ارشيف من :أخبار لبنانية
الفراغ يُرخي بثقله على البلد المتهالك
جوني منيّر - صحيفة "الجمهورية"
الفراغ يسابق الوقت، في حين تتكدّس الملفات الشائكة من دون حلول، والأسوأ أنّ كلّ ذلك يحصل وسط اضطرابات أمنية تأخذ أبعاداً خطيرة في بعض نواحيها.
فالصراع العنيف الذي دار حول الانتخابات النيابية وانتهى بشطب هذه الانتخابات وتمديد المجلس النيابي لنفسه، أنقذ السلطة التشريعية من خطر الفراغ، لكنّه وضع المجلس النيابي في موقع أضعَف ومنزوعةٍ عنه الحصانة الشعبية، ما سيجعل قراراته موضع تجاذب ومن دون فعالية.لكنّ الحلّ "الأعرج" لمجلس النواب لم يفتح الأبواب أمام ولادة الحكومة، لا بل زاد من تعقيداتها ليسود الفراغ على مستوى السلطة التنفيذية.
وفيما بقي الشلل سيّد الساحة على المستوى الحكومي، انتقلت الصورة إلى قيادة الجيش، حيث تعثّرت الحلول، فيما عدّل تيار المستقبل ومعه "القوات اللبنانية" ونواب فريق "14 آذار" موقفهم السابق ووضعوا شروطاً بدت تعجيزية تتراوح ما بين "الإدارية" والسياسية؟
ومن الطبيعي أن تشكّل أزمة قيادة الجيش، الاستحقاق الأكثر إلحاحاً، إن بسبب الوقت الداهم (شهر أيلول المقبل) أو بسبب عدم وجود آلية قانونية واضحة مع الفراغ الذي يصيب أيضاً موقع رئاسة الأركان، أو بسبب الحاجة الماسّة لدور الجيش لضبط الساحة الأمنية، أو بتعبير أوضح لمنع انزلاق الوضع إلى الفوضى الأمنية الشاملة في ظلّ تمزّق الساحات الداخلية بسبب الحرب الدائرة في سوريا.
صحيح أنّ اللقاء بين رئيس تكتّل "التغيير والإصلاح" العماد ميشال عون والأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله كان إيجابياً إلى أقصى الحدود بعد أسابيع من التشويش. وصحيح أنّ تفاهماً ما حصل بين الرجلين حيال العديد من الملفّات، بينها ملفّ قيادة الجيش، إلّا أنّ الصحيح أيضاً، أنّ هذا التفاهم يحتاج إلى تأييد أفرقاء آخرين أساسيين في الحكومة، وهو ما يبدو متعثّراً أقلّه حتى الآن.
وفيما تخشى السفارات الغربية، وفي طليعتها السفارة الاميركية، أيّ فراغ على مستوى قيادة الجيش، كون رهانها الأوّل في البلد هو على مؤسّسة الجيش، تردّد أنّ العماد جان قهوجي أمر ببدء نقل أثاثه الخاص من مقرّ إقامته في الفياضية إلى منزله في جونيه، بدءاً من أوّل آب المقبل، معطياً بذلك إشارة واضحة برفضه الدخول في أيّ تسويات أو بازار سياسيّ للتمديد له.
لكن ماذا سيعني ذلك؟ وهل أصبح الفراغ محتوماً على مستوى قيادة الجيش؟
المصادر الديبلوماسية الغربية في بيروت لا تعتقد ذلك، بل ترجّح أن يباشر العماد عون تحرّكه على أساس تسمية قائد جديد للجيش، ولكن في حال فشل تحركه، فهو لن يسمح في اللحظة الأخيرة بحصول فراغ على مستوى قيادة الجيش.
وتُرجّح المصادر أن يكون هذا هو مضمون التفاهم الذي حصل بينه وبين نصرالله، ذلك أنّ البلاد ذاهبة في اتّجاه فراغ على مستوى رئاسة الجمهورية في ظلّ استحالة إجراء انتخابات رئاسية وسط ظروف المنطقة والتعقيدات اللبنانية الداخلية، وهو ما لا يسمح بأيّ صورة من الصور بأن يصيب الفراغ قيادة الجيش (ما يعني تعطيل دور الجيش)، وهو الموقع الماروني الأساسي بعد موقع رئاسة الجمهورية، والذي سيكون فارغاً بدءاً من أيّار المقبل، أغلب الظن.
وفي دلالة واضحة على سوداوية الوضع وصعوبته، الكلام الذي ردّده الرئيس نبيه برّي في لقاءاته المغلقة، عن أنّ إنقاذ الملف الحكومي لا يمكن حصوله على مستوى المشاورات الداخلية الضيقة الجارية. ويضيف برّي على ما ينقل عنه أنّ الحكومة لن تولد إلّا من خلال حركة واسعة في المنطقة تطاول المملكة العربية السعودية وينتج عنها تسوية معقولة يتولّى الرئيس سعد الحريري الإشراف عليها.
وما لم يقله برّي بالفم الملآن، استنتجه زوّاره بأنّ عودة الحريري إلى لبنان على أساس تفاهم بينه وبين "حزب الله" قادرة وحدها على فتح كوّة في الجدار المقفل، وإلّا فإنّ الملفات ستبقى معلّقة وفي طليعتها ملف التشكيلة الحكومية.
ويُروى أنّ برّي الذي كان قد أوحى باحتمال حصول خرق على مستوى الحكومة منذ بضعة أيام، إنّما كان يريد فقط إرسال إشارة واضحة إلى رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي بأن لا مجال لعودته إلى رئاسة الحكومة.
ذلك أنّ ما هو شائع في الكواليس السياسية يشير إلى أنّ ميقاتي ينتظر بطول أناة أن يفرغ صبر الرئيس تمّام سلام، فيعمد إمّا إلى الاعتذار أو إلى تأليف حكومة لن تحظى بثقة مجلس النوّاب، وهذا الواقع سيفرض على الفريق الشيعي ومعه "التيار الوطني الحر" إضافةً إلى النائب وليد جنبلاط، إعادة تسمية ميقاتي لتأليف الحكومة، وهو يستند بذلك إلى وجود أجواء جيّدة بينه وبين رئيس الجمهورية مدعوماً برضى أوروبي.
إلّا أنّ برّي حاول برسالته إيضاح الصورة أكثر أمام ميقاتي، وأتبعها برسائل أخرى أكثر وضوحاً أمام زوّاره، لجهة أنّ الحلّ الحكومي لا يمكن أن يحصل إلّا من خلال السعودية، على أن يشرف الحريري عليه من خلال عودته إلى السراي.
هذا المناخ، يترافق مع ما يردّده البعض من تقويم سلبيّ لمرحلة ميقاتي في رئاسة الحكومة، فيما الأمور كانت أكثر وضوحاً أيام الحريري القادر على تطويع الشارع والتخفيف قدر الإمكان من حال التشنّج السائدة في لبنان، وهو ما ترحّب به العواصم الغربية بقوّة.
لكنّ المشكلة أنّ الحريري ذهب بعيداً في موقفه من الصراع الدائر في سوريا من دون أن يحفظ طريق العودة كما فعل جنبلاط.ومن أجل كلّ ذلك، تبدو الصورة معتمة والأفق مغلقاً، وتبدو الاستحقاقات الكبرى فريسة الفراغ، فيما الوقت يركض بسرعة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018