ارشيف من :أخبار لبنانية

’14 آذار’ تتنّكر لـ ’جبهة النصرة’ لتخفي احتماءها بها

’14 آذار’ تتنّكر لـ ’جبهة النصرة’ لتخفي احتماءها بها

يصرّ بعض السياسيين اللبنانيين وتحديداً في قوى 14 آذار، على إنكار وجود "جبهة النصرة" التكفيرية على الأراضي اللبنانية، على الرغم من أنّ القوى الأمنية الرسمية وخصوصاً مديرية المخابرات في الجيش اللبناني و"فرع المعلومات" والمحاضر القضائية بمختلف قضاتها ومحاكمها ودرجاتها وأماكنها، تؤكّد بما لا يدع مجالاً للشكّ، بأنّ هذا التنظيم الإرهابي متغلغل في لبنان إلى درجة تهديده بالخطر افتعالاً للفتنة والتفجيرات، وإثارةً للنعرات الطائفية والمذهبية، وتهديداً للعيش المشترك، والسلم الأهلي.


ولا تُعْرف غايةُ هؤلاء السياسيين من إزالة أيّ أثر أو سيرة للجبهة المذكورة في لبنان، أو التغطية على أفعالها الجرمية الواضحة ونواياها المبيّتة والتي لا تحتاج إلى تفسير أو تعمّق في شرح ملابساتها وتفاصيلها، ولكن محاولة قراءة أسباب هذا الاندفاع للدفاع غير المشروع، يتبيّن أنّه يرمي إلى تبييض السجلّ العدلي لبعض الموتورين الملاحقين قضائياً والمزروعين في بلدتي عرسال ومجدل عنجر البقاعيتين، ومدينتي طرابلس وصيدا وامتداداتهما الجغرافية، وبعض قرى الشمال والبقاع الغربي، أيّ في مكان انتشار ونفوذ قوى 14 آذار التي تجهد عبر سياسييها وإعلامها، للتعتيم قدر الإمكان، على تفشّي هذه الظاهرة، وصولاً إلى درجة انتفائها ومحوها من خريطة الوجود.

وهذه الغيرة الآذارية على مجموعة خارجة على القانون ارتكبت من الموبقات والمذابح والجرائم بحقّ الإنسانية ما يفترض معاقبتها عليها، ليست جديدة على الإطلاق، بل سبقتها محاولات حثيثة استبسلت في الدفاع عن مجموعات تكفيرية لا تختلف عن "جبهة النصرة" بشيء، لا بالعكس فهي تنخرط في مشروعها وتتماشى مع سياستها تحت عباءة تنظيم " القاعدة".

فكم مرّة ظهر سياسيون من "14 آذار" بتصريحات خاوية من المعنى، لنفي وجود تنظيم "القاعدة" ومشتّقاته كلّما ألقت الأجهزة الأمنية الرسمية القبض وفي وضح النهار، على أفراد ينتمون قلباً وقالباً وعقيدةً إلى " القاعدة"، أو يسعون إلى تقديم أوراق اعتماد لديه لقبولهم في صفوفه من خلال تنفيذ جرائم استهدفت الجيش اللبناني في أكثر الأحيان، كما حصل في تفجيري البحصاص وشارع المصارف في طرابلس في العام 2008  حيث تبيّن أنّ المنفّذ هي مجموعة عبد الغني جوهر بما فيها من سعوديين ولبنانيين، وتنظيم "فتح الإسلام" الذي تسبّب بتدمير مخيّم نهر البارد وقتل وجرح ضبّاط وعسكريين من الجيش اللبناني، فضلاً عن المجموعات الإرهابية التي يقودها أشخاص سعوديون مثل "مجموعة برالياس" التي كانت تنوي قصف زحلة لإثارة الفتنة، وليس غريباً أن يكون لهذه التنظيمات ارتباطات باستخبارات دول عربية وأجنبية كانت تسهّل لها الدعم المالي واللوجستي.

’14 آذار’ تتنّكر لـ ’جبهة النصرة’ لتخفي احتماءها بها

والغريب أنّ حديث الدفاع عن "جبهة النصرة" لا يطفو على السطح الإعلامي، إلاّ فور توقيف أعضاء منها يؤكّدون ولاءهم وانتماءهم وإيمانهم بهذه الجبهة التكفيرية، فلماذا العجلة في الدفاع قبل التحقّق من هويات الموقوفين واعترافاتهم والمخطّطات التي كانوا ينوون القيام بها؟، وهل هذا الالتفاف الاستباقي بريء؟، وعندما يتمّ توقيف شخص بكامل جهوزيته القتالية من سلاح وعتاد، على الأراضي اللبنانية ويؤكّد انتماءه لهذه الجبهة، فهل هو حضر للسياحة والتنعّم بمناخ لبنان؟.

ومهما ارتفعت أصوات المشكّكين بتمادي "جبهة النصرة" في جرائمها ودخولها إلى الجمهورية اللبنانية، ومهما خلّفت خلفها من غبار للتعمية والتمويه، فإنّ المحاضر القضائية والأمنية هي أكثر مصداقية وحرصاً على لبنان من هؤلاء السياسيين الذين لا يكفّون عن السعي وراء مصالحهم وتحقيق مكتسبات سياسية ولو على حساب لبنان دولة وشعباً وجيشاً.

إنّ الدفاع الآذاري عن عدم وجود شيء اسمه "جبهة نصرة" في لبنان، يستدعي سلسلة أسئلة، فهل غاية الإنكار هي التستّر خلف "جبهة النصرة" والاحتماء بها، أو استعمالها فزّاعة بوجه فريق لبناني آخر، خصوصاً وأنّ صيتها سبقها في استئصال الأكباد وقطع الرؤوس وقتل الأجنّة وتكفير المسلم الآخر ورفض المسيحي كلّياً؟

وهل هدف هذا الإنكار هو كسب ودّ هذه المجموعة المسلّحة والحفاظ عليها سنداً ومعاوناً كما يحكى في بعض الأروقة السياسية لاستخدامها عند بعض المنعطفات السياسية الداخلية والإقليمية على حدّ سواء؟ ولماذا التعاطي بوجهين مع هذه الجبهة، أيّ بوجه النفي ووجه الاحتماء وراءها؟

 ولماذا هذا الإنكار وعدم تصديق ما تقوله التحقيقات القضائية المُعْتبرة والتقارير الأمنية الرسمية الصادرة عن جهات شرعية في الدولة؟ وكيف تصدّق قوى 14 آذار هذه الجهات الأمنية في موضوعات وملفّات معيّنة وتتمسّك بما تقوله لأنّه يصبّ في إطار سياسي يخدمها ويمكنها استهلاكه في الساحة اللبنانية، وتتغاضى عن ملفّات أخرى تهمّ الشعب اللبناني بأسره، لأنّها تمسّ أمنه وحياته ووطنه؟

إنّ المعرفة بانتشار "جبهة النصرة" في لبنان والسعي إلى التغطية على تحرّكاتها، تارة بإنكارها والتنكّر لها، وطوراً بافتعال دفاع ناقص عنها، هو اشتراك مقصود في كلّ جرائمها بحقّ لبنان، وهو تعدّ متعمّد على سيادته وكرامته، وعلى حقّه في العيش بسلام.
2013-08-03