ارشيف من :أخبار لبنانية
السنيورة لرؤساء الحكومات: «ما لكم لنا ولكم»
غسان ريفي - صحيفة السفير
لا يزال الرئيسان سعد الحريري وفؤاد السنيورة، ومعهما مكونات «تيار المستقبل»، غير قادرين على استيعاب فكرة خروجهم من السلطة، بالرغم من مرور سنتين على ترؤس الرئيس نجيب ميقاتي الحكومة، ومرور أربعة أشهر على تصريف الأعمال.
ولعل الاجتماع الذي عقده الحريري لأركان كتلته في السعودية مؤخرا، جاء ليضع حدا لشهوة الحكم التي تسيطر على بعض القيادات الزرقاء، وفي مقدمتها السنيورة، لجهة سعيه بشتى الطرق والوسائل للعودة الى السلطة أو الايحاء بأنه شريك فيها، وذلك من خلال فتح قنوات تواصل مع أكثرية القيادات، السنية خصوصا واللبنانية بشكل عام، حتى تلك التي يناصبها الحريري العداء.
ويمكن القول ان السنيورة، الذي نشط على أكثر من خط سياسي مؤخرا بمعزل عن الحريري لتسويق نفسه كرئيس للحكومة، اصطدم بطموحات «العمة» بهية الحريري التي بدأت تسويق نفسها بإطلاق الحملة الوطنية بعنوان: «بيكفي خوف»، وهي اختارت أن تزور طرابلس بعد سنوات من الغياب لما تمثله من ثقل سني للحصول على الشرعية لتحركاتها، وأطلقت منها مواقف وصفها المراقبون بأنها أقرب الى البيان الوزاري، فضلا عن فتحها باب التواصل مع بعض القيادات، وفي مقدمتها الرئيس نجيب ميقاتي الذي زارته للمرة الأولى منذ ترؤسه الحكومة في السرايا الكبيرة، لمعالجة أوضاع صيدا بعد أحداث عبرا والقضاء على ظاهرة أحمد الأسير.
هذا بالإضافة الى حركة وأجندات بعض القيادات الزرقاء الذين يطمحون للجلوس على الكرسي الثالث للمرة الأولى، والدخول الى نادي رؤساء الحكومات، على غرار ما حصل مع الرئيس المكلف تمام سلام.
ويبدو واضحا أن رئيس الكتلة الزرقاء فؤاد السنيورة، الطامح أكثر من غيره للعودة الى جنة الحكم، يتعاطى مع رؤساء الحكومات ومع المكونات الأساسية في الطائفة السنية على قاعدة «ما لنا لنا، وما لكم لنا ولكم»، وذلك وفق حسابات مصلحية صرفة تقضي بتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب.
كما أنه لا يتوانى عن اللعب على التناقضات السنية، والاستفادة من انعدام الثقة بين بعض القيادات، بما يمكنه معظم الأحيان من استمالة طرف على حساب طرف آخر، أو التأثير في القرارات، أو ممارسة «الزكزكة» السياسية ضد هذه الجهة أو تلك.
كما يبدو واضحا أن السنيورة يضع نصب عينيه فرط عقد التحالف الحكومي الطرابلسي، المؤلف من الرئيسين نجيب ميقاتي وعمر كرامي والوزراء محمد الصفدي، أحمد كرامي وفيصل كرامي، بهدف إضعافهم واستفرادهم، خصوصا أن هذا التحالف بات يشكل قلقا حقيقيا لـ«تيار المستقبل» في طرابلس بعد أن بدأ ينسحب على بعض مناطق الشمال، خصوصا في ظل عدم قدرة التيار الأزرق على الإيفاء بأي من الوعود التي قطعها لأنصاره منذ الانتخابات النيابية الماضية، وتخليه عن بعض الكوادر بسبب الأزمة المالية المستمرة التي تعصف بزعيمه سعد الحريري، واستبدال تقديم المساعدات والخدمات بالشحن المذهبي الذي بدأ اللبنانيون يستشعرون خطورته، فضلا عن المتغيرات السياسية محليا وإقليميا.
وفي هذا المجال، لا يتوانى السنيورة مثلا عن أن «يعزم» نفسه إلى مائدة الرئيس عمر كرامي في طرابلس، وأن يسأل خاطر الرئيس نجيب ميقاتي مرات عدة، في سبيل تحقيق رغبته بإقالة المفتي محمد رشيد قباني «تأديباً» له على خروجه عن «الشريعة الزرقاء».
ولم يجد السنيورة وبهية الحريري حرجا في زيارة ميقاتي في السرايا الكبيرة عقب أحداث عبرا لمعالجة تداعياتها، وإن كانت المعلومات تشير الى أنهما تلقيا عتبا كبيرا من سعد الحريري الذي لا يزال يفتش حتى الآن عن ثأره الشخصي من ميقاتي.
لكن في الوقت نفسه تعاون السنيورة، ومن خلفه الحريري، مع الرئيس كرامي والوزير محمد الصفدي في تحقيق مصلحتهما بتجديد ولاية رئيس بلدية طرابلس نادر غزال، وحاولا الإيحاء بتحقيق انتصار سياسي على ميقاتي الذي كان أعلن مسبقا أنه ينأى بنفسه عن التدخل بالشأن البلدي.
وتُظهر الممارسات الزرقاء، التي تطول لائحتها ضمن هذا المضمار، أن «تيار المستقبل» وعلى رأسه السنيورة، بات يشعر بتراجع شعبيته، لكنه يكابر ويعوض عن ذلك بحركة ناشطة باتجاه رؤساء الحكومات وقيادات الطائفة، وذلك في سلوك غير مسبوق. فالتيار الأزرق سعى على مدار وجوده بالحكم لتحقيق أمرين: الأول إلحاق كل القيادات السنية بالمظلة الحريرية، والثاني محاولة إغلاق كل البيوتات السنية المعارضة له.
ولعل يوم الغضب الأزرق على نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي في طرابلس وما تلاه من توترات قضت على مقومات المدينة أمنيا واقتصاديا، كانا أكبر دليل على كيفية تعاطي الحريريين مع من يرفض الدخول تحت عباءتهم.
ولعل التعاطي الايجابي لفؤاد السنيورة مع ميقاتي وكرامي والصفدي اليوم، هو أكبر دليل على محاولته الاستفادة من وجودهم في الحكم لتحقيق مصالح تياره.
ولعل السؤال الأبرز الذي يطرح نفسه هو: لماذا يتعاطى رؤساء الحكومات والقيادات السنية بايجابية مع حركة السنيورة برغم كل ما نالهم منه من إيذاء سياسي؟
تقول مصادر مطلعة على لقاءات رؤساء الحكومات لـ«السفير»: «إن السنيورة بات مكشوفا أمام أصحاب الدولة الذين لا يحتاجون الى أدنى اقتناع بأن رئيس الكتلة الزرقاء يحاول استغلالهم والاستفادة منهم لتحقيق مصالح تياره، ولو حتى على حسابهم الشخصي».
وتؤكد هذه المصادر أن السنيورة سمع كلاما واضحا من الرئيسين ميقاتي وكرامي في اللقاء الذي عقد السبت الفائت في منزل الأخير، بضرورة التوقف عن العبث السياسي، والكف عن لعب دور «المصلحجي»، والجنوح نحو شراكة سنية حقيقية تقوم على التعاون والتنسيق، لا على التضاد والإلغاء، بما يحقق مصلحة الطائفة التي تدفع من العام 2005 ثمن القرارات الفردية والارتجالية.
وبالرغم من الايجابية التي أبداها السنيورة حيال اللغة المستجدة التي سمعها، أيقن المشاركون في اللقاء أن السنيورة لا يمتلك القرار النهائي لجهة موضوع الشراكة، بل ان الأمر كله يعود للرئيس سعد الحريري الغاضب من تخبط قيادات تياره، والمنزعج من خصومه السياسيين في الطائفة، والطامح لحفظ ماء الوجه بعودة الى رئاسة الحكومة تقضي على طموحات فؤاد السنيورة وبهية الحريري على حد سواء.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018