ارشيف من :أخبار لبنانية
حكومة عادية في ظروف غير عادية
عصام رفعت-"الأهرام المصرية"
استغرق تشكيل الحكومة الجديدة وقتا طويلا بينما الساحة السياسية تفور وتغلي وكأن ما يحدث بعيد عن كل ما يجري وتتالت ترشيحات الأسماء بين مرشح وآخر
حتي انتهي الأمر بالإعلان عن اسم اقتصادي محترم له تاريخه الأكاديمي والعملي ليتولي رئاسة الوزارة ويعتقد أنه بذل جهدا كبيرا حتي يجمع عددا من الوزراء الذين يقبلون العمل في هذا الجو ويقبلون عليه وسط اعتذارات البعض.
غير أن الملاحظ بعد هذا الجهد أن هذه الحكومة يمكن أن يطلق عليها أو ان توصف بأنها حكومة عادية جاءت للعمل في ظروف غير عادية فماذا يمكن أن نتوقع لها ومنها؟ لقد كان من المتصور قبل التشكيل الوزاري أن تعلن الحكومة عن انها حكومة مصغرة وأنها حكومة ذات اربعة أهداف اوركائز هي امنية وسياسية وإقتصادية وتحقيق التوافق السياسي او لم الشمل والإشراف بنزاهة علي العمليات الانتخابية القادمة بشفافية وإتاحة الفرصة أمام كل التيارات السياسية للمشاركة بضمانات قانونية, وعلي ضوء تلك الرؤية يمكن إختيار الوزراء بمعيار الكفاءة والقدرة علي تحقيق تلك الأهداف بينما الصورة الحكومية في مجملها قد كشفت عن أن تشكيلها في الأغلب الأعم قد جري علي ما يمكن تسميته تليفزيون الأبيض والأسود والمعني هنا أنها علي هذا النحو جاءت إلي حد بعيد بعيدة عن الواقع الجديد ومتغيراته التي اختلفت تماما عما كان سائدا قبل3 يوليو ومقتضيات التعامل معه أمنيا وسياسيا وربما اقتصاديا.
التشكيل الحكومي يعضد هذا الرأي إذ بعض الاختيارات تمت بشكل مثير إذ بينما يعلن عن ترشيح شخصية معينة لوزارة معينة نجد أنه قد جري تعديلها للترشح لوزارة اخري وهو امر يوحي بمحاولة ملء الفراغ الوزاري أكثر من وضع الشخص المناسب في الوزارة المناسبة, والأمر الغريب ما أعلن عن أن عمليات الدمج بين بعض الوزارات قد يحدث إذا لم يتوفر من يرشح لتلك الوزارة, ناهيك عن ارتفاع متوسط سن السادة الوزراء علي حين كان المتوقع دفع عناصر شابة للعمل الوزاري تعطي الأمل لشباب مصر الذين يمثلون اكثر من نصف سكانها.
شكل التشكيل الوزاري يوحي بميله تجاه الجانب الاقتصادي ولقد كان من الأفضل والحكمة أن يرتكز رئيس الوزراء علي ثلاث ركائز من الثقاة أو عتاة الخبرة والعلم أولهما للشئون السياسية والثاني للشئون الانتخابية والقانونية والدستوريه والثالث للشئون الإقتصادية ووراء كل منهم مطبخ كما يسمي يضم مجموعة من الباحثين والمتخصصين الذين يكلفون بإعداد الدراسات والتوصيات لوضعها للمناقشة أمام مجلس الوزراء لاتخاذ القرارات بشأنها, وفي تصورنا أن هذا التوجه يمكن أن يعزز الخبرات الاقتصادية المتراكمة لدي رئيس الوزراء ويخطيء من يظن تبسيطا للأمر أنها وزارة تسيير أعمال أو أنها مجرد حكومة للإشراف علي الانتخابات فكل هذا يعد عاديا ومقبولا في ظل ظروف عادية أما ما يحدث في الشارع المصري والساحة السياسية حاليا ومن تراكمات متعددة خلال عامين ونصف أو ما يزيد قليلا وظهور قوي لقوي سياسية متعددة ومتناحرة وسيادة حالة من الانقسام لم يشهدها المجتمع من قبل كل هذا وغيره يعد أمرا غير عادي ويقتضي معالجة غير عادية تتناسب معه وليس بمقاييس التليفزيون الأبيض والأسود التي راحت وحلت محلها قواعد جديدة للعبة تتناسب مع ما برزمن متغيرات محلية ودولية عديدة تحت رعاية ثورة الاتصالات والمعلومات.
مرة أخري كان من المتصور ان يجري تشكيل الحكومة علي نحو يراعي الظروف التي يعيشها الوطن الآن كان من المفروض أن تكون حكومة ازمة, ونتساءل ألم يكن ممكنا تشكيل حكومه علي غرار ما جري في مصر ذاتها من حكومة إعداد للحرب وأخري شكلت تحت مسمي حكومة حرب وحكومة إنجاز رأسها المرحوم المهندس صدقي سليمان.
جاءت الحكومة بتشكيل عادي لقد كان علي السيد رئيس الوزراء أن يضع أولا رؤيته وأهداف الحكومة في الوقت الراهن الساخن علي الساحتين المحلية والدولية وكذا الحجم المناسب لعدد الحقائب الوزارية ثم يتم الترشيح والتسمية لها وقد كان من الممكن البدء بعدد محدود من الوزراء علي أن يتبعه باقي التشكيل عند العثورعلي الأشخاص المناسبين بدلا من إطالة المشاورات والأخذ والعطاء والقبول والاعتذار مع بعض المرشحين والتي أدت إلي زيادة الأمور تعقيدا وغموضا كما كان من الممكن ضم وزارات إلي بعضها في هذه الظروف الأستثنائية شديدة الحساسية التي يمر بها الوطن منها علي سبيل المثال وزارتا التعليم وإلغاء وزارة الآثار التي لا معني لها ومنها أيضا وزارات الصناعة والتجارة والتموين والاستثمار ووزارتا الزراعة والري ووزارتي الإسكان والمرافق ووزارتا الثقافة والإعلام.
ويبقي التساؤل مفتوحا حول إمكانية وقدرة الحكومة في التعامل مع كل ما جاءت به الرياح من عناصر جديدة ومتغيرات لم تكن علي الساحة منذ أقل من شهر وكلها أوضاع غير عادية لا يفلح التعامل معها بالحلول العادية. وإذا سلمنا بأن عصر مبارك سادة الفساد وأن عصر الإخوان عصر تخبط وإقصاء فإن المسئولية جد فادحة علي عاتق الحكومة في وضع أسس لمستقبل أفضل لهذه الأمة يقوم علي الديمقراطية والمؤسسات في دولة مدنية حديثة لا يطل عليها الماضي بأي حال ولايمكن إعادة إنتاجه. إن مصر في مفترق طرق منزلق شديد الانحدار إما النجاة وإما المزيد من التدهور الذي تؤدي إليه جميع الطرق ولم يعد الوقت في صالحنا والأمور تتفاقم وهذا هو صلب العمل الحكومي في هذه المرحلة وبغير ذلك فالصورة حالكة ليس لها من دون الله كاشفة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018