ارشيف من :أخبار لبنانية
آخر ابتكارات الرئيس المكلّف: حكومة من 16 وزيراً
ناصر شرارة - صحيفة "الأخبار"
حين نظّم الأخَوان رحباني أغنية «قصقص ورق ساويهن ناس»، لم يكن النائب تمام سلام رئيساً مكلفاً بتأليف الحكومة. ولو كُتب لعاصي ومنصور الرحباني عمرٌ ليشاهدا قصة البيك الراهنة مع حكومته العتيدة، لاستبدلا لازمة أغنيتهما الجميلة بـ«خرطش أسماء وسمّيها حكومة».
مع استمرار انسداد الأفق أمام تشكيل حكومته العتيدة، يواصل «تمام بيك» التمترس وراء حالة الانتظار داخل دارته في المصيطبة. يحاول تسلية صيامه عن التأليف بتنفيذ «محاكاة» ذهنية لتشكيلته الحكومية المتوقعة. وآخر محاكاة أجراها على هذا الصعيد، كانت قبل نحو أسبوع، وتمخضت عن تشكيلة عرض أسماءها على مقربين منه، وأسرّ لهم بأنه قد «يكشفها للرئيسين ميشال سليمان ونبيه بري لجس نبض كل منهما، أو قد يحتفظ بها لنفسه بانتظار لحظة تطابق حسابات الخارج، غير الناضجة بعد، مع بيدر الداخل، فيطرحها عندها على سليمان ليمحضها توقيعه».
واللافت في التشكيلة أنها من 16 وزيراً، وهي أقرب الى صيغة الأمر الواقع، كونها تخلو من تمثيل مباشر للأحزاب. ويميزها أمر ثالث، هو أن بعض أسمائها لا يراعي حساسية بعض المراجع السياسية، ما يوحي بتفسيرين: إما أن سلام يريد استفزازها، أو أنه لا يعرف، فأخطأ بتسميتها.
خطأ مقرن وبندر
يعبّر سلام هذه الأيام، بحسب زوّاره، عن عتبه الكبير على حزب الله وتيار المستقبل معاً. فكلاهما ـــ في رأيه ـــ لا يسهّلان مهمته، ويرغمانه على التعايش تحت سقفي شروطهما الصعبة، بل المستحيلة.
أما الأخبار التي ينتظرها بصبر وأناة من السعودية، فلا تحمل جديداً يشرح له صدره. ويجد «البيك» نفسه مضطراً إلى السير تحت «سماءين» سعوديتين، الأولى يسودها مناخ شباط «الذي ليس على كلامه رباط» ويعبر عنه الأمير مقرن بن عبد العزيز، والثانية يسودها شتاء عاصف ومكفهر يعبر عنه الأمير بندر بن سلطان، الأقوى بين أبناء العائلة الحاكمة. ويحرص سلام على ألا ينسحب أي من غطاء المناخين عنه، لأنه بذلك يهدد كل نعمة الرضى السعودي عليه بالزوال. ورغم أن سلام يدور داخل الرعاية السعودية للشخصيات اللبنانية، فهو محسوب على مقرن الذي يقترب منه الأمير عبد العزيز بن عبد الله بخصوص وجهة نظره اللبنانية، علماً بأن تسميته رئيساً للحكومة محسوبة بمعناها المباشر على بندر.
ويعتبر السفير السعودي في لبنان علي عواض العسيري، ضمن هذه التركيبة، بمنزلة الردهة الصالحة للانتظار فيها داخل فندق السياسة السعودية في لبنان. فهو يشغل، ضمن ظروف السياسة الحالية للسعودية، منصب صندوق البريد المشفر الذي يتجمع فيه ما يصل الى بيروت من رسائل سعودية؛ وكلها ذات أحرف ناقصة، وتحتمل التأويل ولكن ليس الاجتهاد. وتعبر بشكل أساسي عن أن القرار السعودي في لبنان موزع في هذه المرحلة بين «أجندة أمنية فعلية» يقودها بندر، و«انتظار سياسي» يرعاه مقرن، ولعبة «ملء الفراغ» يقودها العسيري تنفيذياً.
والواضح، بحسب عارفي الرياض، أن السياسة السعودية، منذ خروج حزب الله للقتال في سوريا، قررت إيقاف خطواتها السياسية تجاه لبنان عند خط المبادرة الذي رسمته لحظة تسمية سلام لرئاسة الحكومة. وهو خط ليس أخضر، بمعنى أنه لا يوحي ببدء التقدم بأجندة عمل سياسية لبنانية، وليس أحمر، بمعنى أنه لا يشير الى تجميد كل تفكير بلبنان. إنه خط برتقالي يشبه ذاك الذي تضيئه الدول لدى إعلانها حالة ما قبل «الاستنفار العام» العسكري والاقتصادي والسياسي.
في الواقع، لا يحسد «تمام بيك» على إقامته الراهنة داخل بيت العنكبوت الذي تلتف خيوطه المتداخلة حول مهمة تكليفه. فالبقاء بداخله يحتاج الى استعارة شخصية النبي أيوب، والاعتكاف عنه ليس بيده، واختراقه نحو الأمام عبر تشكيله حكومة أمر واقع أو لون واحد هو أشبه بعملية اقتحام لعش الدبابير.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018