ارشيف من :أخبار لبنانية

أين هي القدس يا عرب؟

 أين هي القدس يا عرب؟
أن تعيش في بلد غير بلدك يعني أنك على غير يقين من المستقبل. حقيقة توجز بها الفلسطينية دانا بركات تجربة الغربة واللجوء. فالتهجير كان قدر الفتاة العشرينية التي تعيش في دبي قسراً، لا لذنب اقترفته، بل لأنها فلسطينية صاحبة حق تآمر عليه العالم المتخاذل. لم يُقدر لدانا العيش في أحلى الأوطان. لم يقدر لها أن تصلي متى تشاء في القدس. فالعدو لا يترك مناسبة إلاّ ويضيق فيها الخناق على الفلسطينيين.

تحبس دانا في فمها الكثير من الماء. تُدرك ان القضية ملّت شعارات وخطابات واهية. بُعدها عن القدس يُشعرها بقلق دائم لا تعلم إلى أين سينتهي بها. بنظرها على الدول العربية الاتحاد لإنقاذ فلسطين. لا بد من أن يجد الفلسطيني في زحمة الأجندات العربية مكاناً له بين السطور. هذا الفلسطيني الذي يرزح تحت القهر والحرب والفقر منذ 65 عاما وحتى يومنا هذا لا بد من وقفة ضمير تسانده على قدر المستطاع.

 سنوات ظلماء مرت على أولى القبلتين وثالث الحرمين. سنوات لم تكن كفيلة بإسقاطها من الذاكرة. لكنها سقطت عمداً من حسابات العرب. السعودية بأمرائها مشغولة بمشاريعها الفتنوية الاقليمية الخاصة. قطر شحذت كل طاقاتها لخوض حرب مفتوحة ضد سوريا. أرض الكنانة غارقة في فوضى صراع المملكة والإمارة. البحرين تفرغت لممارسة سياسة "الجلاد" مع شعبها. الأردن مشغولة بترتيب أوضاعها الداخلية الهشة. تركيا دولة إسلامية سلخت عن ملامحها كل ما هو إسلامي، منخرطة في مشاريع أعدتها المطابخ الصهيو-أميركية. فلم تجد القدس الحزينة سوى سوريا للدفاع عنها. هذه الأخيرة التي باتت على رأس أجندات الدول المذكورة آنفاً، والمطلوب إحكام "أخطبوط العدو" على القدس. والسبيل تقديم رقبة المقاومة على مذبح التخاذل.

القدس عربية. يتغنى بعروبتها الكثيرون كما لو كانت حكراً عليهم. وفي لحظة التغني والتمجيد يتناسون حق القدس علينا. أما إيران الدولة "الفارسية" كما يحلو للبعض مناداتها فلم تغب القدس عن يومياتها، سكنت في خطاباتها، أضحت مشروعها الأساسي، "شغلها الشاغل" حمايتها والذود عنها. ولم تشغل قضية ذلك الحيّز في وجدان قائد الثورة الإيرانية الإمام الخميني (قدس) واهتماماته كالذي شغلته قضية القدس. يمّم الإمام وجهه شطر المسجد الأقصى ورماه بوعده الجبّار. سيتحرر ولو بعد حين. خصّص للقدس وقفة ضمير، أعلن الجمعة الاخيرة من شهر رمضان يوماً عالمياً لها، علّ الضمائر النائمة تصحو من غفوتها.

ضاعت القدس في دهاليز التآمر العربية وضاع معها أبناؤها "المهجرون" الذين يعيشون يومياتهم بعيداً عن أرض الأنبياء. يحنون لكنائسها وشوراعها، يستذكرون أسواقها، أبوابها، أزقتها. لا يمر يوم يمكن أن تسقط فيه القدس من ذاكرة أبناء فلسطين. من عايشها يعلم بحق أنها مجد فلسطين وتراثها الحي. ومن لم يعايشها يتقاسم مع أجداده أحلى الحكايات. القدس أرض الإسراء والمعراج. تلك البقعة المقدسة من الأرض، يعز على أبناء فلسطين العيش بعيداً عنها.

هذا حال العرب. أما دانا الفلسطينية فيعز عليها أن تحتفل بيوم القدس بعيدة عنه، فهي  لا تغفل عن زهرة المدائن وتحرص بين الفينة والأخرى على زيارتها. تقول" أنا واحدة من القلائل المحظوظين الذين يستطيعون زيارة فلسطين". في قلب دانا أمنية تكاد لا تفارقها: تحرير القدس وفلسطين بأسرها من رجس الصهاينة. تضيف بغصة "لهذا البلد الحق في أن ينعم بالسلام كما جميع الدول والشعوب. له الحق في أن ينعم بالأمان والعافية بعيداً عن القتل والتدمير".

القدس في قلب دانا مكانة لا تتحدد بالانشغالات. ثابتة يوافقها عليها الكاتب والمفكر الفلسطيني تيسير الخطيب. بنظره مكانة القدس تتحدد من خلال موقعيتها في ضميرنا وديننا. وما يحدث الآن على الساحة العربية والإسلامية قد أبعد الناس عن الاهتمام بقضية القدس. أصبحت وحيدة محاصرة بالاستيطان والتمييز العنصري والاحتلال. أضحت أولى الأولويات ضمن الخطة الصهيونية. وكأنها يُراد لها أن تكون مدينة يهودية وليس مدينة السلام التي تجمع في أكنافها جميع الأديان السماوية.

الليالي والأيام الحزينة التي تعيشها القدس لا يمكن أن تحطم مكانتها في ضمائرنا. يقول الخطيب "لا زال أهلها فيها يعانون، ولا زال حولها وفي أكنافها الملايين من المسلمين الذين يعتبرون القدس قضيتهم المركزية وفلسطين قبلتهم الأولى"، إلاّ انه يشير الى أن بعض الشعوب العربية لا يسمح لها أن تتفاعل مع قضية القدس لأن هذا التفاعل سيكشف تخاذل الأنظمة التي تعيش في ظلها. ومن أجل ذلك يتم التعتيم على قضية القدس لأنها تفضح كل هذا الخراب الموجود داخل العالم العربي.

 أين هي القدس يا عرب؟

أرض الإسراء والمعراج تُركت في ريعان صباها للعدو. يُعرج الخطيب على تخاذل الأنظمة العربية تجاه الأقصى، تلك الدول التي لا تعير اهتماماً للقدس. الممالك والإمارات شغل حكامها الشاغل. يبيعون الغالي والنفيس في سبيل استمرار حكمهم. لا يتوانون عن مقايضة القدس بملكهم للحفاظ عليه. يستغرب الخطيب اللقب الذي يُطلق على ملك السعودية "خادم الحرمين الشريفين"، يقول" هذا الملك يتنكر للحرم الثالث، هنا تبدو المفارقة والتضليل السياسي والفكري والإعلامي".

يمر يوم القدس العالمي هذا العام وزهرة المدائن تتعرض لأخطر حملة تهويد في ظل خذلان عربي وقصور فلسطيني. يشدد الخطيب على ان هناك خطة واضحة وكبيرة يراد من خلالها تهويد القدس وتهويد عموم فلسطين. مشهد التهويد يتكرر من خلال حادثة الانقسام في الساحة الفلسطينية، في ظل عربدة وهيمنة اسرائيلية وتأييد اميركي. لا يريد الخطيب ان يلقي باللائمة على العدو وواشنطن فقط. يجب ان نلوم أنفسنا إسلامياً. الشعوب العربية ابتعدت عن قضية القدس على صعيد التفاعل المادي وليس المعنوي. الأنظمة العربية ابتعدت عن القدس مادياً ومعنوياً من أجل مصالحها.

يقول الخطيب: "يتزامن يوم القدس مع عودة ما يسمونه بمفاوضات السلام الفلسطينية-"الإسرائيلية". محادثات أثبتت تجربة الأعوام العشرين الماضية أنها لا تغني ولا تسمن من جوع". معتبراً أنه من المعيب جداً الذهاب الى المفاوضات وسط استمرار عمليات الاستيطان. ويسأل: "أين الضمانات مع عدو تاريخه مفعم بالغدر؟". ما يحدث بنظر الخطيب مريب. هناك حالة من التنازل للعدو والقبول باملاءاته.

 احتُلت القدس مرات على مدى التاريخ. هجر أهلها. دمرت منازلها. تعرضت حاراتها ومآذنها وبيوتها لشتى أنواع الاعتداءات. إلا أن سنن الله وإرادة الشعوب أثبتت أن بيت المقدس لا يمكن أن يكون رهينة. فكما صدق وعد الله مع القدس، مرة جديدة سيكون وعد الله مفعولا.
2013-08-02