ارشيف من :أخبار لبنانية

هل يخشى الثنائي الشيعي إحياء خيار حكومة الأمر الواقع؟

هل يخشى الثنائي الشيعي إحياء خيار حكومة الأمر الواقع؟
ابراهيم بيرم - صحيفة النهار

الذين واكبوا عن كثب حركة الرئيس المكلف تأليف الحكومة تمام سلام خلال اليومين الماضيين ولاسيما "لهجته" التي اتصفت بالجزم والحزم بعد لقائه أول من أمس رئيس الجمهورية ميشال سليمان في قصر بعبدا، خرجوا بانطباع فحواه الآتي:

ان سليل البيت السلامي الذي وجد نفسه امام فرصة نادرة لاعادة احياء هذا البيت سياسياً من خلال اعادته مجدداً الى نادي رؤساء الحكومات، قد بدأ يعرب عن ضيقه الشديد من نهج المراوحة والانتظار الذي أسر فيه منذ اكثر من ثلاثة اشهر، وبالتالي فهو في صدد اخذ القرار والكشف عن خياره الجديد. وعليه فالسؤال المطروح: على مَ يتكئ سلام ليبدو وكأنه في وضع "المنتفض" على واقع الحال الانتظاري الذي وجد نفسه فيه والذي كبح جماح اندفاعته الأولى التي تحلى بها بعد ايام من تكليفه هذه المهمة والتي حدت به الى حمل صيغة تشكيلة حكومية الى قصر بعبدا وكان اليوم اربعاء ليجد الصدمة الاولى في انتظاره عندما طوى الرئيس سليمان التشكيلة مبلغاً اياه بأنه لا يمكن السير بها لأنها مشروع مشكل.
لا ريب ان ثمة من يعتبر ان مثل هذه الانتفاضة باتت ضرورية جداً لسلام فهي، في رأي اوساط محسوبة على 8 آذار، امر لا بد منه لاعتبارات عدة ابرزها:

1 - : ان سلام يحتاج الى "صدمة" سياسية – اعلامية توجه الى الرأي العام بين الفينة والاخرى لكي لا يضيع في غياهب النسيان ولكي يقنع من يعنيهم الامر بأنه ما زال يملك فرصة أن يحل محل رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي في السرايا العثمانية البناء في وسط بيروت.

2 - : لا شك انه تناهى ولو بالتواتر الى دارة المصيطبة، ما تسلل في الآونة الاخيرة الى كواليس الأوساط السياسية المعنية عن عرض جوهره جس نبض من هم في دوائر الحل والربط، بامكان القبول بشخصية اخرى غير سلام، اذا ما حان الاوان الجدي لولادة الحكومة.
العرض اتى ايضا الى الدوائر المعنية في قوى 8 آذار، مما اعطى انطباعاً لكثير من المراقبين خلاصته ان ثمة من يرى اسم سلام وكأنه اسم لمرحلة انتظارية انتقالية ليس الا.

وبناءً عليه فان ثمة من يرى "تململ" سلام الأخير وكأنه رد ضمني غير مباشر على هذا الساري في عتمة الكواليس والدوائر الضيقة جداً، ومطابخ الصفقات.

3- منذ البداية وضع سلام من الذين سموه لهذه المهمة امام خيارات ضيقة جداً، تعسر عليه المناورة والاخذ والعطاء، اذ طلب منه ان لا يقبل اطلاقاً بحكومة وحدة وطنية تضم كل القوى السياسية الوازنة، وحظر عليه حكومة يدخلها "حزب الله"، وقيل له لا تقبل بحكومة حزبيين، ومنع عليه لاحقاً حكومة اللون الواحد باعتبارها مغامرة غير محمودة العواقب اطلاقاً، وفرض عليه أن يسوق لأفكار جديدة مثل مداورة الحقائب وعدم القبول بشخصيات تصنَّف في خانة الشخصيات الاستفزازية وكلا الامرين دونه اهوال وعقبات شتى. وفي المقابل اوصي بحكومة صيغة يسمي هو اعضاءها، على أن يكونوا بلا لون وبلا رائحة سياسية فصار ينطبق عليه بيت الشعر الشهير القائل:

القي في اليم مكتوفاً وقيل له
اياك اياك ان تبتل بالماء
ولا ريب ان الذين واكبوا عن كثب عمليات تأليف الحكومات في لبنان في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف سيخرجون باستنتاج شبه حصري فحواه ان الرجل وضع في موضع صعب مفتوح اما على الاخفاق وإما على أخذ الامور نحو حالة تصادمية خطيرة في البلاد من شأنها ان تزيد حدة الشروخ والتصدعات واستطراداً حدة الاحتقان.

وحكومة الأمر الواقع التي يحرص عليها البعض ليل نهار هي الوصفة المثلى لهذه الحالة التصادمية، فهل ما زال امام الرئيس المكلف فرصة للجوء الى هذا الخيار المر؟

تدور في الاوساط السياسية رواية فحواها، ان رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط بعث قبل مدة برسالة شفهية الى اركان قوى 14 آذار حذّرهم فيها بشدة من اثارة غضب "حزب الله" أو دفعه نحو اتخاذ القرارات والخطوات غير المتعقلة، معتبراً ان 8 آذار ستكون عندها "رحمة". وفي كل الأحوال سواء أقنعت هذه الرسالة من يعنيهم الأمر ام لم تقنعهم فان ثمة من سأل اركانا في الثنائي الشيعي عما اذا كانوا ما زالوا على اطمئنانهم من ان سلام ومن وراءه لن يدفعوا مجدداً الى حكومة الامر الواقع كخيار يائس اخير، أم ان لهجة سلام الحازمة في قصر بعبدا وحديثه الجديد عن خيارات جدية حاضرة في جعبته وفي ذهنه، قد بعثت لديهم المخاوف والهواجس من امر ما يدبَّر ويأتي من خارج كل الحسابات والتوقعات. ببساطة وسلاسة، يجيب هؤلاء: "نحن ما زلنا نقيم على اعتقادنا المألوف والمعروف وهو ان سلام مرشحنا الحقيقي والجدي لتأليف الحكومة وقد اعطيناه اصواتنا وثقتنا واعطيناه على لسان الرئيس بري جرعة دعم قوية أعرب هو عن تقديره لها، وعليه نعتقد ان الرجل ما زال غير مضطر اطلاقاً للتفكير بمجرد العودة الى خيار حكومة الامر الواقع لاعتبارين اثنين: الاول اننا لم نوصد ابوابنا امام أي عرض او صيغة جدية تحاكي شروطنا ورؤيتنا التي كشفنا عنها مراراً وتكراراً، والثاني ان سلام يعي تمام الوعي المخاطر التي ينطوي عليها مثل هذا الخيار غير العاقل لكي لا نقول الخيار المتهور".

وثمة بين هؤلاء من يذهب الى حد القول بأن "مشكلة سلام ليست على الاطلاق معنا، المشكلة هي مع الطرف الاقليمي الذي اصطفاه وسماه بالأصل، اذ وبحسب معلوماتنا انه طلب منه التمهل وعدم القيام بأي خطوة سلبية او ايجابية قبل انتهاء شهر رمضان، وذلك انطلاقاً من حسابات ورهانات مضمرة لها صلة وثقى بمرحلة ما بعد رفع الجانب التركي والقطري ايديهم عن الملف السوري ورغبة من تولى هذا الملف حصرياً من جديد في تجميع اوراق اللعبة من جديد وهو ما حصل على مستوى التغييرات في قيادة الائتلاف الوطني السوري كخطوة اولى ستليها حتماً خطوات اخرى".

وحيال ذلك فان ثمة من يتخوف من ان تنعكس هذه التحولات على الساحة اللبنانية فترفع من منسوب "الاشتباك" الحاصل والمتنوع الحلقات فيها منذ فترة وبالتحديد بين "حزب الله" وخصومه، ليصل استطراداً الى مستوى تأليف الحكومة، على نحو يدفع الى حكومة تخلو من ممثلي الحزب فتكون جزءاً من عملية حصاره وعزله سياسياً.

ربما هذا الاحتمال خطر في بال الثنائي الشيعي، لكنه حتى الآن ما زال يعتقد وفق بعض اركانه ان ذلك يبقى في دائرة الاحتمالات شبه المستحيلة كونه خيارا تصادميا، فمن يقدر على احتمالات تداعياته وخصوصاً ان الآخرين لم يربحوا بعد اي خيار او رهان؟.
2013-07-20