ارشيف من :أخبار لبنانية
كلمات سيئة السمعة
صحيفة "السفير"- نصري الصايغ
وطن ممتلئ بالكلمات، لغته بضاعة من شتات المفاهيم، موضّبة لاستعمالات متعددة ومتناقضة، تجري على ألسنة تلوك المواقف بصيغة الجزم، تتبناها ماكينات سياسية تفتي بالشيء وضده، وينطبق على مستوى النفاق فيها، ما قاله شاعر: «تمحو الشفة السفلى ما تقوله الشفة العليا». وطن بأزياء من شعارات نحتت على رمل السياسة. تصلح لكل موجة تتقدم، وتنحسر مع كل جزر يتراجع. ثابتة في كل تحولاتها، تشبه النشيد الوطني الذي ترفرف كلماته في احتفالات الخنادق، أو، (معاذ التشبيه)، تشبه فيروز في زمن الحرب، فهي على كل إذاعة وشاشة.
وطن من كلمات سيئة السمعة. سيرتها من «جنس عاطل». كأن تقول مثلا: «الوحدة الوطنية»، وتشدّد عليها، وتضعها: «أولا». وسيرة هذه الوحدة، تشي بأنها من نوع الزنى الطائفي، السري والعلني. «الوحدة الوطنية»، تدل مباشرة على ما هو أسوأ سمعة «كالعيش المشترك»، فهذه، في معناها الحقيقي، العيش معا بالضد، أو العيش معا، «واحد فوق وواحد تحت»، أو العيش معا، في مناطق محددة: «هذه لك، وهذه لي». وتفضي «الوحدة الوطنية والعيش المشترك» إلى مقولة... (عيب استعمال مفردة مقولة فلسفية في هذا المستوى من الانحطاط الكلامي)... إلى مقولة «التعددية الثقافية والحضارية»، فالمعنى الحقيقي لهذه التعددية، هو «الجهل المتبادل» حتى العداء، فلا أحد يعرف أحدا، لا مذهبا، ولا دينا، ولا طائفة، ولا عنصراً. واذا تجرأ أحد وتعرّف اختار «سقط المتاع».
ولأن لبنان بلد ديموقراطي، فإن الاحتفاء انتخابيا، بهذه الديموقراطية يظهر أن ديموقراطية لبنان سيئة السمعة. طبعا، هي أفضل من كل الدكتاتوريات ولكنها من جهة أخرى، أفظع من كل الديموقراطيات.
وطن ديموقراطي، مع بذخ في تكريم «العائلات السياسية»: (لا تعريف لهذا المصطلح إلا في لبنان)، و«العائلات السياسية»، المالكة منذ ما يقارب القرون، والمتجددة بالتناسل، عبر الفراش الزوجي الشرعي، تعيش جنبا إلى جنب مع «العائلات الروحية». وهذه الأخيرة، تسمية ملطفة للطبقيات الطائفية. اذ لا روح فيها، غير روح الطائفية الثقيلة، والطقوس الملتبسة، الموصلة الى جهنم السياسة.
وتقودنا الديموقراطية، الى حرية الانتخابات. فظيع كم أن اللغة في لبنان لينة العريكة: «حرية الانتخابات»!.. التزوير الانتخابي هو القاعدة، قانونا ولوائح وأموالا ودولا وطوائف ومخاتير ومزعبرين، هو القاعدة، والصدق صديق الفاشلين الهامشيين.
أما الحرية، فلم يتشرّف لبنان إلا بمنحها معمودية الطائفية. كل طائفة حرة بذاتها، لها دولتها أو دويلتها أو حصتها في كل شيء. لا حرية خارج الطوائفيات. ومن شبّه له بأنه حر، فسيدرك عندما يستيقظ من غيبوبة الشبهة، انه طالق من الوطن. ألا نرى ان كل طائفة تحمي «مزعبريها»، وتضع نفسها فوق القانون؟ الحرية المتاحة، هي حرية الاقتصاد، حيث لم يبق إلا القلة من شباب لبنان. إذ تحوّل الوطن الى رصيف يودع... وقلما يستقبل، غير السياح من أبنائه.
أما «بناء الدولة»، فيا حرام. انه شعار الشعارات، في «هذه المرحلة المصيرية من تاريخ أمتنا». لا صوت يعلو فوق صوت «بناء الدولة». وان حملة هذا الشعار، ليسوا سوى من أقدم، منذ ما قبل ولادته، على تدمير الدولة.
أخيرا... يضاف الى هذه اللائحة، العلمانيون. هم علمانيون بصيغة طائفية. يصوتون وفق قانون طائفي، لمرشحين عن طوائفهم، وتلذ لهم الإقامة السياسية في أحضان الطوائف، هنا وهناك وبين بين.
من سمع منكم صوتا علمانيا، لا طائفيا، في هذه الانتخابات، فليرجمني بمقال أو... بحجر.
بلد يكاد، لولا مقاوموه وناسه الطيبون ورجاله الميأسون ونساؤه المحبطات وطلابه المتفوقون، أن يكون «وطناً سيئ السمعة». بلد، يكاد «المواطن الحقيقي فيه»، مياوماً. يحتاج كل يوم، الى طاقة من الصبر والاحتمال والإبداع، ليجد لغة من جنس «حسن السمعة».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018