ارشيف من :أخبار لبنانية
«مخالب» من... كرتون
جوني منيّر - صحيفة "الجمهورية"
تواكب الديبلوماسية الأوروبية المعتمدة في بيروت ردود الفعل على القرار الأوروبي إدراج «الجناح العسكري» لـ«حزب الله» على لائحة الارهاب بكثير من التأني والحذر.
إذا كان من الطبيعي أن ترصد العواصم الأوروبية بدقة كلّ المواقف الصادرة إثر إعلان القرار، وتحليلها وتقويم خلفياتها، إلّا أنّ اللافت كان ما جهدت الديبلوماسية الأوروبية في شرحه لجهة أنّ قرارها أولي وقابل للتعديل ورسالة اكثر منه فعل. لكنّ المطلعين سمعوا في الكواليس تعبيراً اكثر دقة حيال الخلفية الفعلية للقرار: إبراز أوروبا مخالبها من بعيد في مواجهة كشف "حزب الله" لمخالبه.
قد تكون أوروبا، وعلى رأسها فرنسا، انتظرت طويلاً قبل أن تسمح الظروف التي تجمّعت بتوجيه إنذارها "الاعلامي"، لكنها بدت مرتابة وهي تّوجّه رسالتها.
وصحيح أنّ الاوساط الأوروبية تعترف ضمناً بعدم امتلاكها ايّ دليل يدين "حزب الله" في عملية بلغاريا، إلّا أنها تدرك ايضاً بأنّ دخول الحزب العلني على خط القتال في سوريا والنجاح العسكري الذي حقّقه في القُصير وتخطيطه لمعارك أخرى ساهم في قلب المعادلة العسكرية لصالح النظام.
هذا الدخول كان يمكن أن "يطنّش" عليه العرب لو انه انتج حرب استنزاف متبادَلة بين المجموعات المتطرّفة (وبينهم مئات الأوروبيين) وبين "حزب الله"، إلّا أنه حوّل في مجرى المعارك نتيجة الخبرة الكبيرة التي يتمتع بها مقاتلو الحزب.
لذلك تحرّكت السعودية في اتجاه باريس التي ترزح تحت عبء أزمة اقتصادية خانقة، من خلال زيارة الجناح المتشدد والمتمثل بوزير الخارجية الأمير سعود الفيصل ورئيس الاستخبارات الأمير بندر بن سلطان، طالبين من الإيليزيه إزالة تحفظ فرنسا على قرار أوروبي حشر "حزب الله" دولياً.
وتزامن التحرك السعودي مع انطلاق الديبلوماسية الاميركية في مشوار الألف ميل لإنجاز تسويةٍ ما مع إيران، مع ما يَعني ذلك من إعادة رسم حدود نفوذ الدول في الشرق الاوسط، وذلك من خلال مدخل إلزامي وهو تحقيق تقدم، ولو شكلي، على مستوى الملف الفلسطيني - الإسرائيلي.
ذلك انّ النجاح هنا سيزيل ورقة مهمة من يد إيران التي حققت مكاسب عدة في المراحل الأخيرة على مستوى اللعبة في الشرق الاوسط، إن من خلال العراق ما بعد الانسحاب الأميركي او عبر سوريا التي انقلب ميزان القوى فيها لمصلحة النظام، أو حتى في لبنان حيث الفريق المتحالف مع السعودية، محشور في الزاوية الضيقة.
وهو ما يعني أنّ الإعلان الأوروبي يساعد الملف التفاوضي الذي فتحه وزير الخارجية الاميركي جون كيري تزامناً مع وصول شخصية إصلاحية الى الرئاسة الايرانية.
باختصار، سيخضع لبنان خلال الاشهر المقبلة لضغوط دولية من خلال "حزب الله"، على قاعدة تحضير المسرح لمرحلة المفاوضات مع الاخذ في الاعتبار إعادة تحريك المحكمة الدولية كعامل ضغط إضافي.
على الساحة السورية، يطمح النظام، بالتعاون مع إيران و"حزب الله"، إلى حسم عسكري كامل في ريف دمشق ودرعا، والاهم في حلب قبل أيار 2014، موعد استحقاق رئاسة الجمهورية السورية، مع ما لهذه المحطة من دلالات ومعانٍ سياسية على صعيد التسوية المتوقعة. ومن هذه الزاوية يمكن أيضاً تفسير التحرك التركي الجديد خصوصاً أنّ أنقرة قلقة جداً من إعلان أكراد سوريا الحكم الذاتي.
وفيما فشل "الجيش السوري الحر" في امتلاك زمام المبادرة ميدانياً وانتزاع الأمرة من يد "جبهة النصرة" وأخواتها مع ما يعني ذلك من صعوبة في إمداده بالسلاح النوعي القادر وحده على استعادة التوازن العسكري مع الجيش النظامي، بدا أنّ الطريق الأفضل (ولو انه غير مضمون) هو محاصرة "حزب الله" دولياً لتخفيف الضغط عن مواقع المعارضة السورية، وإلّا فإنّ التسوية السورية لن تجد سوى فريقاً واحداً يجلس على طاولة المفاوضات بحكم موازين القوى.
إلّا أنّ المشكلة لا تكمن هنا، ذلك أنّ باريس التي ترددت طوال الأشهر الماضية وأحجمت عن الدخول في حملة الضغط عبر لوائح الإرهاب تعرف خطورة هذه اللعبة على مصالحها لا سيّما على الساحة اللبنانية.
فالتردد الفرنسي الذي سبق موافقة الرئيس السابق جاك شيراك على مشاركة بلاده في قوات الطوارئ الدولية عقب عدوان تموز عام 2006، لم ينتهِ سوى بعد إنجاز تفاهم فرنسي مع "حزب الله" حيال سلامة القوات الفرنسية في جنوب لبنان.
وعلى رغم ذلك لم تكن كل مراحل الوجود الفرنسي هادئة. ذلك أنّ باريس التي تعتبر وجودها في لبنان بمثابة "الكنز" السياسي الذي لا يقدّر بثمن حاولت جسّ نبض "حزب الله" اكثر من مرة.
فالقوات الفرنسية التي من المفترض أن تمتلك بنية تحتية عسكرية وأمنية واستخباراتية كاملة، حاولت من خلال دباباتها من نوع "لوكلير" المتطورة جداً تفكيك بعض المنشآت الحيوية لعمل المقاومة.
فالدبابة "لوكلير" التي تُعتبر الاحدث في العالم والمجهزة بوسائل رصد تطاول باطن الارض، تقصدت السير على طرقات فرعية قيل إنها تقع فوق أنفاق حفرتها المقاومة. وفي حركة سيرها، بدت وكأنها تهدّد سلامة هذه الأنفاق بسبب وزنها الثقيل جداً.
هذا الواقع ألزَم "حزب الله" تحريك الأهالي في وجه الحركة الآلية الفرنسية بحجة الدخول الى أحياء آهلة. لكن سرعان ما صُوّب مسار الدوريات الفرنسية ليتمّ تجاوز "اختبار" جسّ النبض الفرنسي.
وعلى رغم تعرض الوحدة الفرنسية لهجمات إرهابية، جرى اكتشاف الجهات المنفّذة بمساعدة "حزب الله"، إلّا أنّ المسؤولين الفرنسيين كانوا يبلغون قوتهم في جنوب لبنان أنّ انسحابهم من لبنان من سابع المستحيلات، على عكس ما كانت نشير إليه التحذيرات الرسمية الفرنسية عبر وسائل الاعلام.
ذلك أنّ الوجود العسكري، وضمناً الرصد الاستخباراتي، في المثلث الذهبي لبنان - إسرائيل - الجولان، يعتبر مكسباً فرنسياً استراتيجياً في الشرق الأوسط.
لذلك بدا الموقف الفرنسي عقب الإعلان الأوروبي مرتاباً وحذراً اكثر منه حاسماً وصارماً. ولذلك أيضاً بدَت البعثة الديبلوماسية الفرنسية قلقة مع تجديد الأوامر بعدم التنقّل في لبنان إلّا في حالات الضرورة القصوى، خشية حصول أيّ اعتداء او خطف قد تلجأ إليه جهات متضررة من "حزب الله" ومعادية له، تسعى إلى الاصطياد في الماء العكر في ظروف تعتبرها مثالية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018