ارشيف من :ترجمات ودراسات
الفصل الثاني من الثورة المصرية: الفوضى البناءة؟
شمس الدين شيطور
موقع agoravox الالكتروني
6 تموز/ يوليو 2008
"لا يريد المسلمون أن يذهبوا إلى الجنة ببطون خاوية" ـ
هواري بومدين (في قمة منظمة البلدان الإسلامية ـ لاهور 1967)
"أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" ـ يسوع الناصري*
*ـ المعنى الظاهر لهذه الآية يفيد بأن لقيصر حصة إلى جانب حصة الله، وهو ما يستند إليه مبدأ الفصل بين الدين والدولة. لكن النظر المتأني على ضوء السياق الذي وردت فيه يقود إلى قراءة مختلفة. فالمسيح وجه كلامه إلى أحبار اليهود الذين كانوا يسعون إلى إحراجه أمام ضباط من الرومان الذين كانوا يحتلون فلسطين. والأكيد أن هؤلاء الأحبار يعرفون ما لا يعرفه الضباط الرومانيون عن شريعتهم التي لا تعترف بوجود شريك لله في ملكه ـ المترجم.
وفق ما هو متوقع ومرجو، قام الجيش بتعطيل العملية الديموقراطية. ونقرأ في صحيفة "لا كروا" الفرنسية أن الجنرال السيسي قد ألقى خطابه المتلفز بحضور المرجعيات الدينية العليا الممثلة بشيخ الأزهر/ أحمد الطيب، وبابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تواضروس الثاني، وكلاهما شدد على إدانة تصاعد أعمال العنف الطائفي في ظل رئاسة مرسي. كما كان محاطاً أيضاً بجلال مرة، وهو من الإسلاميين المحافظين المتشددين (السلفيين)، وبمحمد البرادعي، ممثل المعارضة. وقد أيد الجميع "خارطة الطريق" التي قدمها رئيس هيئة الأركان في الجيش. وبذلك منحوا الشرعية للانقلاب".
جاء سقوط محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديموقراطياً، لينهي عاماً من حكم الإسلاميين الذي اتسم بأزمات متتالية وبحركة اعتراض شعبي قوي. وقام عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا الذي عينه الجيش بدلاً عن مرسي، قام بأداء اليمين يوم الخميس في 4 تموز/ يوليو بصفته رئيساً انتقالياً للجمهورية. ووعد في كلمة قصيرة بـ "صيانة النظام الجمهوري" وبـ "ضمان مصالح الشعب".
هذا الوضع يفتح الطريق أمام تحول حساس في بلد يشهد انقساماً عميقاً بين مؤيدي مرسي ومعارضيه. وقبل احتجازه، كان مرسي قد دعا أنصاره إلى المقاومة السلمية في وجه ما اعتبره انقلاباً عسكرياً. كما كانت الشرطة العسكرية المصرية قد ألقت القبض على مرشد الإخوان المسلمين. من جهتها، أعلنت المعارضة، ممثلة بجبهة الإنقاذ الوطني، رفضها لاستبعاد الأحزاب السياسية التي تعلن انتماءها للإسلام. وبحسب صحيفة الأهرام، فإن ما ل يقل عن 300 مذكرة توقيف قد صدرت بحق أعضاء في حركة الإخوان المسلمين.
ردود الفعل الخارجية
وللتذكير، كانت الرئاسة المصرية قد رفضت، ليل الثلاثاء في 2 تموز/ يوليو، الإنذار الذي وجهه العسكر لرئيس الدولة محمد مرسي وأعطاه فيه مهلة 48 ساعة لتنفيذ "مطالب الشعب"، وإلا فإنه سيصار إلى فرض خارطة طريق. وكان خالد داود، الناطق باسم جبهة الانقاذ الوطني قد أعلن أن "من غير الممكن إجراء أي حوار مع محمد مرسي" على اعتبار أنه قد أصبح فاقداً للشرعية.
وكان باراك أوباما قد اتصل بمحمد مرسي ودعاه إلى الاستجابة لمطالب المتظاهرين. كما دعا "جميع الأطراف إلى ضبط النفس" مشيرااً الى أنه من غير الممكن الكلام عن "تظاهرات سلمية عندما تكون هنالك اعتداءات على النساء"...
وأضاف الرئيس الأميركي: "ما هو واضح اليوم هو، رغم كون مرسي قد انتخب ديموقراطياً، أن من الضروري عمل المزيد من أجل خلق الظروف التي يشعر فيها كل شخص بأن صوته قد سمع في مصر".
انقلاب عسكري بدعم من الغرب والطغاة العرب
لم يكن من العسير فهم ذلك. فالجنرال مارتن ديمبسي، قائد هيئة أركان الجيش الأميركي، اتصل بنظيره المصري. والغريب أن هذا الانقلاب العسكري لم يقابله استنكار من قبل بلدان الغرب. فهذه البلدان لم توجه أي إدانة للانقلاب كما سبق لها وفعلت بالنسبة للجزائر عام 1991, كل ما فعلته هو أنها "تساءلت". وقد دعا الرئيس الأميركي، باراك أوباما، إلى النظر في تداعيات الأحداث على المساعدة العسكرية الكبيرة التي تحصل عليها مصر، حيث إنه من المعروف أن القانون الأميركي لا يسمح بتقديم المساعدات إلى بلد وقع فيه انقلاب عسكري.

السيس يتلو بيان خارطة الطريق للمستقبل
من جهتها، تحدثت روسيا عن ضبط النفس ودعا الاتحاد الأوروبي إلى الإسراع في إجراء انتخابات رئاسية مدللاً بذلك على قبوله بالأمر الواقع. وفي الوقت الذي طغى فيه الابتهاج الشعبي المضخم من قبل وسائل الإعلام الغربية التي تساوقت مع هذا الوضع وأظهرت سرورها دون أدنى تحفظ أو مواربة لتنحية "الإسلام السياسي"، لم يبق هنالك شك في أن استبعاد مرسي الذي سبق وخرج منتصراً في الانتخابات من شأنه أن يدفع أنصاره المتحمسين نحو التصلب في مواقفهم. فالحقيقة أنه من غير الممكن إلا أن يشعروا بالغيظ عندما يشاهدون ويسمعون مصريين وهم يصفقون في فرنسا للانقلاب العسكري غير الشرعي والمتنافي مع الدستور.
إن المعالجة السياسية ـ الإعلامية لهذا الانقلاب العسكري من قبل وسائل الإعلام الغربية وأولئك الذين ـ في فرنسا تحديداً ـ منحوا أنفسهم صفة المتخصصين في الحركات الإسلامية (أمثال أنطوان بابو، أنطوان صفير، جيل كيبيل، سيفاوي، برنار هنري ليفي)، حاضرة لتذكرنا بأن الأخلاق غائبة تماماً عندما يكون الأمر متعلقاً بالمسلمين. فأولئك المعتادون على الظهور فوق منصات الإعلام حاضرون ليشرعنوا، بناءً على التوجيهات، في مخيال المواطنين الأوروبيين أن ما حدث هو أمر طبيعي. بمعني أن مرسي قد نال ما يستحق. فالإخوان المسلمون الذين كانوا يحظون بحدب الغرب لم يعد لهم لزوم على خارطة المشاريع. إذاً، يتم التخلص منهم عبر اللعب على مخاوف ومصائب هذه الملايين من المصريين الذين خرجوا في التظاهرات، كما يتم تجاهل الآخرين أي أولئك الذين يدعمون النظام الدستوري ويدافعون عن ضرورة أن يبقى الرئيس المنتخب ديموقراطياً في منصبه حتى نهاية ولايته.
إن المثال الأكثر نموذجية هو مثال ملايين الأشخاص الذين ينزلون إلى الشوارع في اليونان وإسبانيا والبرتغال والذي لا يعتبر كافياً للمطالبة بإجراء انتخابات جديدة. ففي أي نظام ديموقراطي، يتم الرضوخ لإرادة الأكثرية وإلا فإن الحرب الأهلية ستفرض نفسها. لقد كان من الأجدى أن يبقى مرسي في الرئاسة حتى نهاية ولايته للحكم على ما حققه من نتائج. فوق ذلك، لا يمكن إصلاح الاقتصاد في بلد ما خلال سنة واحدة أو عن طريق عصى سحرية. مع ذلك، فإنه من الصحيح أن 48 بالمئة من المصريين لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع وأن مرسي لم ينتخب إلا من قبل 51 بالمئة من المقترعين. بكلام أكثر وضوحاً، نسبة الذين صوتوا لمرسي لا تكاد تصل إلى 25 بالمئة من الأصوات (واحد من أربعة). ولكن تلكم هي الديموقراطية ـ والديموقراطية هي على ـ ما كتبه ونستون تشرشل ـ الأقل سوءاً بين جميع الأنظمة باستثناء غيرها من الأنظمة.
إن ما يجري في مصر يذكرنا بشيء سبق وحدث، أي بما جرى في الجزائر. نعرف ما آلت إليه الأمور بعد ذلك. عشر سنوات مضرجة بالدم وآلاف المفقودين إضافة إلى 200 ألف قتيل (على ما يقال) لنصل إلى وضع ما يزال مشحوناً رغم مضي 25 عاماً.
كيف يمكننا، على ما نشره موقع "أمة" الالكتروني، ألا نعقد مقارنة تاريخية بين الانقلاب الذي قام به الجنرالات الجزائريون الذين أجبروا الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة رافضين سياسة الوئام التي دعا إليها الرئيس مع جبهة الانقاذ الإسلامية؟ تركوا يومها الكلام للسلاح وفرضوا سلطة الطغمة العسكرية عندما أنزلوا الدبابات إلى شوارع الجزائر لتدهس الديموقراطية وصناديق الاقتراع التي كانت قد تكلمت. وفوق رقعة الشطرنج الدولية التي لم يكن بمقدورها أن تأمل بحصول ما حصل خلال هذه المدة الوجيزة، جاء إسراع المملكة العربية السعودية لتوجيه التهاني الحارة لرئيس مصر الانتقالي ليعبر بوضوح تام عن موازين القوى في الساحة. وكذلك الأمر بالنسبة لصمت قطر، البلد الخليجي الوحيد الذي كان قد دعم الإخوان في مصر والاقتصاد المصري دون تحفظ، وهو الصمت الذي يكشف عن الشعور الحاد بالفشل الذي أحاق بكبار المسؤولين فيها.
أسباب فشل مرسي
هنالك ثلاثة أسباب وفق جان مارك فيرييه، مدير الأبحاث في "المعهد الوطني للأبحاث العلمية" في باريس، والمتخصص في الشأن المصري: "السبب الأول هو عجزه عن إيجاد حلول للوضع الاقتصادي والاجتماعي في مصر. كان من الصعب على مرسي عمل شيء ملموس بالنظر إلى الوضع عند تسلمه الحكم والمدة القصيرة التي أمضاها فيه. لكن شيئاً لم يكن يمنعه من المحاولة. فالواقع أن الوضع قد واصل التراجع. ارتفعت بشكل كبير أسعار السلع اللازمة للحياة اليومية، وبات المصريون الآن في وضع أكثر سوءاً مما كانوا عليه خلال فترة مبارك. كما تدهور وضع السلم الأهلي والحالة الأمنية التي يحرص عليها المصريون كل الحرص. وكل ذلك كانت له تأثيراته على السياحة التي تشكل رئة البلاد الاقتصادية. وكل ذلك، يضاف إلى مناخ غير ملائم بالمطلق للأعمال والاستثمارات. والمصريون يعرفون أن الإصلاحات الحقيقية تتطلب وقتاً، لذا كان عليهم أن يتحملوا ما يكابدونه من مصاعب إذا كانوا قد لاحظوا تغيرات ما. ثم إن الرئيس فقد كثيراً ممن صوتوا له لأنه لم يف بالتزاماته.
الخطأ الثاني ارتكبه الإخوان المسلمون عندما اعتقدوا أنهم يمثلون جميع المصريين دون أن يأخذوا في الاعتبار وجود المعارضة والأقليات. فمنذ وصولهم إلى السلطة، تصرفوا وكأن القوى الأخرى غير موجودة عبر تركيزهم على شرعية صناديق الاقتراع. (...) وذلك ما أدى بهم إلى الوقوع في الخطأ الثالث: إمرار الدستور بشكل قاهر من دون أخذ القضاء بعين الاعتبار. في ظروف الأزمات، لا بد من سلوك طريق المساومة (...). ما قاد مرسي إلى الفشل هو غطرسته. لا يمكننا القول حتى الآن ما إذا كان من شأن مثل هذه الأحداث أن تحدث أصداءً في بلدان أخرى عرفت تجربة الثورات. لكنه من المؤكد أن ما حدث هو بمثابة إنذار للأحزاب الإسلامية المحافظة في المنطقة. فشل مرسي هو فشل لهذا النوع من الأحزاب التي ينبغي لها أن تدرك أن السعي من أجل السلطة والوصول إليها وممارسة الحكم هي أمور ثلاثة مختلفة.
كيف يمكن تفسير هذا الغليان بعد عام واحد على انتخاب مرسي؟ يرى جيل كيبيل أنه "فيما يتجاوز سوء الحاكمية الاقتصادية وعدم إيجاد حلول للمشكلات الاجتماعية، فإن أول ما ميز الثورات العربية هو توق العرب إلى حرية التعبير، بعد أن كانت الأحزاب المتسلطة قد شطبت هذه الحرية طيلة خمسة عقود. وبإثارته الإحساس بأن مصر قد أصبحت تحت سيطرة المسلمين، أهمل مرسي هذه الناحية مع أنها كانت أحد أسباب انتصاره. ففوزه بـ 51 % من الأصوات لا يعني موافقة على برنامج إسلاموي، لكنه يعود إلى تأييد الثوريين. لكن هذا التأييد لم يلبث أن تلاشى سريعاً بسبب البعد المعادي للحرية والتسلطي [عند الإخوان]".
هل انتهى نفوذ الولايات المتحدة؟
لا نظن ذلك! علينا أن نتذكر دائماً ما قاله فرانكلين ديلانوي روزفلت عندما قال: "عندما يحدث أمر ما بالصدفة، يمكنكم أن تكونوا على ثقة بأنه قد برمج ليحدث بهذه الصورة". لكن أحمد حلفاوي لا يوافق على هذا الرأي حيث يعتبر أن "نفوذ الولايات المتحدة لن يدوم طويلاً. فقد كان الأمر صعباً مع تركيا، ولكن هنا (...) يبدو أن النهاية قد أزفت لكل من "الربيع" العربي والإخوان المسلمين والوهابية وهيمنة الحلف الأطلسي على المنطقة. فالحركة المعاكسة جاءت مثيرة للدهشة، ولم يسبق أبداً للشعب المصري أن اجتمع للتحرك بمثل هذه القوة حتى بالمقارنة مع حقبة القومية الناصرية. إن طوفاناً بشرياً قد أظهر رفضه للأجندة الكاسحة التي حملها محمد مرسي وجماعته. وقد أشاعت كبريات الصحف الظن بوجود انقسام الشعب بين علمانيين وإسلاميين، ولكنها لم تتمكن من حجب الواقع المتمثل في أن الشعب بكل عمقه هو، فيما يتجاوز تياراً سياسياً معيناً، من انتفض في تحرك هائل ضد ديكتاتورية "رأسمالية السوق"، ضد مبايعة الإخوان للولايات المتحدة، ضد التخلي الذليل عن سيادة البلاد، وضد الاصطفاف إلى جانب الناتو في الحرب على سوريا".
إذاً، يرى حلفاوي في هذا التحرك انصهاراً رائعاً لملايين النساء والرجال والأطفال الذين تحركهم الثقة بأن شيئاً لا ينبغي ولا يمكن له أن يحدث بدونهم. لكنه "ينسى" أولئك الذين لا تصورهم آلات التصوير في المسيرات التي تجري في ساحة أخرى، أي أمام مسجد رابعة العدوية، والذين تتجاهلهم وسائل الإعلام الغربية عن قصد بهدف أن تظهر وأن تعزز الاعتقاد في مخيال المشاهدين بأن القضية الحقيقية والمشروعة هي قضية ميدان التحرير. هؤلاء لن يستسلموا، ولا جديد بنظرنا تحت الشمس : الغرب سـ "يجرب خيولاً أخرى" بعد الورقة الإسلامية. ولكن ينبغي أن ينزف الدم لفترة أخرى قبل أن تُسمع صفارة الحكم...
ما الذي سيحدث الآن؟
هل انتهى زمن الحكم الديني للدول العربية؟ الإخوان المسلمون لن يستسلموا رغم الانتكاسة الكبيرة التي حلت بهم منذ أن أصبح وراءهم ذلك الزمن المبارك الذي كان بإمكانهم أن يحشدوا فيه المناصرين عن طريق الوعد المزدوج بمستقبل دنيوي وروحي أفضل.
يقول فيليب ميشكوفسكي: "في الوقت الذي يعلن فيه موقع الإخوان المسلمين على الانترنت بدء تحرك الجماعة بلا هوادة لحماية شرعية محمد مرسي الانتخابية، كانت الصحيفة الليبرالية "المصري اليوم" تتحدث عن انقسامات داخل الجماعة. والرهان، بحسب الصحيفة هو على تجنب تفكك البنية الدولية للجماعة بعد انهيار التنظيم الأم في مصر. هذه المجموعة من المعتدلين يقودها راشد الغنوشي، زعيم النهضة في تونس. ويقال بأنه قد طلب إلى الإخوان إجراء انتخابات رئاسية مبكرة. (...). "أما الإخوان المحليون في بلدان الخليج وخصوصاً في الإمارات العربية المتحدة، فهم تحت الصدمة" على ما نشره الموقع السعودي"إيلاف". وكتب طارق المطيري، العضو السابق في الجماعة في الكويت والناشط حالياً من أجل نظام حكم ملكي دستوري، أن "سقوط التنظيم في مصر يقضي نهائياً على حلم الإخوان بالوصول إلى السلطة في أي من بلدان الخليج. فالسعودية والإمارات والأردن تبدي ابتهاجها بتدخل الجيش. وقد كتب مقالة بعنوان "عسكري يعزل رئيساً مدنياً" وقال فيها بأن الدين قد استخدم كأداة من خلال شيخ الأزهر والبابا القبطي اللذين كانا حاضرين عندما ألقى عبد الفتاح السيسي كلمته التي أعلن فيها تنحية الرئيس المصري. وهو يقر بأن الجميع قد ارتكبوا الأخطاء، ولكنه يعتقد بأن الحدث يعيد إلى مقدم المسرح نقاشاً عربياً قديماً: علام يمكن إرساء شرعية النظم السياسية في هذه المنطقة من العالم؟
كل ذلك فيما يتجاوز الواقع المتمثل في عدم قدرة أي رئيس على إصلاح وضع اقتصادي كارثي بضربة عصى سحرية. ونقرأ في الصحف الغربية تعابير ساخرة من نوع: "الشريعة لا تطعم شعبها"! ينبغي بالفعل أن نعلم أن مصر هي أول بلد مستورد للقمح في العالم وأن الجزائر هي البلد الثاني. يا لها من محصلة بائسة! ينبغي للأحزاب التي تعتبر نفسها إسلامية أن تحذو حذو بلدان آسيوية عديدة لأن الدين ليس معياراً للوصول إلى السلطة يتطلب قدرات يستلزمها القرن الواحد والعشرون.
وبالرغم من أننا نحتاج أكثر من أي وقت مضى لبث روح الأخلاق في المجتمع لتجنب المنزلقات الخطرة، وأن المجتمع الغربي قد دمر في بداية هذا القرن الواحد والعشرين توازنات اجتماعية باسم مبدأ "منع المنع" فإن ربط القضايا الصغيرة بالناحية الروحية هو بمثابة تقديم خدمة سيئة لهذه الناحية. يمكن للمؤمنين أن يعتمدوا الأخلاق كمرجعية وكبوصلة، وعلى الآخرين أن يحترموا العيش المشترك. إن عبارة السيد المسيح تتمتع براهنية حادة. فالإسلام يجب أن يكون مرجعية أخلاقية ولا مجال لإقحامه في إدارة الشأن الدنيوي.
إن عبارة الرئيس بومدين التي يدعو فيها المسلمين إلى ضمان حد أدنى من الكرامة الاجتماعية للمسلمين عبر تمكينهم من تأمين سبل العيش الكريم (العمل، المسكن، والتعليم والعناية الصحية) هي، من وجهة نظرنا الوسيلة التي تشكل أكثر من غيرها ضمانة لتجنب استخدام المقدس كأداة. فالفوز بالجنة هو أيضاً وأولاً أن يكون المرء قادراً على الاختيار. والقرآن يذكرنا بأن الإكراه على الإيمان معصية، وبأن الإسلام هو، على العكس من ذلك، كسب قلوب الآخرين.
عندما سئلت أيفا فيتراي مايروفيتش، تلميذة جلال الدين الرومي، عن سبب اعتناقها الإسلام أجابت بهذه العبارة الرائعة: " أنا لم أعتنق الإسلام ولكنني انسبت فيه انسياباً". وقصدها، برأينا، هو تلك الجاذبية التي لا تقاوم والتي يتمتع بها دين هو، في جوهره، دين سلام ورحمة ومغفرة. أما ما فعل به البشر فقضية أخرى. والبشرية في زمن الويب 2. صفر تحلم بالحرية والديموقراطية والاختيار. وتلك هي، على كل حال، الرسالة السامية التي وجهها الرئيس الإيراني روحاني عندما تكلم عن حرية كل شخص وعن عدم اقتحام الشؤون الخاصة.
الأيام القادمة ستكون حاسمة بالنسبة لمصر إذا لم ينتصر فيها العقل. فالواقع أن ما حدث هو انقلاب عسكري يزعزع المعايير. وهذه المعايير تتطلب وقتاً لتزول آثارها، اللهم إلا إذا وجد الإخوان المسلمون في أنفسهم، بعد أن فقدوا الكثير من بريقهم، قدرة على الإسهام في التهدئة. وليس هنالك مجال للشك في أن الغرب الذي "جرب" الحل الإسلامي في البلدان الإسلامية في إطار نظرية الفوضى البناءة التي نظّرت لها غونديليزا رايس، وبعد أن جرب الأغذية المعدلة جينياً، لن يتراجع وسيراقب التداعيات وسيعمل، بالمشاركة مع "إسرائيل"، على إقامة النظام الشرق أوسطي القائم على تفتيت العرب كحل نهائي ودائم، وعلى دفن آمال الفلسطينيين بإقامة وطن لهم، وهم الذين لم يبق لهم غير 10 بالمئة من أرض فلسطين.
موقع agoravox الالكتروني
6 تموز/ يوليو 2008
"لا يريد المسلمون أن يذهبوا إلى الجنة ببطون خاوية" ـ
هواري بومدين (في قمة منظمة البلدان الإسلامية ـ لاهور 1967)
"أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" ـ يسوع الناصري*
*ـ المعنى الظاهر لهذه الآية يفيد بأن لقيصر حصة إلى جانب حصة الله، وهو ما يستند إليه مبدأ الفصل بين الدين والدولة. لكن النظر المتأني على ضوء السياق الذي وردت فيه يقود إلى قراءة مختلفة. فالمسيح وجه كلامه إلى أحبار اليهود الذين كانوا يسعون إلى إحراجه أمام ضباط من الرومان الذين كانوا يحتلون فلسطين. والأكيد أن هؤلاء الأحبار يعرفون ما لا يعرفه الضباط الرومانيون عن شريعتهم التي لا تعترف بوجود شريك لله في ملكه ـ المترجم.
وفق ما هو متوقع ومرجو، قام الجيش بتعطيل العملية الديموقراطية. ونقرأ في صحيفة "لا كروا" الفرنسية أن الجنرال السيسي قد ألقى خطابه المتلفز بحضور المرجعيات الدينية العليا الممثلة بشيخ الأزهر/ أحمد الطيب، وبابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تواضروس الثاني، وكلاهما شدد على إدانة تصاعد أعمال العنف الطائفي في ظل رئاسة مرسي. كما كان محاطاً أيضاً بجلال مرة، وهو من الإسلاميين المحافظين المتشددين (السلفيين)، وبمحمد البرادعي، ممثل المعارضة. وقد أيد الجميع "خارطة الطريق" التي قدمها رئيس هيئة الأركان في الجيش. وبذلك منحوا الشرعية للانقلاب".
جاء سقوط محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديموقراطياً، لينهي عاماً من حكم الإسلاميين الذي اتسم بأزمات متتالية وبحركة اعتراض شعبي قوي. وقام عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا الذي عينه الجيش بدلاً عن مرسي، قام بأداء اليمين يوم الخميس في 4 تموز/ يوليو بصفته رئيساً انتقالياً للجمهورية. ووعد في كلمة قصيرة بـ "صيانة النظام الجمهوري" وبـ "ضمان مصالح الشعب".
هذا الوضع يفتح الطريق أمام تحول حساس في بلد يشهد انقساماً عميقاً بين مؤيدي مرسي ومعارضيه. وقبل احتجازه، كان مرسي قد دعا أنصاره إلى المقاومة السلمية في وجه ما اعتبره انقلاباً عسكرياً. كما كانت الشرطة العسكرية المصرية قد ألقت القبض على مرشد الإخوان المسلمين. من جهتها، أعلنت المعارضة، ممثلة بجبهة الإنقاذ الوطني، رفضها لاستبعاد الأحزاب السياسية التي تعلن انتماءها للإسلام. وبحسب صحيفة الأهرام، فإن ما ل يقل عن 300 مذكرة توقيف قد صدرت بحق أعضاء في حركة الإخوان المسلمين.
ردود الفعل الخارجية
وللتذكير، كانت الرئاسة المصرية قد رفضت، ليل الثلاثاء في 2 تموز/ يوليو، الإنذار الذي وجهه العسكر لرئيس الدولة محمد مرسي وأعطاه فيه مهلة 48 ساعة لتنفيذ "مطالب الشعب"، وإلا فإنه سيصار إلى فرض خارطة طريق. وكان خالد داود، الناطق باسم جبهة الانقاذ الوطني قد أعلن أن "من غير الممكن إجراء أي حوار مع محمد مرسي" على اعتبار أنه قد أصبح فاقداً للشرعية.
وكان باراك أوباما قد اتصل بمحمد مرسي ودعاه إلى الاستجابة لمطالب المتظاهرين. كما دعا "جميع الأطراف إلى ضبط النفس" مشيرااً الى أنه من غير الممكن الكلام عن "تظاهرات سلمية عندما تكون هنالك اعتداءات على النساء"...
وأضاف الرئيس الأميركي: "ما هو واضح اليوم هو، رغم كون مرسي قد انتخب ديموقراطياً، أن من الضروري عمل المزيد من أجل خلق الظروف التي يشعر فيها كل شخص بأن صوته قد سمع في مصر".
انقلاب عسكري بدعم من الغرب والطغاة العرب
لم يكن من العسير فهم ذلك. فالجنرال مارتن ديمبسي، قائد هيئة أركان الجيش الأميركي، اتصل بنظيره المصري. والغريب أن هذا الانقلاب العسكري لم يقابله استنكار من قبل بلدان الغرب. فهذه البلدان لم توجه أي إدانة للانقلاب كما سبق لها وفعلت بالنسبة للجزائر عام 1991, كل ما فعلته هو أنها "تساءلت". وقد دعا الرئيس الأميركي، باراك أوباما، إلى النظر في تداعيات الأحداث على المساعدة العسكرية الكبيرة التي تحصل عليها مصر، حيث إنه من المعروف أن القانون الأميركي لا يسمح بتقديم المساعدات إلى بلد وقع فيه انقلاب عسكري.

السيس يتلو بيان خارطة الطريق للمستقبل
إن المعالجة السياسية ـ الإعلامية لهذا الانقلاب العسكري من قبل وسائل الإعلام الغربية وأولئك الذين ـ في فرنسا تحديداً ـ منحوا أنفسهم صفة المتخصصين في الحركات الإسلامية (أمثال أنطوان بابو، أنطوان صفير، جيل كيبيل، سيفاوي، برنار هنري ليفي)، حاضرة لتذكرنا بأن الأخلاق غائبة تماماً عندما يكون الأمر متعلقاً بالمسلمين. فأولئك المعتادون على الظهور فوق منصات الإعلام حاضرون ليشرعنوا، بناءً على التوجيهات، في مخيال المواطنين الأوروبيين أن ما حدث هو أمر طبيعي. بمعني أن مرسي قد نال ما يستحق. فالإخوان المسلمون الذين كانوا يحظون بحدب الغرب لم يعد لهم لزوم على خارطة المشاريع. إذاً، يتم التخلص منهم عبر اللعب على مخاوف ومصائب هذه الملايين من المصريين الذين خرجوا في التظاهرات، كما يتم تجاهل الآخرين أي أولئك الذين يدعمون النظام الدستوري ويدافعون عن ضرورة أن يبقى الرئيس المنتخب ديموقراطياً في منصبه حتى نهاية ولايته.
إن المثال الأكثر نموذجية هو مثال ملايين الأشخاص الذين ينزلون إلى الشوارع في اليونان وإسبانيا والبرتغال والذي لا يعتبر كافياً للمطالبة بإجراء انتخابات جديدة. ففي أي نظام ديموقراطي، يتم الرضوخ لإرادة الأكثرية وإلا فإن الحرب الأهلية ستفرض نفسها. لقد كان من الأجدى أن يبقى مرسي في الرئاسة حتى نهاية ولايته للحكم على ما حققه من نتائج. فوق ذلك، لا يمكن إصلاح الاقتصاد في بلد ما خلال سنة واحدة أو عن طريق عصى سحرية. مع ذلك، فإنه من الصحيح أن 48 بالمئة من المصريين لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع وأن مرسي لم ينتخب إلا من قبل 51 بالمئة من المقترعين. بكلام أكثر وضوحاً، نسبة الذين صوتوا لمرسي لا تكاد تصل إلى 25 بالمئة من الأصوات (واحد من أربعة). ولكن تلكم هي الديموقراطية ـ والديموقراطية هي على ـ ما كتبه ونستون تشرشل ـ الأقل سوءاً بين جميع الأنظمة باستثناء غيرها من الأنظمة.
إن ما يجري في مصر يذكرنا بشيء سبق وحدث، أي بما جرى في الجزائر. نعرف ما آلت إليه الأمور بعد ذلك. عشر سنوات مضرجة بالدم وآلاف المفقودين إضافة إلى 200 ألف قتيل (على ما يقال) لنصل إلى وضع ما يزال مشحوناً رغم مضي 25 عاماً.
كيف يمكننا، على ما نشره موقع "أمة" الالكتروني، ألا نعقد مقارنة تاريخية بين الانقلاب الذي قام به الجنرالات الجزائريون الذين أجبروا الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة رافضين سياسة الوئام التي دعا إليها الرئيس مع جبهة الانقاذ الإسلامية؟ تركوا يومها الكلام للسلاح وفرضوا سلطة الطغمة العسكرية عندما أنزلوا الدبابات إلى شوارع الجزائر لتدهس الديموقراطية وصناديق الاقتراع التي كانت قد تكلمت. وفوق رقعة الشطرنج الدولية التي لم يكن بمقدورها أن تأمل بحصول ما حصل خلال هذه المدة الوجيزة، جاء إسراع المملكة العربية السعودية لتوجيه التهاني الحارة لرئيس مصر الانتقالي ليعبر بوضوح تام عن موازين القوى في الساحة. وكذلك الأمر بالنسبة لصمت قطر، البلد الخليجي الوحيد الذي كان قد دعم الإخوان في مصر والاقتصاد المصري دون تحفظ، وهو الصمت الذي يكشف عن الشعور الحاد بالفشل الذي أحاق بكبار المسؤولين فيها.
أسباب فشل مرسي
هنالك ثلاثة أسباب وفق جان مارك فيرييه، مدير الأبحاث في "المعهد الوطني للأبحاث العلمية" في باريس، والمتخصص في الشأن المصري: "السبب الأول هو عجزه عن إيجاد حلول للوضع الاقتصادي والاجتماعي في مصر. كان من الصعب على مرسي عمل شيء ملموس بالنظر إلى الوضع عند تسلمه الحكم والمدة القصيرة التي أمضاها فيه. لكن شيئاً لم يكن يمنعه من المحاولة. فالواقع أن الوضع قد واصل التراجع. ارتفعت بشكل كبير أسعار السلع اللازمة للحياة اليومية، وبات المصريون الآن في وضع أكثر سوءاً مما كانوا عليه خلال فترة مبارك. كما تدهور وضع السلم الأهلي والحالة الأمنية التي يحرص عليها المصريون كل الحرص. وكل ذلك كانت له تأثيراته على السياحة التي تشكل رئة البلاد الاقتصادية. وكل ذلك، يضاف إلى مناخ غير ملائم بالمطلق للأعمال والاستثمارات. والمصريون يعرفون أن الإصلاحات الحقيقية تتطلب وقتاً، لذا كان عليهم أن يتحملوا ما يكابدونه من مصاعب إذا كانوا قد لاحظوا تغيرات ما. ثم إن الرئيس فقد كثيراً ممن صوتوا له لأنه لم يف بالتزاماته.
الخطأ الثاني ارتكبه الإخوان المسلمون عندما اعتقدوا أنهم يمثلون جميع المصريين دون أن يأخذوا في الاعتبار وجود المعارضة والأقليات. فمنذ وصولهم إلى السلطة، تصرفوا وكأن القوى الأخرى غير موجودة عبر تركيزهم على شرعية صناديق الاقتراع. (...) وذلك ما أدى بهم إلى الوقوع في الخطأ الثالث: إمرار الدستور بشكل قاهر من دون أخذ القضاء بعين الاعتبار. في ظروف الأزمات، لا بد من سلوك طريق المساومة (...). ما قاد مرسي إلى الفشل هو غطرسته. لا يمكننا القول حتى الآن ما إذا كان من شأن مثل هذه الأحداث أن تحدث أصداءً في بلدان أخرى عرفت تجربة الثورات. لكنه من المؤكد أن ما حدث هو بمثابة إنذار للأحزاب الإسلامية المحافظة في المنطقة. فشل مرسي هو فشل لهذا النوع من الأحزاب التي ينبغي لها أن تدرك أن السعي من أجل السلطة والوصول إليها وممارسة الحكم هي أمور ثلاثة مختلفة.
كيف يمكن تفسير هذا الغليان بعد عام واحد على انتخاب مرسي؟ يرى جيل كيبيل أنه "فيما يتجاوز سوء الحاكمية الاقتصادية وعدم إيجاد حلول للمشكلات الاجتماعية، فإن أول ما ميز الثورات العربية هو توق العرب إلى حرية التعبير، بعد أن كانت الأحزاب المتسلطة قد شطبت هذه الحرية طيلة خمسة عقود. وبإثارته الإحساس بأن مصر قد أصبحت تحت سيطرة المسلمين، أهمل مرسي هذه الناحية مع أنها كانت أحد أسباب انتصاره. ففوزه بـ 51 % من الأصوات لا يعني موافقة على برنامج إسلاموي، لكنه يعود إلى تأييد الثوريين. لكن هذا التأييد لم يلبث أن تلاشى سريعاً بسبب البعد المعادي للحرية والتسلطي [عند الإخوان]".
هل انتهى نفوذ الولايات المتحدة؟
لا نظن ذلك! علينا أن نتذكر دائماً ما قاله فرانكلين ديلانوي روزفلت عندما قال: "عندما يحدث أمر ما بالصدفة، يمكنكم أن تكونوا على ثقة بأنه قد برمج ليحدث بهذه الصورة". لكن أحمد حلفاوي لا يوافق على هذا الرأي حيث يعتبر أن "نفوذ الولايات المتحدة لن يدوم طويلاً. فقد كان الأمر صعباً مع تركيا، ولكن هنا (...) يبدو أن النهاية قد أزفت لكل من "الربيع" العربي والإخوان المسلمين والوهابية وهيمنة الحلف الأطلسي على المنطقة. فالحركة المعاكسة جاءت مثيرة للدهشة، ولم يسبق أبداً للشعب المصري أن اجتمع للتحرك بمثل هذه القوة حتى بالمقارنة مع حقبة القومية الناصرية. إن طوفاناً بشرياً قد أظهر رفضه للأجندة الكاسحة التي حملها محمد مرسي وجماعته. وقد أشاعت كبريات الصحف الظن بوجود انقسام الشعب بين علمانيين وإسلاميين، ولكنها لم تتمكن من حجب الواقع المتمثل في أن الشعب بكل عمقه هو، فيما يتجاوز تياراً سياسياً معيناً، من انتفض في تحرك هائل ضد ديكتاتورية "رأسمالية السوق"، ضد مبايعة الإخوان للولايات المتحدة، ضد التخلي الذليل عن سيادة البلاد، وضد الاصطفاف إلى جانب الناتو في الحرب على سوريا".
إذاً، يرى حلفاوي في هذا التحرك انصهاراً رائعاً لملايين النساء والرجال والأطفال الذين تحركهم الثقة بأن شيئاً لا ينبغي ولا يمكن له أن يحدث بدونهم. لكنه "ينسى" أولئك الذين لا تصورهم آلات التصوير في المسيرات التي تجري في ساحة أخرى، أي أمام مسجد رابعة العدوية، والذين تتجاهلهم وسائل الإعلام الغربية عن قصد بهدف أن تظهر وأن تعزز الاعتقاد في مخيال المشاهدين بأن القضية الحقيقية والمشروعة هي قضية ميدان التحرير. هؤلاء لن يستسلموا، ولا جديد بنظرنا تحت الشمس : الغرب سـ "يجرب خيولاً أخرى" بعد الورقة الإسلامية. ولكن ينبغي أن ينزف الدم لفترة أخرى قبل أن تُسمع صفارة الحكم...
ما الذي سيحدث الآن؟
هل انتهى زمن الحكم الديني للدول العربية؟ الإخوان المسلمون لن يستسلموا رغم الانتكاسة الكبيرة التي حلت بهم منذ أن أصبح وراءهم ذلك الزمن المبارك الذي كان بإمكانهم أن يحشدوا فيه المناصرين عن طريق الوعد المزدوج بمستقبل دنيوي وروحي أفضل.
يقول فيليب ميشكوفسكي: "في الوقت الذي يعلن فيه موقع الإخوان المسلمين على الانترنت بدء تحرك الجماعة بلا هوادة لحماية شرعية محمد مرسي الانتخابية، كانت الصحيفة الليبرالية "المصري اليوم" تتحدث عن انقسامات داخل الجماعة. والرهان، بحسب الصحيفة هو على تجنب تفكك البنية الدولية للجماعة بعد انهيار التنظيم الأم في مصر. هذه المجموعة من المعتدلين يقودها راشد الغنوشي، زعيم النهضة في تونس. ويقال بأنه قد طلب إلى الإخوان إجراء انتخابات رئاسية مبكرة. (...). "أما الإخوان المحليون في بلدان الخليج وخصوصاً في الإمارات العربية المتحدة، فهم تحت الصدمة" على ما نشره الموقع السعودي"إيلاف". وكتب طارق المطيري، العضو السابق في الجماعة في الكويت والناشط حالياً من أجل نظام حكم ملكي دستوري، أن "سقوط التنظيم في مصر يقضي نهائياً على حلم الإخوان بالوصول إلى السلطة في أي من بلدان الخليج. فالسعودية والإمارات والأردن تبدي ابتهاجها بتدخل الجيش. وقد كتب مقالة بعنوان "عسكري يعزل رئيساً مدنياً" وقال فيها بأن الدين قد استخدم كأداة من خلال شيخ الأزهر والبابا القبطي اللذين كانا حاضرين عندما ألقى عبد الفتاح السيسي كلمته التي أعلن فيها تنحية الرئيس المصري. وهو يقر بأن الجميع قد ارتكبوا الأخطاء، ولكنه يعتقد بأن الحدث يعيد إلى مقدم المسرح نقاشاً عربياً قديماً: علام يمكن إرساء شرعية النظم السياسية في هذه المنطقة من العالم؟
كل ذلك فيما يتجاوز الواقع المتمثل في عدم قدرة أي رئيس على إصلاح وضع اقتصادي كارثي بضربة عصى سحرية. ونقرأ في الصحف الغربية تعابير ساخرة من نوع: "الشريعة لا تطعم شعبها"! ينبغي بالفعل أن نعلم أن مصر هي أول بلد مستورد للقمح في العالم وأن الجزائر هي البلد الثاني. يا لها من محصلة بائسة! ينبغي للأحزاب التي تعتبر نفسها إسلامية أن تحذو حذو بلدان آسيوية عديدة لأن الدين ليس معياراً للوصول إلى السلطة يتطلب قدرات يستلزمها القرن الواحد والعشرون.
وبالرغم من أننا نحتاج أكثر من أي وقت مضى لبث روح الأخلاق في المجتمع لتجنب المنزلقات الخطرة، وأن المجتمع الغربي قد دمر في بداية هذا القرن الواحد والعشرين توازنات اجتماعية باسم مبدأ "منع المنع" فإن ربط القضايا الصغيرة بالناحية الروحية هو بمثابة تقديم خدمة سيئة لهذه الناحية. يمكن للمؤمنين أن يعتمدوا الأخلاق كمرجعية وكبوصلة، وعلى الآخرين أن يحترموا العيش المشترك. إن عبارة السيد المسيح تتمتع براهنية حادة. فالإسلام يجب أن يكون مرجعية أخلاقية ولا مجال لإقحامه في إدارة الشأن الدنيوي.
إن عبارة الرئيس بومدين التي يدعو فيها المسلمين إلى ضمان حد أدنى من الكرامة الاجتماعية للمسلمين عبر تمكينهم من تأمين سبل العيش الكريم (العمل، المسكن، والتعليم والعناية الصحية) هي، من وجهة نظرنا الوسيلة التي تشكل أكثر من غيرها ضمانة لتجنب استخدام المقدس كأداة. فالفوز بالجنة هو أيضاً وأولاً أن يكون المرء قادراً على الاختيار. والقرآن يذكرنا بأن الإكراه على الإيمان معصية، وبأن الإسلام هو، على العكس من ذلك، كسب قلوب الآخرين.
عندما سئلت أيفا فيتراي مايروفيتش، تلميذة جلال الدين الرومي، عن سبب اعتناقها الإسلام أجابت بهذه العبارة الرائعة: " أنا لم أعتنق الإسلام ولكنني انسبت فيه انسياباً". وقصدها، برأينا، هو تلك الجاذبية التي لا تقاوم والتي يتمتع بها دين هو، في جوهره، دين سلام ورحمة ومغفرة. أما ما فعل به البشر فقضية أخرى. والبشرية في زمن الويب 2. صفر تحلم بالحرية والديموقراطية والاختيار. وتلك هي، على كل حال، الرسالة السامية التي وجهها الرئيس الإيراني روحاني عندما تكلم عن حرية كل شخص وعن عدم اقتحام الشؤون الخاصة.
الأيام القادمة ستكون حاسمة بالنسبة لمصر إذا لم ينتصر فيها العقل. فالواقع أن ما حدث هو انقلاب عسكري يزعزع المعايير. وهذه المعايير تتطلب وقتاً لتزول آثارها، اللهم إلا إذا وجد الإخوان المسلمون في أنفسهم، بعد أن فقدوا الكثير من بريقهم، قدرة على الإسهام في التهدئة. وليس هنالك مجال للشك في أن الغرب الذي "جرب" الحل الإسلامي في البلدان الإسلامية في إطار نظرية الفوضى البناءة التي نظّرت لها غونديليزا رايس، وبعد أن جرب الأغذية المعدلة جينياً، لن يتراجع وسيراقب التداعيات وسيعمل، بالمشاركة مع "إسرائيل"، على إقامة النظام الشرق أوسطي القائم على تفتيت العرب كحل نهائي ودائم، وعلى دفن آمال الفلسطينيين بإقامة وطن لهم، وهم الذين لم يبق لهم غير 10 بالمئة من أرض فلسطين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018