ارشيف من :أخبار لبنانية

«العيدية» في طرابلس: هدنة مستمرة أم معركة؟

«العيدية» في طرابلس: هدنة مستمرة أم معركة؟
رضوان مرتضى - صحيفة الأخبار

يُثير هدوء طرابلس السياسي ظاهرياً الارتياب. وفي ظل الهمس عن إعادة تموضع بعض القيادات الأمنية لرسم خريطة جديدة للعاصمة الشمالية، تضيع البوصلة بين قائلٍ إنه جمرٌ تحت الرماد ومتحدثٍ عن «هدنة الشهر الفضيل»

لم تُغلّ الشياطين وحدها في شهر رمضان (بحسب الحديث النبوي)، بل غُلّت أيضاً بنادق قادة المحاور والمسلحين في باب التبّانة وجبل محسن أيضاً. وخلال الأسابيع الماضية، عاشت عاصمة الشمال هدوءاً غير مسبوق على مستوى «الأمن السياسي»، فجاءت جميع الإشكالات الأمنية التي شهدتها المدينة فرديةً وجنائية لا تحمل بُعداً سياسياً. ورغم ذلك، لا يزال يُثقل كاهل أهل المدينة عبء الهاجس الأمني، الذي عززه وقف الرئيس ميقاتي خيم الإفطار الرمضانية للفقراء لـ«الضرورات الأمنية»، واستبدالها بـ«حُلل طعام» وسيارات جوّالة توزّع الإفطار على المحتاجين في الشوارع والأحياء. هكذا غابت طرابلس مؤقتاً عن الساحة السياسية، وانكفأت أخبار ساستها وقادة المحاور فيها إلى أجل مسمى، فتقدم الوضع المعيشي الصعب للمدينة على ما عداها من أحداث. أذهب مسلحو طرابلس تاريخ المدينة مع شهر رمضان، فلم يبق له أثر. رمضان الذي كان يُعدّ موسماً سياحياً في طرابلس، بدا قاتماً هذا العام رغم الهدوء الذي تعيشه المدينة. وسط ذلك، برز سياسياً «حدث» محلي استوقف كثيرين، تمثّل بحصول أكثر من لقاء بين مدير مكتب الرئيس نجيب ميقاتي الخدماتي، رامي الرفاعي، والعقيد المتقاعد عميد حمود، الذي يُعَدّ المسؤول العسكري في تيار المستقبل. اللقاء الذي تكرر على مأدبة إفطار وسحور في حضور قادة محاور باب التبّانة، حمل مجموعة تساؤلات عن غايته؛ إذ تردد بداية أن حمود فكّ حلفه مع تيار المستقبل، والتحق بركب مدير مكتب ميقاتي.

لم يكن ذلك التحليل الوحيد الذي رافق هذه اللقاءات؛ إذ ذُكر أيضاً أن خوف الرجلين أحدهما من الآخر دفعهما إلى الجلوس معاً لترتيب أمورهما من أجل هدنة ستعيش حتى حين. إلا أن مصادر مطلعة كشفت أن اللقاء الأول كان لفضّ خلاف وقع بين اثنين من قادة المجموعات المسلحة: سعد المصري المحسوب على ميقاتي، وعماد الرز الذي سلّمه حمود المجموعات التابعة له في باب التبّانة. وتؤكد المصادر أن حمود لا يزال مرتبطاً عضوياً بتيار المستقبل، وأنه يعمل حالياً لحساب اللواء المتقاعد أشرف ريفي. وبين هذا الاحتمال وذاك، نفى مقربون من الرفاعي لـ«الأخبار» أن يكون حمود قد انضم إلى فريق «الحاج رامي» وترك المستقبل، مشيرة إلى أن هذه الاجتماعات هدفها تقريب وجهات النظر والحفاظ على الهدوء والأمن في المدينة.

ورأت الأوساط المذكورة أن هذه الاجتماعات أثمرت، بدليل أن الأحداث الأمنية متوقّفة منذ مدة. أما بشأن الإفطارات الرمضانية، فأكّدت أن كمية الطعام التي تُقدم هذا العام أكبر من سابقاتها، مشيرة إلى أن أسلوب التقديم تبدّل لضرورات أمنية. وكشفت الأوساط نفسها أن طريقة تقديم «كسوة العيد» ستختلف هذا العام أيضاً؛ فبدل توزيعها على المحتاجين من أبناء المدينة، سيُدفع هؤلاء إلى الأسواق لاختيار ما يحتاجون. وتأتي هذه الخطوة في سياق خطة لتحريك الأسواق الراكدة في المدينة.

وفي السياق السياسي، رأت شخصية ناشطة على الساحة الطرابلسية أن «البعد يكاد يكون معدوماً بين جماعتي المستقبل وميقاتي؛ لأنه بالكاد هناك خيط رفيع بينهما»، لافتة إلى أن ذلك يظهر في أسلوب الصراع وأدواته التي يستخدمها الطرفان. أما وقف الخيم الرمضانية، فوضعته الشخصية نفسها في سياق مشروع «تجويع الشارع الطرابلسي» بانتظار أمر عمليات ما. كذلك رأت شخصيات مناوئة لحمود والرفاعي أن «ضربة الأسير أوجدت نوعاً من الوهرة في طرابلس»، إلا أنها رأت أن ذلك لا يعني توقّف كافة المظاهر الأمنية، كاشفة أنه منذ يومين خرجت في وقت السحور سيارة مجهولة يستقلّها مسلّحون بدأت تُطلق النار عشوائياً في الهواء قرب محلة الضم والفرز. إزاء ذلك، تتراجع الفرضية التي تُروّج لإعادة رسم خريطة جديدة لشكل الصراع السياسي في العاصمة الشمالية، فتحل محلها فرضية الهدنة، باعتبار غير جهة سياسية وغير سياسية مناوئة لـ«محور المقاومة» تُروج لـ«عركة» تراها حتمية فور انتهاء شهر رمضان.

في موازاة ذلك، تحدثت أوساط قوى 8 آذار في طرابلس عن ملاحظتها قطيعة أو انقطاعاً في العلاقة بين تيار المستقبل والمجموعات الإسلامية السلفية في طرابلس. ورجّحت الأوساط المذكورة أن يكون مرد هذه القطيعة محاولة لإعادة تعويم سعد الحريري، مستندة إلى تصريحات الرئيس نبيه بري بشأن عودة سعد الحريري وإمكانية توليه رئاسة الحكومة. وفي السياق نفسه، تتخوّف أوساط الحزب العربي الديموقراطي من «عيدية» تتمثل بفتح هجوم على جبل محسن شبيه بذلك الذي حصل في العام الماضي فور انتهاء شهر رمضان الذي ساده الهدوء.

جبل محسن ــ التبّانة ــ القصير

يسود هدوء حذر على محور جبل محسن - باب التبّانة منذ عدة أسابيع. فبعد جولة الاشتباكات الأخيرة، التزم الطرفان التهدئة. ولم يسجل أي خرق لهذه الهدنة، باستثناء المفرقعات النارية التي تُستخدم بين الحين والآخر. وفي هذا السياق، وضعت مصادر متابعة لمسار الصراع المتجدد بين الجبل والتبانة الهدنة في خانة تسوية تتخطى طرابلس. ترتبط بانكفاء القطريين عن الملف السوري، وترتكز على تبعات معركة القصير والاتفاق الذي تلاها بشأن إدخال الجرحى السوريين إلى لبنان، مقابل التعهّد بوقف القتال على الجبهة الشمالية بين الجبل والتبّانة.
2013-08-01