ارشيف من :أخبار لبنانية
رئيس الجمهورية - حزب الله: حوار في العلن
غسان جواد - صحيفة الجمهورية
بين كلام رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في مناسبة «عيد الجيش»، وكلام الأمين العام لـ«حزب الله» السيّد حسن نصرالله في «يوم القدس»، تنقشع الصورة بشكل أوضح.
المواقف التي أطلقها الرجلان تُعبّر عن تفاوت في الأولويات، واختلاف في الرؤية إلى لبنان والمنطقة والصراع الدائر حولنا واستهدافاته. لكنّ التباعد في الرؤى لا يعني الصدام، ولا انتقال الخلاف إلى مرحلة اللاعودة.
من حقّ رئيس الجمهورية الإدلاء بما يراه مناسباً حول مجمل الملفّات المطروحة. وانتقاده "حزب الله" في مسألة "القتال في سوريا"، جزء من الكلام وليس الكلام كلّه. ثمّة مَن غاب عن باله، أنّ نصرالله كان قد دعا في إحدى خطبه الرمضانية إلى العودة للحوار، مبدياً استعداد الحزب تلبية دعوة الرئيس إلى مناقشة الاستراتيجية الدفاعية بلا شروط مسبقة. وما لم يُرد البعض سماعه في خطاب سليمان، تجديده الدعوة إلى الحوار، للبحث في الاستراتيجية الدفاعية نفسها التي أبدى "حزب الله" استعداده لنقاشها.
من المؤكّد أنّ الحزب ليس في وارد الردّ مباشرة على كلام الرئيس، وهو يعطيه أبعاده في السياسة المحلية اللبنانية، وفي سياقاتها المعقّدة تمديداً وترميماً، وما يجب أن يصل للرئيس من مواقف الحزب "الرسمية"، سيصله حتماً عبر قنوات الاتصال المفتوحة ناهيك عن قرب المسافة بين بعبدا وحارة حريك.
وإذا كان رئيس الجمهورية يرى أنّ "تغييراً" طرأ على المهمة الاستراتيجية للمقاومة، فإنّ خطاب نصرالله في "يوم القدس" أمس، أوضح هذا التغيير ووضعه في سياق مواجهة إسرائيل والتكفيريين على مستوى المنطقة. وإذا كان الكلام من باب الحرص على لبنان واستقراره، فليس أوضح من قول نصرالله: زوال إسرائيل مصلحة وطنية لبنانية.
هذا النقاش القديم الجديد في لبنان، له ما يستكمله على مستوى الدولة والمؤسّسات والجيش والنظام السياسي. نقاش على دور لبنان في محيطه المتفجّر حاليّاً، ودور المقاومة وسبل حماية الكيان من الأخطار المحدقة بالمنطقة. ويظلّ السؤال التاريخي في هذا النقاش قائماً وطازجاً: أيّ لبنان نريد؟ وهل تحييد البلد عمّا يجري حولنا يُجنّبه فعلاً المخاطر والمصاعب؟
في كلمة رئيس الجمهورية دعوة إلى موقع يمكن وصفه بأنّه "منزلة بين منزلتين"، حيث لا إفراط في التحييد ولا تفريط بالحدود. أمّا كلام نصرالله، فينحاز إلى خيار المقاومة والقوّة والحروب الاستباقية التي تمنع تمدّد النيران إلينا. ما يعني أنّ ثمّة اختلاف مؤكّد حيال كيفية الدفاع عن لبنان وإدارة المرحلة ومتطلباتها الأمنية والسياسية. وهنا يقع سؤال آخر: هل هذا هو كلّ الخلاف القائم في البلد؟
الجواب عن هذا السؤال ليس شائكاً ومعقّداً. أحوال البلاد تدلّ إلى نفسها، وحال الهريان والتحلل التي تصيب الدولة والمؤسّسات وصلت الى أعلى مستوياتها، والحلّ يكون بالمزيد من الدعوة الى الحوار، ليس للبحث في الاستراتيجية الدفاعية وحسب، بل للحديث عن كلّ الشوائب والنوائب التي تحلّ بالجمهورية. من الدولة والمؤسّسات، الى النظام السياسي الذي يقف عاجزاً عن صياغة الحلول.
فكرة المؤتمر التأسيسي التي دعا إليها نصرالله في إحدى خطبه وأيّدها البطريرك الماروني ما بشارة بطرس الراعي جديرة بالنقاش. كلّ الكيانات السياسية حولنا تتزعزع، والفوضى تنتشر في كلّ مكان، وعلينا البحث عن "صيغة جديدة" تأخذ في الاعتبار كلّ ما طرأ خلال الأعوام العشرين الماضية، وفي العامين الأخيرين تحديداً. الصيغة القائمة حاليّاً لا يمكن أن تنجو بلبنان من الخطر، وسياسات الترميم والتسويات الظرفية لم تعد نافعة.
البلد يحتاج إلى نقاش معمّق يجيب عن الهواجس التي طرحها رئيس الجمهورية، ويأخذ في الاعتبار هواجس ورؤية ووضعية "حزب الله" والمقاومة على مستوى لبنان والمنطقة.
الوسائل الأخرى في المعالجة لن تكون ناجعة وقد أصبحت مجرّبة. يمكن لرئيس الجمهورية قيادة حوار وطني يفضي إلى إنتاج صيغة جديدة من شأنها حماية لبنان. أمّا دفع الأمور نحو السلبية والطلاق وأحاديث الفتنة، فلن يبقي جمهورية ليحكمها أحد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018