ارشيف من :أخبار لبنانية

انطق تتحرّر ..

انطق تتحرّر ..
الفضل شلق-"السفير"

في زمن الاستبداد تضطر إلى الصمت. تتحدث مع نفسك وحسب. يحبس عليك القمع أنفاسك. تلجأ إلى التماسك النفسي بواسطة مصدر خارجي، أو نص مقدس، أو طقس ديني. تشك بنفسك. تحتاج إلى مرجعية خارجية غالباً ما تكون دينية توازي المرجعية الخارجية التي يضطرك إليها الاستبداد والقمع والظلم، وما يستتبع ذلك من إرهاب. تفقد توازنك دون ذلك. ما يُفرض عليك يعوّدك على السخرية. ما هو أسوأ من السخرية هو فقدان الاعتبار للذات. يحيلك الاستبداد إلى جسد بلا روح. الروح خارج الجسد. لا بد من التفكير خارج الذات. الأفكار المتداولة تحتقر العقل. عليك أن تتلقى الأفكار المتداولة وتعيدها وتكررها من دون أن يكون لك رأي فيها. كل رأي موقف، أو تعبير عن مُضمر ذاتي مخالف لما هو سائد ومفروض ومعمم. لا خصوصية أو فردية. يحال الأشخاص إلى نسخ عن بعضهم البعض. النموذج يقرره آخرون. لا شأن لك إلا أن تستبطن الآخر في ذاتك. تفقد الذات عيانيتها. كل ما هو عياني وفردي يُستنبط من مثال أعلى (أو أدنى)؛ من مبدأ لكل ما هو موجود. البداية تقرر كل ما يليها من سلسلة أفعال وأحداث. البداية تقرر النهاية. لا تطور. الاستبداد هو البداية والنهاية.

الحرية وضعية أخرى. تمارسها بأن تنبع الأفكار من ذاتك. لا تضطر إلى الصمت أنت تفكر وتنطق. النطق هو ما يجعلك حراً. تنطق وتتكلم؛ تتفوّه بأفكار؛ والأفكار تجر الأفكار. عندما تنطق تصير الأفكار علنية. وهي سواء عبّرت عما يجول في خاطرك، أم لا، فأنت تحتاج إلى متابعتها والدفاع عنها. تضطر للحوار والنقاش. في الحوار آلية دفاعية. تدافع عن نفسك ولا تستسلم كما مع الاستبداد. تضطر إلى الغوص في أعماق ذاتك كي تدافع عما نطقت به. هذا هو الضمير. الضمير هو أنت في مواجهة نفسك، هو فرديتك. أنت الذي تقرر ما يجب التفكير به، ومن أجل ماذا تفكر. تتحطم المرجعية الخارجية، سواء كانت استبدادية سياسية أو عسكرية أو دينية. تحال مرجعيتك إلى شأن داخلي خاص بك. يجرك القلق إلى التطابق مع ذاتك، يزول الانفصام النفسي الذي يؤدي إليه الاستبداد.

لم يفهم الإسلام السياسي أن العرب ناطقون، أو صاروا ناطقين؛ وأن لغتهم العربية تجعلهم غير محتاجين إلى من يترجم لهم النصوص المقدسة التأسيسية. فَهِمَ العرب معنى «اقرأ» على أنه أنطق. اقرأ ما في السماوات وانطق بما في نفسك كي تعبّر عن ضميرك بذلك. يعود الضمير حياً. إما أن تكون مرجعية التفكير خارجية فيستعصي الفهم ويتوقف التطور، وإما أن تكون المرجعية في الضمير، صادرة عنه، فيكون الفهم محفزاً للتطور.

قبل النطق، في زمن الاستبداد، كنا أجساداً متعددة وروحاً واحدة، روحاً تمليها السلطة. مع النطق صرنا أرواحاً بقدر عدد أجسادنا. صرنا متعددين. عادت إلى كل منا فرديته. صرنا أحراراً. صار النطق تعبيراً عن هذه الحرية. نقول كلاماً يعبّر عما في ضميرنا. عودة الضمير الفردي هي الفرق بين الاستبداد والحرية. النطق يُخرج الأفكار للعلانية. لا حرية دون علانية. كل ما هو مستقر يدعو إلى الخجل. نستر ما نخجل منه أو عليه. كان الرأي عورة والتفكير عورة. مع الحرية امتلأ عالمنا شرفاً.
يفرض الاستبداد يقيناً دائماً. تولّد الحرية شكاً دائماً. يجدد الاستبداد إنتاج نفسه، فننتقل من اليقين السياسي إلى اليقين الديني في أيام الإسلام السياسي. خطاب المسلمات والبديهيات هو كل العدة الفكرية للاستبداد السياسي ووريثه الإسلام السياسي. خطاب التساؤل والظن وتوفير المسلّمات والبديهيات هو طريق الحرية.
«اقرأ» تعبير فهمه العرب «انطق». بما في نفسك؛ كن ذاتك، استمد أفكارك من روحك؛ لا تعتمد على مرجعية خارجية، لا تدع الآخرين يفكرون عنك.
هي ثورة في أعماق المجتمع؛ في أعماق الذات العربية. هي ثورة تحفر فيها أعمق من المؤسسات وتدمر البنى الإيديولوجية السائدة.
2013-08-02