ارشيف من :ترجمات ودراسات

لبنان والقلق من المجهول

لبنان والقلق من المجهول

أمين قمورية  - صحيفة الصباح العراقية

  على وقع الانباء المتتالية حينا عن اشتباكات تقع هنا وهناك وتنبعث منها روائح التعصب المذهبي الاعمى، وحينا عن تفجيرات تستهدف السكان الآمنين الباحثين عن لقمة عيش كريمة صار صعبا نيلها، واحيانا عن فلتان امني وفوضى ودعوات الى اقامة امن ذاتي لقوى الامر الواقع الطائفية بذريعة حماية ابناء اللون الواحد او ابناء المنطقة ذات اللون الواحد ، وعلى اصوات التعبئة العصبوية المجنونة والانقسام الحاد ، ثمة سؤال يتردد على كل شفة ولسان : هل دخل لبنان المحظور الذي يجري التحذير منه منذ فترة؟ هل سقطت الحدود بين سوريا ولبنان نهائيا؟ وهل صار لبنان في قلب العاصفة السورية وساحة من ساحاتها؟

   يعيش اللبنانيون على وقع أنباء الحرب التي لم تقع بعد والتي يمكن أن تقع في أية لحظة. ليست هناك جهة لبنانية بإمكانها أن تؤكد أن الوضع سيكون دائما تحت السيطرة. الدولة اللبنانية نفسها يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما ذهب صراع الطوائف إلى نقطة اللاعودة. أكثرية اللبنانيين تخشى الحرب، من غير أن تكون متأكدة من قدرتها على منع وقوعها. في مواجهة أي خلاف بين طرفين يضع اللبنانيون أيديهم على قلوبهم.

   في الاونة الاخيرة دخل لبنان أكثر فأكثر في المعمعة السورية التي لايستطيع احد ان يتكهن بخاتمتها، وصار التشظي السياسي والأمني والمجتمعي مستحكما ولغة الشارع أقوى من أي صوت ومن أية دعوة إلى الحكمة والوعي والتعقل وصار لكل جهة شارعها ولغتها والسلاح يظهر في الشارع بشكل معتاد وقطع الطرقات في المناطق وبين المناطق أسهل من شربة الماء ومن يتذوق مرارته هم اللبنانيون وسمعة لبنان وأمنه واستقراره. كل يوم يمر يغرق فيه لبنان اكثر واكثر في اتون الصراع المحلي والأطراف يتنابذون والسلم الأهلي مهدد في الصميم والحديث عن خطر الحرب الأهلية متعدد المصدر ، غير أن اللبنانيين يصمون الآذان ويمضون في فتح الأبواب والنوافذ بدل العمل بوعي من أجل تحصين بلدهم وحفظ أمنه واستقراره والإسهام في إعلاء شأن الدولة والقانون والمؤسسات.

الجميع في لبنان صار يعلم، أن التفجيرات الإرهابية آتية لاريْب فيها. أمس، في منطقة بئر العبد في الضاحية الجنوبية الشيعية، ذهب ضحية انفجار السيارة المفخخة فيها نحو 50 جريحا، وغداً ربّما في الطريق الجديدة السُنيّة في بيروت.

ولأن الكل كان يعلَم، لا أحد فوجِئ، لا بل العكس: العجب كان أن يمُر كل هذا الوقت منذ أن انخرط اللبنانيون بكل اطرافهم في الحرب السورية، ولاسيما بشكل واضح في معركة القصير قبل أن ينتقِل لهب الحريق إلى بلاد الأرز.

وهكذا، يصير السؤال الاكثر الحاحا: لبنان إلى أيْن الآن من هنا؟ معظم المحللين "المتفائلين" في الداخل اللبناني وخارجه، لا زالوا مُصرّين على القول أن الاضطرابات الأمنية في لبنان لن تترجم نفسها حرباً أهلية. فلا "حزب الله" ولا أي طرف لبناني آخر يريدها، ولا الدول الكبرى، التي تسعى بشكل حثيث لمنع توسُّع وامتداد الحرب السورية في المنطقة، وهذا تأكّد مجدداً قبل أيام، حين قالت مصادر ديبلوماسية إن "الولايات المتحدة وفرنسا اتفقتا مع المملكة العربية السعودية على منع انتقال الحرب الأهلية السورية إلى لبنان".

 علاوة على كل ذلك، أية حرب أهلية لبنانية جديدة، تتطلّب تمويلاً مالياً كثيفاً، وهذا ما لا تستطيع القوى الإقليمية المعنية تحمّله، بسبب انغماسها الراهن بكليتها في هذه المرحلة في تمويل الحرب الأهلية السورية، وبالتالي، الأرجُح أن يقتصر الأمر على التفجيرات الموضعية على النّمط العراقي، حيث العمليات الإرهابية تضرب الأمن، لكنها لا تجر المجتمع ككل إلى حرب مفتوحة.

ومع ذلك فان هذه التحليلات غير مطمئنة، خصوصا حين نتذكَّر أن كلفة مثل هذه "العرقنة" في لبنان ستكون مئات وربما آلاف القتلى والجرحى، وتوجيه ضربات قاصمة للاقتصاد اللبناني المتأرجح أصلاً على شفير الهاوية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، ثمّة خطر كبير بأن تتعرّض مؤسسة الجيش اللبناني، التي تعتبر الضامن الوحيد للسِّلم الأهلي في البلاد، إلى إنهاك واستنزاف شديدين، في حال استمرت الأزمات الأمنية المُتنقِّلة من الجنوب في صيدا إلى الشمال في طرابلس، مروراً بمنطقة البقاع المحاذية للحدود السورية. وهنا لعل الخطر الحقيقي على لبنان، هو التآكل التدريجي لصدقية القِوى الأمنية، بفعل الاضطرابات الأمنية المُتنقِّلة. وفي حال سقط لبنان، فإنه سيسقط بسبب هذه الديناميكيات المحلية، التي تضغط الآن بقوّة على الجيش، وليس لأن ثمّة طرفاً يقول إنه حان وقت القتال للسيطرة على البلاد.

وحين يبدأ المتطرِّفون السُنّة هجماتهم الإرهابية والانتحارية، كما هو متوقّع، على المناطق الشيعية ويرد المتطرّفون الشيعة بالمثل ضد المناطق السُنيّة، قد لا يطول الوقت قبل أن تفقد الأجهزة الأمنية سيطرتها النِّسبية الرّاهنة على الوضع. وحينها، قد يتحقّق تحذير المحللين من مخاطر "سقوط لبنان".
2013-07-26