ارشيف من :أخبار لبنانية

مصر تقود الثورة على الإسلام «الإخواني»

مصر تقود الثورة على الإسلام «الإخواني»
عصام نعمان - صحيفة البناء
 
الربيع العربي لم يكن عربياً. كان ربيعاً إسلامياً بل كان تحديداً ربيع الإسلام السياسي.
في ربيع الإسلام السياسي صَعَدَ الإخوان المسلمون في تونس ثم في مصر الى الصدارة صدارة المجتمع السياسي ومن ثم صدارة السلطة السياسية. الصعود الى السلطة تمّ بسرعة قياسية. لهذه الظاهرة أسباب عدّة أبرزها: التنظيم اللافت الذي يتمتع به الإخوان المسلمون في مصر وفي تونس حركة النهضة تعاونُ الجيش مع «الإخوان» بادئ الأمر في مصر ووقوفه على الحياد إزاء الإسلاميين عامةً و»حركة النهضة» خاصةً في تونس وتقبّل الولايات المتحدة لتيار الإخوان المسلمين والتهيؤ لاعتماده أساساً لأنظمة سياسية بديلة على مستوى المنطقة.

كرّس الإخوان المسلمون استيلاءهم على السلطة بفوزهم في الإنتخابات البرلمانية في تونس والإنتخابات الرئاسية في مصر. في كلا البلدين حاول «الإخوان» إرساء قاعدة للشرعية السياسية محورها صندوقة الإقتراع بما هي في ظنهم الشرعية الديمقراطية.
في التفكير والتدبير ثمة فارق كبير بين شرعية صندوقة الإقتراع والشرعية الديمقراطية. فشرعية الصندوقة تنطوي في الواقع على مفهومِ حاكمية الله من خلال سلطة يقودها ويمارسها باسم الشريعة العلماء وشيوخ الدين اي قادة الإخوان المسلمين أنفسهم. في المقابل تعني الشرعية الديمقراطية حاكمية الشعب من خلال انتخابات حرة نزيهة تُفرز أكثريةً وأقلية تمارسان السلطة أو المعارضة في إطار دستورٍ يكون قد جرى إقراره بإرادة غالبية الشعب.
الإستيلاء المبكر للاخوان المسلمين على السلطة في مصر أثار كل القوى غير الإسلامية المعادية كما القوات المسلحة. ذلك أن هؤلاء جميعاً لمسوا في ممارسة «الإخوان» أمرين خطيرين: وضع اليد على مفاصل الدولة ومحاولة إقصاء المنافسين عن المجتمع السياسي.

في تونس أثار استيلاء الإخوان المسلمين حركة النهضة على السلطة كل القوى غير الإسلامية لكنه لم يُثر الجيش... بعد.
لعل نقطة التحّول الفاصلة في علاقة الجيش المصري مع «الإخوان» تمثلت في شروع «الإخوان» بوضع أيديهم بصورة منهجية على مفاصل رئيسة في «الدولة العميقة» الأمرالذي أثار الجيش. فالقوات المسلحة كانت دائماً محور الدولة العميقة ومسيّرُها وتبدو مصممة على الإحتفاظ بهذا الإمتياز.
نقطة التحوّل الفاصلة بين الإسلاميين وغير الإسلاميين في تونس تمثلت في اغتيال زعيم التيار الشعبي النائب محمد البراهمي في رابعة النهار أمام منزله تماماً كما تمّ قبله اغتيال القائد اليساري شكري بلعيد.
في يوم الجمعة 26 يوليو تفجّر الصراع ميدانياً في مصر وتونس. إنها جمعة دمغ الإخوان المسلمين بالإرهاب والاستحصال على تفويض شعبي بمواجهتهم وإقصائهم نهائياً عن السلطة. في ذلك اليوم الرمضاني الساخن بدأ خريف الإسلام «الإخواني» في مصر وربما في سائر انحاء عالم العرب.
ظاهر الحال ولا سيما مرأى الحشود الشعبية المليونية يشير الى ان قادة الجيش وجبهة الإنقاذ وثوار 30 يونيو في مصر وقادة المعارضة الشعبية والديمقراطية في تونس قد استحصلوا من الشعب على التفويض المطلوب لإقصاء «الإخوان» تحت يافطة اتهامهم بالإرهاب الأسود.
ماذا بعد؟ هل هي الحرب الاهلية؟

لعل الحرب بدأت في سيناء غداة انتخاب الرئيس محمد مرسي وتصاعدت بعد إقصائه.
الأرجح أن الإضطرابات الامنية ستتفاقم في شـوارع مدن مصر الكبرى وخصوصاً اذا ما ردَّ الإخوان المسلمون على اتهام مرسي بارتكاب جرائم خطيرة ومشينة باللجوء الى العنف ضد الجيش وقوى الأمن ومؤيدي جبهة الإنقاذ وثوار 30 يونيو.
حتى لو ثابر الإخوان المسلمون على الإنكار إنكار وقوف غالبية الشعب الساحقة ضدهم والى جانب القوات المسلحة وجبهة الإنقاذ وحلفائها ومثابرتهم على عدم الإقرار بأن صفحة مرسي قد طويت ومعها سلطتهم الشمولية فإن ذلك كافٍ بحد ذاته لإطلاق حال من الاضطراب السياسي والأمني تدوم شهوراً وربما سنوات.
اضطرابات سياسية وأمنية مشابهة اندلعت في تونس بسبب تمسك حركة النهضة العنيد بنظامٍ إسلاموي ما عادت غالبية التونسيين قادرة على احتماله او التعامل معه.
باختصار تشهد مصر كبرى دول العرب ثورةً شعبية ضد الإسلام السياسي ولا سيما ضد جماعة الإخوان المسلمين بشتى تلاوينها. الثورة تقودها القوات المسلحة مدعومةً بالقوى غير الإسلامية من ناصريين وليبراليين ويساريين. وهي ثورة محورها الأساس في مصر إنما لها مناصرون ومقلّدون ومريدون وشركاء ميدانيون في تونس وليبيا وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين.

اين تقف الولايات المتحدة مما جرى ويجري؟

أميركا محرجة. كانت راهنت على الإسلام السياسي ولاسيما على الإخوان المسلمين لكن التصادم بين «الإخوان» والجيش أقلقها وصعّب عليها مهمة الإختيار بين فريقين كلاهما صديق. هذا قادها الى التزام الحياد الايجابي بين الجيش و»الإخوان». في هذا السياق طلبت من حلفائها الاوروبيين ان يشاطروها موقف مطالبة الجيش المصري وحلفائه بالإفراج عن مرسي والترفّق بأنصاره من الإخوان المسلمين. لكنها شجعت اصدقاءها الخليجيين على دعم الحكم الجديد في القاهرة بمليارات الدولارات. هكذا تبدو وكأنها تقول لنفسها: «أيتها السحابة امطري أنّى شئت فخَراجُكِ سيُجْبَى إلي»!
الى أين من هنا؟

ثمة احتمالات ثلاثة تلوح في أفق المشهد السياسي:
أولاها ان يتحوّل الصراع من فتنة سنية شيعية على مستوى المنطقة الى صراع بين قوى الإسلام السياسي وفي مقدمها الإخوان المسلمون من جهة والقوى غير الإسلامية وفي مقدمها الناصريون واليساريون والليبراليون من جهة أخرى.
ثانيها أن يعود الصراع الإقليمي من حاضرٍ ظاهرُهُ صراعٌ بين العرب وإيران الى صراعٍ بين العرب و»إسرائيل» كما كان في النصف الثاني من القرن الماضي.
ثالثها أن تعود قوى الناصرية واليسار الى الصعود بعد انحسارٍ بدأ عقب هزيمة 1967 وأن تتحد لمواجهة احتمال عودة العسكر الى الانفراد بالسلطة.
التحديات كثيرة وكذلك التداعيات. لكن فرص المواجهة تتزايد كذلك التصميم على اغتنامها.
... والصراع مستمر.  

 



 





 
2013-07-29