ارشيف من :أخبار عالمية
تونس تُشيّع البراهمي
على غير عادته في ليالي رمضان والصيف، لم يعرف شارع الحبيب بورقيبة في قلب العاصمة التونسية ليل الجمعة الإقبال الكثيف من المواطنين بعد الإفطار على مقاهيه ومسارحه وفنادقه وغيرها من أماكن الترفيه. فالكل يحبس الأنفاس لما سيحصل يوم السبت مع تشييع جنازة الشهيد محمد البراهمي خاصة مع مشهد الآليات العسكرية والمدرعات وهي تتقاطر الى العاصمة بما في ذلك شارع الحبيب بورقيبة.
وزاد المشهد قتامة في أرض الخضراء تجمع جماعة "تمرد تونس" أمام مقر المجلس التأسيسي بباردو مباشرة بعد الإفطار للمطالبة بحل هذا المجلس المنتخب، إذ بدا الإصرار على وجوه هؤلاء الشبان للمضي قدماً في مسعاهم أسوة بما حصل في الشقيقة مصر. فالمشهد التونسي شبيه إلى حد بعيد بما حصل أيام التمرد على نظام بن علي وما تلا من فرار هذا الأخير من فوضى عارمة وانفلات أمني.
أعلام فلسطين وسوريا
وصباح السبت "هرعت" جموع غفيرة من السياسيين وعموم المواطنين إلى منزل الشهيد محمد البراهمي بمنطقة حي الغزالة من ولاية أريانة للمشاركة في تشييع الجنازة التي أرادتها الحكومة رسمية رغم أن الترويكا الحاكمة بقيادة حركة "النهضة" مُنعت من حضورها من قبل عائلة الشهيد. وكان لافتاً في هذه الجنازة حضور علمي فلسطين وسوريا إلى جانب العلم التونسي باعتبار انتماء الشهيد إلى التيار القومي التونسي الذي يعتبر من أشد المساندين لنظام دمشق في مواجهة قوى الهيمنة الغربية، وكان الشهيد البراهمي من أشرس منتقدي النظام التونسي الجديد حين أقدم على قطع العلاقات الديبلوماسية مع سوريا.
كما شهد محيط منزل الشهيد والطريق التي سُلكت حضوراً كثيفاً جداً لعناصر الشرطة والجيش الذي خصص سيارة عسكرية لنقل جثمان الشهيد وطافت مروحياته في سماء العاصمة منذ الصباح الباكر لتأمين موكب الجنازة وتجنب الفوضى التي حصلت عند تشييع جثمان الشهيد شكري بلعيد منذ أشهر. وقد كان لافتاً حضور أبناء محمد البراهمي وزوجته إلى جانب جثمان البراهمي على العربة التابعة للجيش وهم يصرخون مع جموع المشيعين تنديداً بجريمة اغتيال الشهيد وبحكم حركة النهضة التي توجه إليها أصابع الإتهام بالتقصير في حماية الشهيد وبالتحريض على العنف الذي أدى إلى هذه الاغتيالات حتى وإن لم تكن متورطة فيها بصورة مباشرة.
تشييع محمد البراهمي
تنظيم محكم
وبخلاف جنازة شكري بلعيد لم تسمح السلطات التونسية بدخول أي كان إلى مقبرة "الزلاج" التاريخية في العاصمة، وذلك تجنباً للفوضى ولأعمال العنف والسلب والنهب التي حصلت في جنازة الشهيد شكري بلعيد. كما آثر كثير من التونسيين الاكتفاء بمشاهدة تشييع جنازة البراهمي عبر القنوات التونسية الرسمية والخاصة خوفاً من حصول مثل هذه الأعمال. فقد احرقت في وقت سابق سيارات لمواطنين من المشيعين واتهم البعض يومها رابطات حماية الثورة القريبة من حركة "النهضة" بالضلوع في هذه الأعمال، وتم القبض على شبان من المخربين، ولم تعرف إلى اليوم الناس من هي الجهة المتورطة بعد أن تم التعتيم على الملف.
ويشار إلى أن موكب الجنازة تحول إلى ساحة حقوق الإنسان في شارع محمد الخامس في قلب العاصمة التونسية، حيث قضى بعض الوقت، ومنه مر بميدان الساعة الشهير بشارع الحبيب بورقيبة، فشارع الملك المنصف باي ثم ساحة باب عليوة المطلة على مقبرة الزلاج قبالة المستشفى العسكري، وهي مسيرة طويلة إلى حد ما، حيث رأى البعض أنها مرهقة مع ارتفاع درجات الحرارة في تونس في هذا الوقت من السنة وفي ظل الصيام بمناسبة شهر رمضان. ويشار أيضا، وفي إطار هذا التنظيم المحكم للجنازة، إلى الحضور الكثيف لسيارات الإسعاف وسيارات الحماية المدنية (الدفاع المدني)، وذلك بخلاف جنازة شكري بلعيد.
تشييع محمد البراهمي
مشهد مهيب
وعلت الزغاريد قرب باب المقبرة من قبل النزر القليل من النساء الحاضرات في الجنازة وأغلبهن من أفراد أسرة الفقيد اللواتي تكبدن عناء الوصول إلى العاصمة من مسقط رأس الشهيد بسيدي بوزيد مهد الثورة التونسية. وداخل المصلى التابع للمقبرة، والذي توشح بأعلام تونسية ضخمة، تجمع المشيعون، ومنهم رجال دين، وأدوا صلاة الجنازة على الشهيد، وكان لافتاً حضور الشيخ فريد الباجي وهو أحد أشد رجال الدين التونسيين المعارضين للفكر السلفي الوهابي، حيث رفع يده بالدعاء للشهيد ولتونس في مشهد مؤثر. ثم رفع جثمان الفقيد على الأعناق وسط هتافات تردد "لا إله إلا الله والشهيد حبيب الله".
ووري البراهمي في الثرى في أرض الخضراء في مشهد مهيب على أنغام النشيد الوطني التونسي. وبخلاف جنازة شكري بلعيد لم تشهد المقبرة إلقاء خطب لتأبين الفقيد من قبل السياسيين الحاضرين. لكن دعا البعض عبر مكبرات الصوت إلى إسقاط حكم الإخوان واحتلال المراكز الحكومية، وصرخ البعض قائلاً بالعامية التونسية :"يا غنوشي يا سفاح يا قَتَال الأرواح".
ويشار إلى حصول بعض المناوشات في محيط المقبرة أثناء الدفن حيث سعى بعض المخربين إلى استفزاز المشيعين، لكن سرعان ما تصدى لهم رجال الأمن واقتادوا بعضهم إلى السيارات الشرطة في انتظار نقلهم إلى مراكز الإيقاف. وحسب المعلومات الأولية الواردة فإن المقبوض عليهم هم من اللصوص والمنحرفين الراغبين في نهب الممتلكات الخاصة والعامة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018