ارشيف من :أخبار لبنانية

... ومع ذلك متفائلون

... ومع ذلك متفائلون

يعقوب الصراف - صحيفة "السفير"


ليس تفصيلاً أن يُجمع اللبنانيون على إدانة التفجير الذي استهدف منطقة بئر العبد في الضاحية الجنوبية. فهو مستنكر ومدانٌ بكل المعايير والمقاييس لأنه طال مواطنين أبرياء وعزّلاً. لكنه ليس مدعاة للهلع والإحباط. وهنا الفارق.

في هذه اللحظات الحرجة التي نتمنى فيها الشفاء العاجل لكل الجرحى وندعو الله أن يكون هذا التفجير الكأس الأخيرة التي نتجرّع مرارتها، نشجّع اللبنانيين على الخروج من منطق الخوف والرعب، لأنّ أوضاعنا ليست مأزومة إلى حدّ الندب عليها، لا بل تكاد تكون جيّدة، مقارنة بأحوال الدول المحيطة بنا، أمنياً، اقتصادياً، ديبلوماسياً وحتى سياسياً.

ونقول بكل وضوح: لن نقبل بعد اليوم أن نبكي على أطلال استقرارنا، ولو كان في حدوده الدنيا، أو على ما تبقى من تفاؤلنا، حتى لو حوصر بالتشاؤم.

على الرغم من كل الصعوبات التي تواجهنا، فإن طمأنة أهلنا وناسنا واجب علينا، بدلاً من صبّ الزيت على النار وإثارة العصبيات والغرائز، لأنّ الوضع الأمني لا يزال مضبوطاً، ولو أنّ بعض الاختراقات قد تتسلل بين الحين والآخر، وآخرها الانفجار الصباحيّ في الضاحية الجنوبية... إلا انه لن يغتال عزيمتنا وإرادتنا.

أما مبررات هذه الطمأنينة فهي ذاتية وخارجية، تأتي أولاً من «مظلة» التوافق غير المباشر بين القوى اللبنانية المتخاصمة، لمنع تحوّل التشنجات السياسية إلى حرب أهلية جديدة أو إلى صراع عسكري مدمّر، مهما اشتد الخطاب التحريضي، ونبت طفيليون يعتاشون على سمّ الفتنة.
كما أنّه لا خوف على سيادتنا من أي اعتداء خارجي ما دامت المقاومة حاضرة للردّ على أي عدوان إسرائيلي، بينما لا تزال الحدود اللبنانية - السورية مضبوطة نسبياً، ما يعني استحالة وقوع أعمال عدائية لبنانية - سورية موسّعة.

وهنا لا بدّ من الإشادة بدور الجيش اللبناني الذي صار بمقدوره الضرب بيد من حديد بعدما أطلقت يداه سياسياً، على الرغم من بعض الاعتراضات التي سجّلت بعد عملية عبرا، لكنها لن تقدم أو تؤخر في جهوزيته التي تسمح له بإخماد الحرائق، أينما اندلعت. وهنا لا فارق بين منطقة «بنت ستّ» وأخرى «بنت جارية»، لأن الخارطة اللبنانية متساوية في استعداد المؤسسة العسكرية للتدخّل بحزم وبقوة.

كما لا حاجة للتذكير بأنّ جمهور المقاومة كما قيادتها يتمتعان بما يكفي من الحكمة لعدم الانجرار وراء مشاريع الفتنة المتنقلة، أسوة بما حصل في أعقاب عملية عبرا التي قادها الجيش اللبناني بوجه ظاهرة الشيخ أحمد الأسير.
أما بالنسبة للوضع الاقتصادي على دقته، فهو قادر على امتصاص كلّ الصدمات، بفعل شبكة الأمان التي يشكّلها القطاع الخاص مع مصرف لبنان ووزارة المالية، والتي تحميه من الاهتزازات الأمنية وتداعيات التطورات الإقليمية.

كل ذلك بالتوازي مع التغييرات الإقليمية والدولية التي سحبت الأولوية من الملف اللبناني على طاولة القرار الإقليمي، وحتى الدوليّ. ولهذا فإن التوافق الداخلي قادر على تحصين الساحة اللبنانية من الانتكاسات الطارئة والموضعية. كما أنّ المشاورات الديبلوماسية الدولية القائمة أميركياً - روسياً - أوروبياً، كما المشاورات الإقليمية بين دول الخليج ومصر وإيران وتركيا، تساعد على تجنيب لبنان خضّة أمنية واسعة النطاق، لأنها لا تسمح له بنقل صراعات المنطقة وحروبها إلى أرضه.

في المقابل، يبدو أنّ المشروع الأميركي في المنطقة غير متعثّر وإنما غير مُيسّر أيضاً، وبالتالي فإنّ حالة المنظومة اللبنانية على علّاتها، تبقى أفضل من غيرها، لا بل قد تكون أفضل النظم القائمة في المنطقة، وما دامت القوى الإقليمية والدولية ترفض فلتان الوضع، فلا بدّ لنا من أن نستفيد من حالة الغليان القائمة من حولنا.

لذا يفترض بالقيّمين على أمر اللبنانيين أن ينصرفوا إلى تأمين حاجات الناس، ودعم الجيش وإعادة تشكيل المؤسسات الدستورية الحامية، وأولاها حكومة وحدة وطنية، بانتظار بلورة النظام الشرق أوسطي الجديد، الذي قد لا يكون بالضرورة أميركياً. ونجزم بأنّ تحصين حدودنا من حِمم البركان الخارجية، ودعم مؤسستنا العسكرية سيساعداننا على إطلاق العجلة الاقتصادية وتحسين الوضعين الأمني والمعيشي.

([) وزير سابق
   
2013-07-17