ارشيف من :أخبار لبنانية

توظيف ’بورغاس’ في رصيد أوسلو

توظيف ’بورغاس’ في رصيد أوسلو

جوني منير - صحيفة الجمهورية

إثر انطلاق ما اصطلح على تسميته "الربيع العربي"، ومع اندلاع المواجهات في سوريا، ساد انطباع قوي بأنّ العمل جارٍ لتحضير مسرح الشرق الأوسط لواقع جغرافي جديد.

وصحيح أنّ الديبلوماسيين جهدوا دائماً في السرّ والعلن، لنفي أيّ نيّة للَّعب بالحدود القائمة الآن، إلّا أنّ هذه المخاوف تعزّزت إثر الكلام الصادر عن بعض الدوائر الأوروبية ولا سيّما البريطانية وأخرى روسية، بأنّ اتفاق سايكس - بيكو الشهير الذي رعى تقسيم الشرق الأوسط في بداية القرن الماضي، قد انتهى.
وأمام واقع العراق المجزّأ إلى ثلاثة أقسام، بدا الواقع السوري وكأنّه يتّجه بسرعة إلى فرز المناطق وترتيبها في ظلّ صمت غربي، هو أقرب إلى الموافقة. وإلّا فلماذا سكتت العواصم الكبرى خلال معارك القُصير، وهي المنطقة الاستراتيجية التي تربط الشمال الساحلي لسوريا بالعاصمة دمشق وتسكت خلال المعارك الدائرة الآن في حمص؟ فيما تحرّكت هذه العواصم بقوّة حيال تلويح النظام بعزمه على السيطرة على منطقة حلب؟

 وجاءت الإشارة الأقوى مع إعلان المنطقة الكردية في سوريا عزمها على بدء تطبيق نظام الحكم الذاتي. صحيح أنّ النظام السوري لعب بذكاء لصالح تحقيق مطالب الأكراد لمنعهم من الانحياز للفريق المناهض له، وصحيح أيضاً أنّ أكراد سوريا حصلوا على مساعدات ورعاية أكراد العراق الذين شجّعوهم على هذه الخطوة، إلّا أنّ الصحيح أكثر أنّ أكراد سوريا الذين يحتفظون بعلاقات ممتازة مع واشنطن، ما كانوا لينفّذوا خطوتهم الكبيرة هذه، لولا موافقة أميركية ضمنية، أو على الأقلّ عدم اعتراض أميركي.

لكنّ المصادر الديبلوماسية الأميركية التي تنفي هذا "الاتهام"، تغمز من قناة الإسرائيليين الذين يبدون حماسة لتفكيك سوريا ومعها المنطقة العربية، ما شجّع أكراد سوريا على خطوتهم، ولو أنّ هذه المصادر تنفي تهمة "السكوت" الأميركي، لانشغال واشنطن بالمشاكل الكبيرة والكثيرة على كامل الرقعة العربية.
لكن، ما يهمّ لبنان أكثر في هذا الصدد هو المخاطر الكبيرة التي تُهدّد مستقبله وكيانه. ففيما تدور المعارك العنيفة في المناطق المجاورة لحدوده الشرقية والشمالية، تدور أحداث أخرى، تبدو أكثر أهمّية، في المناطق المجاورة لحدوده الجنوبية. ذلك أنّ وزير الخارجية الأميركي جون كيري نجح لتوّه في إحداث خرق كبير في جدار الملفّ الفلسطيني - الإسرائيلي وأعادَ وفدَي البلدين إلى طاولة المفاوضات.

في الظاهر، تبدو العملية إيجابية، لكن في المضمون تبدو المسائل خطيرة لا بل خطيرة جداً. ذلك أنّ العودة إلى طاولة التفاوض إنّما تحصل في ظلّ حكومة إسرائيلية، "هواها" متشدّد، ما يعني أنّ الحدّ الأدنى الذي قد تقبل به هو أرضية اتفاق أوسلو. وبتعبير مختصر، سيستند هذا التفاوض حتماً على أساس توطين فلسطينيّي الشتات في الأماكن التي ينتشرون فيها الآن، ولبنان يحتضن النسبة المرتفعة منهم.
لا يكفي نَعي الرئيس الفلسطيني محمود عباس لذلك، ليطمئنَّ اللبنانيون، لا بل على العكس، فإنَّ زيارته المفاجئة إلى لبنان وتركيزه على رفض التوطين، يُظهران وكأنّ هناك شيئاً ما يجري إخفاؤه.

وما يؤكّد جدّية مسعى كيري، ما رشح عن وجود قرار بتعيين الخبير مارتن أنديك ممثلاً للولايات المتحدة الأميركية في المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية. ذلك أنّ أنديك الذي عمل سابقاً سفيراً لبلاده في إسرائيل يعمل راهناً نائباً لرئيس "بروكنغز" (Brookings)، وهو مركز الدراسات الأشهر في بلاده والذي لديه مكتبٌ إقليميّ كبير في الدوحة.
ويبدو أنّ أنديك قد استقال من وظيفته التي تعتبر مهمة جداً على المستوى المهني، ليباشر بتحضير ملفّاته حول المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية. ويعتبر أحد الديبلوماسيين أنّ السفير الأميركي ما كان ليستقيل لولا يقينه بأنّ المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية جدّية جدّاً، وأنّ حظوظ نجاحها مرتفعة، وهو الخبير في هذا الشأن.
فحركة "حماس" مثخنة بالجراح مع سقوط راعيها المصري حركة "الأخوان المسلمين"، فيما هي على خصومة مع النظام السوري، وعلى علاقة باردة مع إيران.وفي سوريا، حرب وجود وترتيب جغرافيا جديدة، وإيران غارقة في الوحول السورية وفي أزمتها الاقتصادية وحلفها النووي الثقيل مع الغرب.
وصحيح أنّ "حزب الله" منشغل في الداخل السوري، لكنّ فائض القوّة الذي يتمتع به يسمح له بالإبقاء على قدراته في جنوب لبنان، ما يعني أنّه قادر على العرقلة إذا سنحت له الفرصة. لذلك كان لا بدّ من العمل على شلّ قدراته في الداخل اللبناني، فجاء القرار الأوروبي (المتردّد والحذر) وضع جناحه العسكري على لائحة الإرهاب.

ووفق الثوابت الإسرائيلية، فإنّ القدس هي عاصمة أبدية للدولة اليهودية، ولا عودة لفلسطينيّي الشتات، لا بل تطمح الحكومة الإسرائيلية ضمناً لإخراج غير اليهود من كيان الدولة الإسرائيلية.
وواضحٌ أنّ "حزب الله"، وللأسباب التي يؤمن بها، يعارض بقوّة هذه الثوابت الإسرائيلية، وهو قادر على خربطة أيّ اتفاق في هذا الإطار. أمّا في حال إضعافه ومحاصرته، ستصبح الأمور أسهل. وبدا أحد كبار المسؤولين اللبنانيين مندهشاً حيال توقيت القرار الأوروبي، على رغم المعلومات التي كان يتلقّاها من فرنسا طوال الأشهر الماضية بأنّ ذلك لن يحصل.
وإضافة إلى نصف مليون فلسطيني في لبنان، هناك مليون ومئتا ألف نازح سوري. وفي حال تفاءَلنا واستقرَّ العدد هنا فقط، ووسط مشاريع تغيير الخارطة الجغرافية في الشرق الأوسط، تصبح النتيجة على لبنان واضحة ومرعبة.
وتروي مصادر مُطّلعة أنّ الفاتيكان، ومع وصول البابا فرنسيس إلى سدّة المسؤولية، أرسل بصورة عاجلة كتاباً إلى واشنطن يلفت فيه الانتباه إلى واقع النازحين السوريين في لبنان، وأنّ ذلك يشكّل أولويّة مُلحّة للفاتيكان، مع التذكير بمسؤولية واشنطن المباشرة بنزوح المسيحيّين من العراق.
وعوض أن يبحث النقاش الداخلي اللبناني في خلفيات القرار الأوروبي، ارتفع السجال على أساس سطحية الانقسام الداخلي من دون أيّ استشراف لمستقبل الأوضاع. تماماً كما تعاطى بعض "البسطاء" من رموز "14 آذار" حين نَعتوا الذين طالبوا بضبط الحدود أمام النازحين السوريين بالعنصريّين، وانظروا إلى أين وصلنا.
قد يكون الأجدر ربط "الجناح العسكري" لـ"حزب الله" بمنع التوطين وحلّ قضية النازحين السوريين بالكامل، بدلاً من "لحس المبرد" والانخراط في حملة تبدو أهدافها مبهمة، فيما عملية إعادة ترتيب كيانات المنطقة قائمة وناشطة.
 
2013-07-29