ارشيف من :أخبار عالمية

’هيلين الطرابلسية :الأسطورة الصعبة في الصحافة الأمريكية’

 ’هيلين الطرابلسية :الأسطورة الصعبة في الصحافة الأمريكية’

نيكول يونس


" لا تنسوا أن الفلسطينيين يعيشون تحت الاحتلال و الأرض أرضهم! بإمكان اليهود العودة الى ديارهم في بولندا و المانيا و الولايات المتحدة وأي مكان آخر!"

بعبارتها الواضحة هذه  قلبت هيلين توماس مسيرة 57 عاماً من الصحافة  "الاقتحامية"، فاستقالت إثرها من أكثر من منصب ، عمليّ وشرفيّ . بمطالبتها اليهود الخروج من فلسطين المحتلة اثرت توماس موقفها مع القضية – ولو بعد كبتٍ طويل- على اكثر المناصب إغراءً لصحافي في الولايات المتحدة. وموافقها هذه استدعت من المتحدِّث باسم البيت الأبيض وصفها بتصريحات "عدائية وغير مسؤولة، وتستدعي التوبيخ".

رحلت صباح السبت هيلين توماس الأسطورة، عن 92 عاماً (تولدت في 4 أغسطس- آب 1920  ، تاركةً إرثاً عريقاً في تاريخ الصحافة الذكية، و اربعة كُتبَ  آخرها "كلاب حراسة الديمقراطية؟" "Watchdogs of Democracy ". كتاب لاذع انتقدت فيه دور وسائل الإعلام و الشبكات الإعلامية وخاصة الكبرى منها في مرحلة رئاسة جورج بوش. التي لم تترك هيلين فرصة الا وانتقدت سياسته أيضاً . وصولاً الى المحاججة المشهورة التي كانت تستمتع هيلين باهانته بها مظهرةً غباءه ، بسؤالها عن حرب العراق فأجابها عن طالبان والقاعدة . وبكل حزم وجزم قالتها :"ان بوش الابن هو أسوأ الرؤساء الاميركيين على الإطلاق، لأنه أدخل العالم في مرحلة من الحروب الابدية المستديمة، وهو ما يكرر أهوال الماضي. وفي عهده خسرت اميركا معظم أصدقائها في العالم." كان ذلك أمام مركز الحوار العربي في واشنطن. اما عند سؤالها عن محاولة الإسرائيليين التجسس على اميركا فردت ضاحكة: "انهم موجودون هنا في كل مكان، فما حاجتهم إلى التجسس؟" و ما إليها من الموافق الصريحة لعميدة الصحافيين في البيت الأبيض التي كبتت  اعلان مواقفها من القضية الفلسطينية بوضوح  الى ما بعد غزو العراق.

 ’هيلين الطرابلسية :الأسطورة الصعبة في الصحافة الأمريكية’

في 18 تموز 2006 خلال المؤتمر الصحفي في البيت الأبيض ، رفعت الصوت قائلة : " إن الولايات المتحدة ليست بهذا العجز، يمكنها ان توقف القصف على لبنان، لدينا سطوة كافية على الإسرائيليين. ولقد فضلنا عقاباً جماعياً على لبنان وفلسطين!"  فقاطعها المتحدث باسم البيت الأبيض قائلاً :" شكراً على وجهة نظر حزب الله" .

 هيلين الطرابلسية الأصل (والدها جورج أنطونيوس أو طنّوس، هاجر الى أميركا عام 1892   المفتخرة بانتمائها اللبناني في كل مناسبة. نسجت  بمثابرة واجتهاد وروح اقتحامية مسيرتها الصحافية الذكية على مدى ستة عقود. كانت تغطي خلالها أخبار عشرة رؤساء أمريكيين. منذ رئاسة جون كينيدي اي مع مطلع الستينات. وأصبحت تشكل لهم الأرق كما لكل الحلقة ال "بيت أبيضية".  فأقلقت  الرؤساء ، ناقشتهم، أحرجتهم، استنطقتهم، بارزتهم، حتى آخر نفس ، اسئلتها الاستجوابية مسّت بأدق التفاصيل الحرجة بخاصة تلك المتعلقة بالتضليل الإعلامي و غيره.

طليعية هيلين لم تقتصر على كونها الصحافية الأولى في  تاريخ البيت الأبيض. وصاحبة السؤال الأول -والأعوص غالباً - في كل مؤتمر صحفي رئاسي، و المعلنة -تبعاً للتقاليد- انتهاء مؤتمراتهم بكلمتها الشهيرة "شكراً سيدي الرئيس" ، والمديرة الأولى لمكتب ال (يو.بي.أي) في البيت الأبيض، بل كانت أيضاً أول امرأة ترأس جمعية الصحافيين في البيت الأبيض ، وأول امرأة ترأس نادي الصحافة الوطني ، مقتحمة بهذا ما كان حكراً على الرجال فقط ، مثبتةً بجدارة و تميُّز صلابة منطقها الصحافي و حنكتها المهنية . هذه الصحافية الوحيدة التي حضرت و غطت كل القمم الاقتصادية دون استثناء،  انتزعت  بألمعيّتها امتيازات لم يحققها صحافي على الإطلاق. فقد كان لهيلين توماس كرسي باسمها في وسط الصف الأول في قاعة تصريحات البيت الأبيض.

ولدت هيلين في ولاية "وينشستر" (كنتاكي) و نشأتها كانت في  ميشيغن - "ديترويت". حيث تابعت دراستها ونالت إجازتها من جامعة "واين" عام 1942، الجامعة التي أصدرت لاحقاً جائزة سنوية باسم هيلين تكريما لها ولكن تصريحاتها ضد الكيان الإسرائيلي صُنِّفَت من قِبل طاقم الجامعة ب"المعادية للسامية " فقررت الجامعة وقف تقديم الجائزة. متفانيةً مصممة على الاستفادة من طاقتها بأقصى ما يمكن كانت تصل الى مكتبها كل يوم عند الخامسة و النصف صباحاً لمدة 12 سنة، قبل توليها منصبها الأخير في البيت الأبيض.

رحلت هيلين توماس الجريئة ، مع كم من الاسرار الرئاسية، و كنز من المعلومات الخاصة المُستقاة بفطنة نادرة. في أي ملف وضعت الأسرار هذه؟ و إلى من يعود "ريع" المعلومات؟ أسئلة  تحير المطلع على تاريخ هيلين  ولكن مما لا شك فيه أن هيلين الأسطورة   والرقم الصعب في الصحافة الأمريكية  قد بنت خلال 6 عقود نموذجاً للاعب صعب في حقل الصحافة. كاسرة قواعد اللعبة. مبادرة، مقتحمة ، ناقدة شرِسة، و مُبارِزة محنّكة. ممارسةً بحق لمفهوم السلطة الرابعة.

2013-07-22