مسحة تسامحية» على استراتيجيتها.

سيبقى العراق على مآلات الدمار. وأفغانستان حقل رماية، والباكستان حقل تجارب، وفلسطين حقل اختبار. ولبنان في مرمى الاتهام... إذا فازت المعارضة. قريباً، أوباما في الرياض والقاهرة... سيقول كلاماً... وسيطرب العرب.
فيا أمة تطرب على الكذب.
 

2009-06-02