ارشيف من :أخبار لبنانية

تحييد لبنان مستحيل لكنّ تجنيبه الحريق ممكن

تحييد لبنان مستحيل لكنّ تجنيبه الحريق ممكن
غسان جواد - صحيفة الجمهورية

ندور في حلقة مفرغة، والبلاد تراوح مكانها. «هيكل الدولة» الذي لا يزال صامداً يتآكل شيئاً فشيئاً. لا حكومة إلّا بشروط «14 آذار» ورعاتها الإقليميين. لا حوار قبل الحكومة، والشلل الذي يتجمّع حول المؤسسات، بدأ يطاولها كلها في ظلّ غياب «السياسة»، بما هي رعاية للتناقضات في أيّ مجتمع ومساعٍ وابتكارات لإيجاد المخارج والحلول.

لا يمكن الآن بحسب الظروف والمعطيات المحيطة بالبلد، اجتراح تسويات كبرى ترضي جميع الأطراف وتجيب عن هواجسهم. لكنّ هذا لا يعني انقطاع التواصل والبحث عن مخارج وتسويات "مرحليّة" تخرج لبنان من المراوحة والانتظار. لا احد يتحدث الى أحد، لا أحد يتصل بأحد، لا احد يبادر تجاه أحد، وكل ذلك يدخل في إطار التسليم المطلق من غالبية الأطراف بأنّ "أوراق اللعبة" ليست لبنانية.

حسناً، لكن أليس في وسع اللبنانيين أن يكونوا شركاء في إدارة بلادهم؟ هل إطلاق اليد الإقليميّة والاستجابة للفيتوات التي توضع هنا وهناك، تخدم الدولة والمؤسسات، وتساعد في الحفاظ على ما تبقّى منها دون خراب؟

يمثّل تأليف الحكومة والخروج من نغمة "التوازن" بين السلطات، وتحرير مجلس النواب من "الحرم المذهبي"، مدخلاً لتبقى القنوات مفتوحة ولتتحدث القوى السياسية مع بعضها. أما وضع العقبات امام التأليف ربطاً بالنزاع السوري ومواقف الدول الاقليمية هناك، فيُعتبر إمعاناً في التخريب والاهتراء والتحلّل.

الجميع يدرك أن الازمة في سوريا طويلة، وربط كل الاستحقاقات اللبنانية بما ستؤول اليه هذه الأزمة جريمة متمادية بحق النظام والدستور والاجتماع اللبناني الهش والمضطرب والمستنفر.

هل يعلم المعرقلون واقع الدولة والبلد والمؤسسات؟ هل يعلمون أنّ الاقتصاد اللبناني يعيش كارثة صامتة ومكتومة؟ هل يعلمون أنّ سعر صرف الدولار لا زال صامداً حتى الآن بفعل الإدارة الصحيحة للمصرف المركزي، وليس بفضل السياسات الحكيمة التي يثابر عليها البعض؟

من يخوض صراعات على مستوى الإقليم ويقدّم نفسه راعياً للبنان وللاستقرار، يدرك حجم المخاطر المترتبة على هذا العناد. ويعلم أنه يعرّض البلد ويكشفه لشتى أنواع السلبيات. لقد بات تحرير الحكومة العتيدة، وتحرير الرئيس المكلّف تمام سلام من الشروط التعجيزية بمثابة خطوة إنقاذية.

الاصرار على عزل فريق لبناني وازن وفاعل مثل "حزب الله" ليس له ما يبرهنه. وعدم إعطاء الاطراف الآخرين حجمهم التمثيلي في إدارة البلاد من خلال الحكومة لا يمكن فهمه إلّا كونه تعبيراً عن نزعة استئثارية إلغائية للآخرين.

هل هناك ما هو اخطر من الواقع الذي نعيشه حتى يكون تأليف حكومة الوحدة الوطنية أمراً بديهياً؟ ما الذي ينبغي أن يحدث حتى يخرج البعض من ذهنية الانتقام بشكل بدائي؟ هل يكون الرد على قتال "حزب الله" في سوريا من خلال تدمير لبنان، والدفع بالدولة والمؤسسات نحو الفراغ المميت والمراوحة القاتلة؟

لقد عاش لبنان في تاريخه الحديث، أزمات سياسية حادة شبيهة بالأزمة التي نعيشها. ولطالما كان الوضع اللبناني مرعياً على المستوى الدولي والاقليمي. ولم يكن تأثير الخارج يصل الى حدود انمحاء الوجود اللبناني، وعدم القدرة على المشاركة في صناعة القرار. الطبقة السياسية يومذاك كانت تبادر وتناور وتشارك في صناعة الحلول وصياغة المخارج والتسويات المرحلية.

هذه الوقائع ترتّب على مجمل الطبقة السياسية اليوم مسؤولية إثبات استقلالها ولو نسبياً. القفز فوق "الحرم الاقليمي" الملقى على طرف سياسي لبناني، وملاقاة اللغة "التصالحية" التي يطرحها الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في منتصف الطريق مسؤولية الرئيس سعد الحريري.

أمام زعيم "المستقبل" جملة من التحديات والاستحقاقات المتصلة بدوره وزعامته من جهة، وبمستقبل الدولة والنظام من جهة أخرى. من نافل القول إن على الحريري المبادرة فوراً الى تسهيل تأليف الحكومة بلا عقبات وشروط تعجيزية، والعودة الى بيروت والشروع في الحوار مع الجميع، وفي مقدمتهم "حزب الله".

ولتوضع كل الهواجس على الطاولة. لبنان يحتاج اليوم لمبادرات جريئة وتسويات مستعجلة تنظّم الاختلافات وتحرّر البلد من ربطه بسلاسل الموقف في سوريا وحسابات البيدر الإقليمي والدولي. لا نستطيع تحييد لبنان عن الصراع، لكن في وسعنا تجنيبه التداعيات ومنع الحريق من التمدّد بشبكة أمان داخلية متفاهمة بالحدود الدنيا.
2013-07-27