ارشيف من :ترجمات ودراسات

المخططات الأميركية والأوروبية والإسرائيلية ضد سوريا... لماذا هي محكوم عليها بالفشل ؟

المخططات الأميركية والأوروبية والإسرائيلية ضد سوريا... لماذا هي محكوم عليها بالفشل ؟
بقلم حامد مجذوب*
عن موقع agoravox
1 حزيران / يونيو 2013


من جميع الحروب، حفظ التاريخ أن القضايا المحقة هي التي تنتهي دائماً بتحقيق الانتصار. هنالك منذ قديم الزمان شعوب تعرضت للإذلال والإهانة والاحتقار. وإذا ما حظيت بالنصر في قضية غير عادلة، فإن هذا النصر لا يكون، مهما طال بعده الزمن، إلا مؤقتاً بانتظار أن تتوطد القضية العادلة وأن تأخذ طريقها نحو النصر. ذلكم ديدن جميع الحروب، وبفضل القضية العادلة أصبحت شعوب عالم اليوم على ما هي عليه، بلدان ذات سيادة تتطور بالتناغم مع الأمم الأخرى وتحتضن هاجساً رئيسياً هو السلام والتنمية.

من هنا نطرح السؤال : ما الذي يجري في سوريا ؟ الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ومشيخات النفط العربية تصب الزيت على النار في سوريا. شعوب هذه البلدان ليست ساذجة رغم القصف الإعلامي الدائم ورغم التصدير المزعوم للديموقراطية (كما ولو أن الديموقراطية تقبل التصدير). تلك الشعوب لا تستفيد شيئاً من اشتعال حرب أهلية في سوريا أو غيرها. مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية تكفيها. فوق ذلك، تنزعج هذه الشعوب لرؤية شعب، هو اليوم الشعب السوري، ممزقاً ومهشماً. هذه الشعوب تعرف أيضاً أن حكوماتها هي من يدفع الأمور نحو القتل. نحو تمويل وتسليح المتمردين الإسلاميين القادمين من جميع أنحاء العالم من أجل قضية تحرر مبهمة.

المخططات الأميركية والأوروبية والإسرائيلية ضد سوريا... لماذا هي محكوم عليها بالفشل ؟
ما الذي يجري في سوريا ؟؟؟
لماذا هذه الحرب التي تشن اليوم على سوريا من قبل الغرب ؟ [...] لماذا كانوا يوجهون الدعوات إلى الرئيس بشار الأسد ويبجلونه في أوروبا قبل أن يصلوا إلى وصفه اليوم بأنه دموي ؟ لماذا حدث هذا التغير المفاجىء في ظل الربيع العربي ؟ بالتأكيد لأن رهانات اليوم لم تعد رهانات الأمس ولأن الأوضاع اليوم قد أصبحت في منتهى الخطورة بالنسبة للغرب.

انتصار القضية العادلة على القضية غير العادلة

منذ أقدم العصور، منذ ظهور الإنسان على الأرض، كانت قضية الإنسان تتأرجح بين فكرتي الخير والشر اللذين يشكلان وجهين لعملة واحدة. لا وجود لإحداهما دون الأخرى. لماذا يكون الشر، ولماذا تكون القضية غير العادلة ؟ يمكن، للوهلة الأولى، أن نقدم الإجابة التالية : أليس الشر هو ما يدفع الإنسان -انطلاقاً من حريته في الاختيار- إلى اختيار نقيضه بشكل غريزي أو بشكل تستحيل مقاومته ؟ أليس الخير أمراً فطرياً يشارك في تكوين جوهر الإنسان وكينونته ويثبت في آن معاً وجوده وخصوصاً مبرر وجوده في ثنائية الخير والشر، وقضيتي العدل والظلم ؟ يقول الثنويون بأن الخير والشر يسكنان كل إنسان. فإذا ما نزع منه الشر وبالتالي القضية غير العادلة، فإن الحياة لا تكون حياة، وتفقد الأديان مبررات وجودها. حتى الموت يفقد معناه. هذا الشر، هذه القضية غير العادلة، هو تحديداً هو ما يعطي معنى للإنسانية من خلال الكفاح من أجل الخير والقضية العادلة. إنه هو ما يشكل دافعاً لكفاح لا يتوقف تشعر البشرية من خلاله بأنها تعيش وتضمن جوهر وجودها.

إن عالم الأخلاق والتدين البشري يتوقف قبل كل شيء على هذه الثنائية الضرورية التي تشكل وجهين لعملة واحدة. والإنسانية هي بشكل أساسي تلك العملة، ذلك الحيز بين الخير والشر، بين القضية العادلة والقضية غير العادلة. ولا يمكن للإنسان إلا أن يدفع هذه الضريبة من أجل تأمين وجوده، وهذه الضريبة تعبر عن نفسها من خلال أنواع الشرور والحروب من هذه الشرور.

حرية الاختيار ليست فقط خيار تحقيق الذات بين القضيتين، ولا بتمييز قضية الخير المطلق عن قضية الشر المطلق، بل في الكفاح داخل ذاته ضد قوى الشر التي تجتاح كيانه، وذلك من أجل الخلاص من هذا المزيج المتفجر من الخير والشر. لفهم ذلك، نأخذ على سبيل المثال هذه الحروب التي تشكل حالات قصوى لتجليات الشر و استتباعاً، للقضايا غير العادلة.

حرب فييتنام التي أحاقت فيها الهزيمة الكبرى بأكبر قوة دولية على يد شعب ضعيف ومسحوق من قبل القوة المعادية، لكنه مع ذلك يمتلك قدرة قتالية عالية برجاله الذين كانوا ينقلون ما تقدمه لهم البلدان الصديقة من أسلحة كالمدافع على ظهورهم ويعبرون بها الغابات. شعب لم يكن يجد ما يأكله، لكنه يمتلك شجاعة مثالية وقدرة كبرى على التضحية. لم يكن يمتلك الكثير من الأسلحة، ولكن اقتناعه بقضيته مكان من إلحاق الهزيمة بأعتى جيش في العالم وأجبر الولايات المتحدة على الرحيل عن أرضه. إنه مثال على القضية العادلة التي تنتصر على القضية غير العادلة، أو على قوى الخير التي تنتصر على قوى الشر.
المخططات الأميركية والأوروبية والإسرائيلية ضد سوريا... لماذا هي محكوم عليها بالفشل ؟
الاحتلال الاميركي لفيتنام ...انتتصار الفيتنام في حربهم العادلة
والوضع مشابه في أفغانستان. مسلمون يعانون من الجوع ساعدتهم جهات صديقة فقاتلوا بشراسة مدفوعين بإيمانهم بالنصر فانتصروا على ثاني قوة في العالم، على الجيش الأحمر السوفياتي. وكذا الأمر بالنسبة للجزائر في حرب التحرير (1954-1962)، حيث انتصرت القضية العادلة على القضية غير العادلة. وخلال فترة التسعينات، انتصر الجيش الجزائري المدعوم من قبل الشعب على إرهاب الإسلاميين. 

لا وجود في العالم لنظام سياسي لا تشوبه الشوائب. لا الفساد ولا أية آفة أخرى يمكنها أن تبرر إرهاباً يشنه البعض على أبناء شعبهم.

حرب العراق، وهي الأحدث عهداً، تميزت عن جميع الحروب الأخرى، وحتى عن حرب فييتنام. شعب يسحقه حكم ديكتاتوري؛ 80 بالمئة من الجيش تم تدميره من قبل الأميركيين؛ الحصار والغارات الأميركية ـ البريطانية دامت لأكثر من إثني عشر عاماً؛ الأمم المتحدة كانت قد جردت العراق من أسلحته البالستية؛ ولم يكن العراق مدعوماً لا من السوفيات ولا من الصينيين، كما كان عليه الشأن بالنسبة لفييتنام وكوريا الشمالية. وفي ظل هذا الضعف، ودون خوض معارك فعلية، حارب العراق لفترة قصيرة لا تزيد عن الشهر، وبعدها وقع العراق تحت الاحتلال الأميركي وانهارت الدولة العراقية. وفي ظل حكومة عراقية شكلها الاحتلال، رجع العراق ألفي عام إلى الوراء، إلى زمن الروماني بيلاطوس البنطي.

ثم جاءت المعجزة. كان العراق بمثابة الميت، وكان الاتحاد السوفياتي قد زال من الوجود، وكانت الصين قد اعتنقت مذهب اقتصاد السوق، ولم يعد هنالك منفذ للخلاص أمام الشعب العراقي. وحتى الأنظمة العربية الأخرى أصابها الذعر وبدأت تحني ظهرها لتظهر بمظهر "وديع" أمام أقوى قوة في العالم، أمام تلك القوة التي أظهرت استعدادها العدواني بالتوازي مع قوة إعلامها الحربي. بلدان عربية عديدة طمحت بأبصارها نحو الصين لتتسول حماية موهومة. كما ولو أن بإمكان الصين أن تؤمن لها مثل هذه الحماية !

ثم جاء ما لا يخطر ببال أحد. فقد تحرر الشعب العراقي من خوفه من الديكتاتورية ومن العدوان الأميركي واستمد القوة من نفسه شأن ما فعله الفييتناميون والجزائريون والأفغان، وخاض حرباً لا هوادة فيها ضد القوات الأميركية. وبذلك أجبر كبار القياديين الأميركيين على التحصن في المنطقة الخضراء. وقد سمي الطريق الذي يصل مطار بغداد بالمنطقة الخضراء بـ "طريق الـ آر بي جي 7". صحيح أن سوريا وإيران قد ساندتا المقاومة العراقية، وذلك من حقهما المشروع. ألم تتذرع الولايات المتحدة بحادث وقع في البحر لتعلن الحرب على ألمانيا النازية ولتقدم الدعم للحلفاء الأوروبيين ؟ ألم يقوموا بتدريب وتسليح وتمويل الإسرائيليين الذين اغتصبوا فلسطين ؟
إن
المخططات الأميركية والأوروبية والإسرائيلية ضد سوريا... لماذا هي محكوم عليها بالفشل ؟
معجزة الشعب العراقي  مثال قوي على انتصار القضية العادلة
وقوى الخير على القضية غير العادلة وقوى الشر، وهذه المعجزة يجب أن تدفع القوى الكبرى إلى التفكير. لكن هذه القوى لن تفكر لأن القضية العادلة شيء وأولويات القضية غير العادلة شيء آخر. وكما أن اغتصاب فلسطين من قبل الصهاينة الذين أقاموا دولتهم هو قضية غير عادلة، فإن هذه الدولة قد أصبحت اليوم، بحكم وجودها وواقعها، وبحكم قبول الأمر الواقع وسياسة "الأرض مقابل السلام" التي يعتمدها العرب، مسألة تتعدى حدود القضايا العادلة والقضايا غير العادلة.

سوريا ضحية مكيدة غربية

لماذا تعمد القوى الغربية إلى احتضان القضية غير العادلة في جميع هذه الحروب ؟ ما يعني أن الأميركيين والأوروبيين يجعلون من القضية غير العادلة قضية عادلة تبعاً لما تمليه الأولويات. عندما قام الأميركيون بغزو العراق أن حربهم هذه تندرج في إطار قضية عادلة. وصلوا إلى حد الاستعانة بالكنيسة وبالله (بوش في الكنيسة). كانوا مقتنعين بأن قضيتهم عادلة بالرغم من الذريعة الكاذبة، أي أسلحة الدمار الشامل التي استخدموها من أجل تبرير البدء بالهجوم، وهي الذريعة التي اعترفوا لاحقاً بكذبها عندما لاحت في الأفق بوادر هزيمتهم.

إن الأمر نفسه يتكرر اليوم. هروبهم إلى الأمام في حربهم على سوريا يعتمد اعتبارات مشابهة لتلك التي سبق واعتمدوها في العراق. مع فارق أن ما أحاق بهم في العراق جعل الأميركيين والأوروبيين ومشيخات النفط العربية تفضل تنفيذ "العمل" على يد جماعات محلية أو مستجلبة من البلدان المجاورة. لكن هذا الهروب إلى الأمام اقتصر على بعض الدول الأوروبية حيث إن بعضها الآخر فضل عدم الإنجرار إلى المأساة السورية.

ولكن ما هي تلك الأولوية التي تم بموجبها تمرير القضية غير العادلة على أنها قضية عادلة ؟ للإجابة، ينبغي الالتفات إلى واقع أن الحروب تنطلق من اعتبارات جيوسياسية وجيواقتصادية بالغة الأهمية. ففي الغالب، تكون هنالك أحداث ملحة يصعب فهمها على الناس العاديين. ويتبين من هذه الأحداث أن أولوية السياسة الدفاعية بالنسبة لقضية ما لا تفرض نفسها على الحرب، بل في الحرب نفسها ومن خلال أولوية الدفاع عن رهانات استراتيجية كبرى. وحيث يكون هنالك اختلاط بين القضية العادلة والقضية غير العادلة، فإن كل طرف يخشى على موقعه يعتبر نفسه مدافعاً عن قضية عادلة. ألم يظن السوفيات أنهم يدافعون عن قضية عادلة عندما قاموا بغزو أفغانستان ؟ أليس أن الرهانات العسكرية الهادفة إلى فرض قضية زائفة هي ما يجعل بلداً قوياً يتراجع بين عشية وضحاها أو يفقد مكانه نهائياً بين القوى الأخرى ؟ وعندما انهار الاتحاد السوفياتي بشكل مفاجىء، ألم يخلف وراءه بلداً هو روسيا الخاسرة لإمبراطوريتها ؟ وبعد هزيمة النازية، ألم تصبح ألمانيا مقسمة إلى بلدين، قبل أن تستعيد وحدتها ولكن دون أن تحقق استقلالها الأمني عن القوى الكبرى ؟ مثل هذه التطورات طبيعي جداً، حيث إن لكل دولة قوية دورا في التاريخ. وقد انتهى عام 1991 تاريخ الاتحاد السوفياتي بوصفه قوة توازن مع الإمبريالية الأميركية. وانتهى عام 1945 تاريخ ألمانيا النازية لكنه أدى إلى تراجع القوى الاستعمارية التقليدية وانبثاق بلدان العالم الثالث. ولكن، لا الاتحاد السوفياتي ولا ألمانيا النازية توقعا هذه النتائج غير المنتظرة، وهذا ما يسمح لنا بالقول بأنهما قد استخدما كأداتين من قبل التاريخ. واليوم أصبح لروسيا تاريخ جديد، وينبغي القول بأن روسيا، والكلام ينطبق أيضاً على الصين، تعيش تاريخها بشكل مثير للإعجاب في عملية تقاسم الأدوار بين القوى الدولية.

إن المأساة التي تعيشها سوريا تندرج، شأن فييتنام والعراق، في إطار مكيدة تدميرية جديدة من تدبير الغرب وأدواته العربية. وعليه، يمكن القول هنا بأن الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها.

المشاريع الغربية ضد سوريا محكوم عليها بالفشل

رهانات كبرى تدور حولها اليوم خلافات بين القوى العظمى. وما يجري حالياً يدلل على أن القوى المالية الكبرى ومشيخات النفط العربية تستشعر الخطر المتمثل في كون السياسات المالية قد أصبحت عاجزة عن التحكم بأسعار النفط والمواد الأولية. هنالك حالة "عدم استقرار خالص" يتحكم اليوم، تبعاً للعرض والطلب وحدهما، بأسعار العملات العالمية وفي الوقت نفسه بأسعار النفط والمواد الأولية والسلع الزراعية الأساسية، وذلك خلافاً لـ "عدم الاستقرار غير الخالص" لأسعار العملات التي تشهد باستمرار تدخلات البنوك المركزية في مناطق الدولار واليورو والاسترليني والين. وبكلام أدق، فإن الهلال الشيعي ـ وعلى رأسه إيران وصادراتها النفطية باليوآن، أو عن طريق التبادل البضاعي، أو بعملات غير الدولار واليورو ـ يشكل في المدى القريب نسبياً خطراً على القوى المالية الكبرى.

وبفعل الأزمة العالمية والصعوبات التي تحول دون خروج  الغرب من الأزمة، ينظر الغرب إلى النظام السياسي في سوريا على أنه الحلقة الضعيفة التي ينبغي ضربها لكي يصبح من الممكن ضرب إيران لأنها تقوض النظام المالي العالمي الذي يتحكم به الغرب. والأكيد أن الولايات المتحدة قد فهمت، بحكم الضربة الموجعة التي منيت بها في العراق وأفغانستان، أنه قد بات من غير الوارد أن ترسل جيوشاً إلى بلدان إسلامية. وأن ما ينبغي عليها هو أن تسعى لإيجاد حلفاء محليين من شأنهم أن يشكلوا قوة على الأرض. من هنا نفهم بشكل أفضل هذا الانتشار من قبل مرتزقة عرب، من قبل جهاديين ربما يكون في اعتقادهم أنهم يجاهدون من أجل قضية سامية، في حين أنهم في الحقيقة مجرد أدوات في يد المصارف العالمية الكبرى التي تحركهم من خلال حكوماتهم ومن خلال أجهزة الاستخبارات.

ولكن هل في اعتقاد كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإسرائيل أن بإمكانهم تحقيق أهدافهم ؟ حتى مع نجاحهم في أيار / مايو 2013 في جر بقية البلدان الأوروبية المتحفظة على سياستهم العدوانية إلى رفع الحظر عن تزويد المتمردين في سوريا بالأسلحة، فإن ذلك لن يغير شيئاً في موازين القوى. السبب هو مرور عامين دون أن يتوقف النزاع المسلح. والأكثر من ذلك، وبالرغم من دمار قسم من سوريا، لم تخف حدة الشراسة الحربية عند الفريقين. أما العراق، فإنه ليس في وضع أفضل (...) وهذا ما يسمح لنا بالقول بأنه يعيش منذ الاحتلال الأميركي طوراً جديداً من أطوار تاريخه.
المخططات الأميركية والأوروبية والإسرائيلية ضد سوريا... لماذا هي محكوم عليها بالفشل ؟
كيف لسنتين من الحرب الأهلية ان تفت من عضد سوريا
تبدو سوريا وكأنها الحلقة الأضعف في هذا الهلال الشيعي، وذلك بسبب القدرات الكبيرة للتحالف ضدها بين الغرب وإسرائيل ومشيخات النفط العربية والأنظمة الإسلامية الجديدة. ولكن هل هي ضعيفة حقاً ؟ إن الغربيين ينسون أن الأقلية العلوية التي يرفعون عقائرهم ضدها، والتي قادت سوريا وما تزال، هي التي وقفت صامدة طيلة السنوات الثلاثين الماضية في وجه إسرائيل والدول الغربية. سوريا هي البلد الوحيد الذي لم يتزعزع بفعل الحرب الأهلية اللبنانية التي استعرت طيلة خمسة عشر عاماً والتي تعد واحدة من أكثر الحروب دموية في العالم، في حين أن إسرائيل لم تصمد في المعمعة اللبنانية لأكثر من ثلاث سنوات (بين 1982 و1985). ثم إن سوريا لعبت منذ أواسط السبعينات دوراً مركزياً في التوازن الجيوستراتيجي في الشرق الأوسط، وشكلت قوة موازنة للقوة الإسرائيلية وحمت بذلك الشعوب العربية من الإملاءات الأميركية-الصهيونية. ولولا سوريا ووجودها العسكري في لبنان خلال ربع قرن، لكانت إسرائيل قد تمكنت من "تطهير" لبنان ونقل الفلسطينيين إلى الأردن، ولكانت تمكنت على الأرجح من ضم أراض عربية إضافية إلى كيانها. ولما كان حزب الله قد تمكن من الوجود، ولكانت خارطة العالم العربي قد تغيرت مجدداً بعد أن كانت قد تغيرت بفعل اتفاقيات سايكس بيكو التي تمخضت عنها مشيخات نفط صغيرة في الخليج. ومع هذا، فإن غالبية بلدان الجامعة العربية الـ 22، تحالفت ضد سوريا بدلاً من أن تعترف بجميلها.

على ضوء هذه المعطيات، لا يمكن للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل أن تكون جدية في اعتقادها بأنها تستطيع اليوم تحقيق هدفها بضرب سوريا بعد أن عجزت عن ذلك طيلة ثلاثين عاماً. هل يمكن لسنتين من الحرب الأهلية أن تفت من عضد بلد استطاع الوقوف وحده في وجه إسرائيل منذ خروج مصر من المواجهة عام 1973؟ فوق ذلك، إن هذا العدوان على سوريا من قبل الغرب وإسرائيل والأدوات الإقليمية بما فيها قسم من السوريين، بهدف إزالة عائق أول أمام مشاريع وضع اليد على منابع النفط في المنطقة، هو قضية غير عادلة في جوهرها. ولأنها كذلك فإن هذه المشاريع لا يمكن إلا أن تكون محكومة بالفشل. فالتاريخ يعلمنا أن القضايا العادلة هي ما انتهى دائماً إلى الانتصار على القضايا غير العادلة. ولا يمكن لسوريا أن تكون استثناءً على حكم التاريخ.        

*(باحث متخصص في الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية واستشراف المستقبل)
2013-07-25