ارشيف من :أخبار لبنانية
الحريري والسنيورة: إنّه زمن الوكيل..؟
كلير شكر - صحيفة "السفير"
فتّش عن فؤاد السنيورة.
جواب بدا حاضراً على ألسنة بعض الآذاريين ردّاً على الاستفسارات حول أسباب انقلاب «النواب الزرق» على التأكيد الشفهي الذي أبلغه «الشيخ سعد» إلى الرئيس نبيه بري خلال الاتصال الهاتفي بينهما، قبل أن ينقلب «الرئيس المغترب» مجدداً على «ألسنته البيروتية»، لمصلحة التمديد لقائد الجيش جان قهوجي.
في المرة الأولى أبلغ «الزعيم المنفي» رئيس مجلس النواب بالحرف الواحد انّ التمديد لقهوجي «تحصيل حاصل» ولا نقاش حوله، مهما ارتفعت «أبواق» المعترضين وبحّت حناجرهم... ومهما شدّ السنيورة في لحاف رفضه.
وإذ لا صوت يعلو على صوت الشارع المذهبي، فإن حملات التجييش التي قادها «المستقبيلون» بوجه المؤسسة العسكرية، فعلت فعلها. ونجح السنيورة في سحب الاتفاق من على طاولة عين التينة ورميه في سلّة المهملات، بحجة اختلال الموزاين بين رئيس الحكومة السنيّ ورئيس مجلس النواب الشيعي. فلا يجوز للثاني أن يسرح ويمرح في سهول التشريع بينما الأول مسجون بقفصيْ التصريف والتكليف.
وهكذا انتقل بيت الوسط، كما معراب من صفوف رافعي الأيدي تأييداً لبقاء جان قهوجي في اليرزة إلى خندق المصوبين على المؤسسة العسكرية، ممهدين الطريق أمام فراغ جديد يهدّد «الحصن العسكري».
هذا لا يعني أبداً أنّ رجل «السادات تاور» داس على «الاتفاق» الذي أبرمه «الشيخ»، أو تجرّأ على الانقلاب على «توصياته». فهو أذكى من ارتكاب هذه الخطيئة المميتة. ولا يعني أبداً أن ثمة توزيعاً للأدوار بين بيروت وجدّة، كما اعتقد البعض لوهلة من الزمن.
لكن «تلميذ» رفيق الحريري نجح في تكديس كل الأسباب المقنعة بضرورة التراجع عن «الوديعة» التي سُلّفت للرئيس بري، والانقضاض على مفاعيلها.
هذه ليست المرّة الأولى التي تُلمس فيها بصمات خفيّة للرجل الثاني في «تيار المستقبل». بمقدور أي سياسي من صنف العارفين ببهارات الطبخات الدسمة، أن يعدد أكثر من محطة انقلب فيها «الحريريون» على توافقات عابرة للصحارى أبرمها الشيخ سعد عبر الأثير. ليشتمّ في ما بعد روائح قراءات مغايرة كان فؤاد السنيورة قد طرّزها من بيروت وأرسلها بالبريد السريع إلى المملكة.
كل من يعرف الرجل الذي سكن «السرايا العرجاء»، يدرك جيداً قدراته وطبائعه بوجهيها... ويعرف عناده. يكفي فقط استعادة شريط «ولايته الحكومية» التي استفزّت نصف الشعب اللبناني، من دون أن يرفّ له جفن، للتأكد من أنّه صعب المراس وأنّه أقسى من أن يلين عند الاختبارات الصعبة.
صحيح أنّه مال مع عاصفة المتغيرات التي حملت «نجل الشهيد» إلى «النادي الذهبي» لرؤساء الحكومات، فاكتفى بمكتبه بالسادات تاور وبرئاسة «الكتلة النيابية»، لكن ذلك لا يعني أبداً أنّه قرر الاستكانة أو التقاعد أو التضحية بطموحاته.
لا شيء يوحي بأنّ «الحريريّ العتيق» يُنكر فضل العائلة عليه، لكنه أيضاً لن يمنع نفسه من الانطلاق في فضاء «الزعامات» ما دامت الفرصة ستتاح له. وقد تكون الفرصة بلغت أعتاب الدار. إلى جانب سعد الحريري يصبح الطيران سهلاً، أما في ظلّ رفيق الحريري فكان الأمر مستحيلاً.
حتى الآن لم يرصد في فضاء العلاقة الثنائية، أي تسرّب لغيمة عتب أو اشتباك علني. رجل السادات تاور حريص على كل التفاصيل، الشكلية قبل الجوهر.
لكن ما دام الأصيل في منفاه الطوعي، فيجوز للوكيل أن يملأ بعض الفراغ. استطاع فؤاد السنيورة أن يقبض على الكثير من مفاصل «الحركة الحريرية» في بيروت، لا سيما أنّ «الزعيم» غير قادر على المتابعة الدقيقة للتفاصيل بسبب غيابه.
كما تمكّن بفضل علاقته الممتازة مع «العمّة» بهية الحريري و«المستشار» محمد شطح من تشكيل «دينامو ثلاثي» متماسك وبديل عن الرأس الواحد، قادر على التأثير.
أمسك برقبة العلاقة مع قوى 14 آذار، على الرغم من الفتور الذي كان يسود الحال مع سمير جعجع، إلى حين حصلت «التوبة القواتية» بعد الانقلاب على اقتراح «اللقاء الأرثوذكسي» فصار التنسيق كاملاً على طريقة الـcopy past في مواقف الفريقين، من الجيش إلى التأليف وما بينهما.
أما العلاقة مع الرئيس أمين الجميل فجيدة أصلاً، مع أن الكتائب من «المغضوب» عليهم من جانب «المستقبل» بسبب انحرافها الدائم بحجة التمايز.
غياب سعد الحريري عن بيروت لا يشبه أبداً قبله. مرحلتان مختلفتان كلياً أنتجتا «طوواييس» حريرية ما كان لينبت ريشها لولا تساقط بعض ريش القيادة. وكلها ظواهر خرجت إلى الضوء بفعل الوهن الذي أصاب «تيار المستقبل»، وتلقيه الضربات تلو الأخرى.
يقول أحدهم إنّه لو كان ابن رفيق الحريري هو من ترأس اجتماع «المستقبل» للبصم على «القرار الملكي» بتسمية تمام سلام لرئاسة الحكومة، لما سُمع على سبيل المثال صوت أحمد فتفت اعتراضاً على التوصية وطلباً لتزكية اسم «أزرق» للموقع الأول في الطائفة السنية. كُثر من رفاقه امتعضوا من «التبليغ الملكي» لكن قلّة منهم سجّلت تحفّظها، مع العلم بأنّ صفّاً كاملاً منهم كان «يروتش» البزة البيضاء لخطف لقب «دولة الرئيس».
حتى السنيورة كان يفضّل أن يكون المرشح من «بني جلده الأزرق»، سعد الحريري تحديداً. طرح استثنائي في زمن صعب يدفع الخبثاء للتدليل بأصابعهم على «التهمّة المكتومة»: رئيس كتلة «المستقبل» يحنّ للعودة إلى السرايا الكبيرة، لأنه مدرك تماماً أنّ بطاقة «الشيخ» للإياب مؤجلة إلى زمن من نوع آخر.
هكذا بلع كل من كان «يمشّط ذقنه» ترفيع «البيك» إلى مرتبة «التكليف» ولو المشروط بألف شرط وشرط.... على اعتبار أنّ حكومته ستكون مشروعاً قصير الأمد، يعني حكومة انتخابات سرعان ما ستولد لتدفن من بعدها. لكن حصل ما لم يكن في الحسبان.
صارت للبيك مهمة سياسية تسابق الوقت لتتغلّب عليه، وقد تتحول إلى «وكالة حصرية» للسلطة التنفيذية إذا ما انضمت الرئاسة الأولى إلى قافلة «شهداء الفراغ».
معادلة جديدة قد تعني بالنسبة لبعض الطامحين، التفتيش عن «رجل المرحلة» بمواصفات دقيقة يريدها «المستقبل» على قياسه وحساباته. انتعشت الآمال في الرؤوس الكبيرة، وأزيل الإحباط ما دامت الفرصة لم تضع بالكامل.
وقد تكون لهذه الأسباب بالذات، خرجت شكوى البيك البيروتي إلى العلن عن عدم تلمّسه أي مساعدة من جانب الحلفاء أو الخصوم قد تزيل الألغام من على طريقه.
لكن هناك من يقولها عنه: بعض «المستقبليين» يسنّون أسنانهم لوراثة تمام بيك قبل أن ينال مرسوم التأليف. وهكذا يعتقد كثر أن السنيورة قد يكون واحداً من المحظوظين. تمكن الرجل خلال المرحلة الأخيرة من لعب دوره بإتقان. الخطوط المباشرة مع المسؤولين السعوديين أعادته إلى الواجهة. الرجل لم يقصّر يوماً في واجباته التنسيقية مع الشيخ، لكنه يفعلها على طريقة «الإذن الرهباني»، حيث يقوم الراهب بتوضيب أغراضه قبل طلب الإذن من رئيسه لمغادرة الدير.
يعني أنّ الرجل يطبخها مع دوائر القرار السعودي قبل أن يستشير رئيسه فيها. يعرف أنّ العين لا تعلو على الحاجب، لكن هذا لا يبعده من السباق المشروع إلى السرايا.
هناك من يعتقد أنّ اشتداد حالة الاشتباك الإقليمي، واندفاع الرياض نحو مزيد من التشدد في الملف اللبناني، قد يرفعان من حظوظ السنيورة للعودة إلى «القصر البيروتي». تجربته الأولى كانت نموذجية بنظر «أصحاب الحلّ والربط» السعوديين. وإذا ما تكرر مشهد «التناحر» لبنانياً فمن «أشد» منه للوقوف في «بوز المدفع».
ويزيد من قناعة هؤلاء، الأسباب غير المبررة لغياب سعد الحريري، فلا الاعتبارات المالية باتت تقنع الآذاريين ولا المخاوف الأمنية، ولا حتى الانشغالات الاستثمارية. بتقدير بعضهم، هو قرار سعودي واضح بالإبقاء على ابن رفيق الحريري بعيداً عن دائرة القرار اللبناني. الملعب ليس ملعبه في هذا الظرف الصعب، والمواصفات المطلوبة لـ«صاحب الدولة» لا تتناسب مع قدراته. فهل دنت اللقمة من فم «صديق العائلة»؟
سؤال أشبه بـ«هزّة البدن» التي قد تكون وراء اللمّة الطارئة التي أرادها سعد الحريري لـ«أبنائه»، ليقول لهم بالفعل لا بالقول: ما زلت أنا الرقم الأول.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018