ارشيف من :أخبار لبنانية
العراق ويوم القدس العالمي
ينطوي يوم القدس العالمي، الذي هو اخر يوم جمعة من شهر رمضان المبارك من كل عام، على دلالات ومعان رمزية ومعنوية مهمة للغاية ترتبط بواحدة من اهم القضايا التي تهم عموم ابناء العالم الاسلامي، وكل انصار ودعاة الانسانية وقيم الحق والعدل والانتصار للمظلومين والمضطهدين والمستضعفين.
قضية فلسطين وما تعرضت له مقدسات ذلك البلد وأبناؤه على امتداد ستة عقود ونصف من الزمن، اي منذ اغتصاب الصهاينة لها في عام 1948، تعد امر مريعا ومأساويا بالحسابات الانسانية، فالصهاينة لم يتركوا جريمة الا وارتكبوها بحق المستضعفين من ابناء الشعب الفلسطيني المسلم، وبعض ابناء الشعوب الاخرى، وساعدتهم ودعمتهم في ذلك قوى كبرى.
وما زال ابناء الشعب الفلسطيني يتعرضون لشتى صنوف العدوان والظلم والاستبداد البعيدة كل البعد عن مبادئ كل الرسالات والاديان السماوية، والبعيدة كل البعد كذلك عن القوانين الوضعية المتعلقة بحقوق الانسان وحق الشعوب والامم في العيش بسلام وامان.
ومنذ عام 1948، لم يلتق المسلمون على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم وجغرافيتهم حول قضية فلسطين مثلما التقوا عليها في يوم القدس العالمي، حينما اعلنه الامام الخميني قبل اربعة وثلاثين عاما، ولعل واحدا من مؤشرات ومصاديق الالتقاء هو الاستمرار في احياء هذا اليوم في كل عام، وفي شتى بلدان العالم الاسلامي، وحتى خارج نطاق العالم الاسلامي، وبزخم اكبر واوسع في كل عام.
لا يختلف العراق بتنوعه المذهبي والقومي والمناطقي عن سواه من البلدان الاسلامية الاخرى، سواء القريبة منه او البعيدة عنه، في احيائه ليوم القدس العالمي، الا في نقطة رئيسية واحدة، وهي انه لم يكن ممكنا حتى الاطاحة بنظام صدام قبل عشرة اعوام (9 نيسان 2003) الاشارة الى تلك المناسبة، او احياؤها بطريقة معينة، لان ذلك يرتب على من يقدم على اي خطوة او مبادرة من هذا القبيل تبعات خطيرة.
وما ان انكسر طوق الكبت والعزلة والحرمان والاستبداد، حتى انفتحت افاق الحرية، لتفتح معها الكثير من الابواب الموصدة. وعلى امتداد عشرة اعوام، وجدنا ان مناسبة عالمية من قبيل "يوم القدس العالمي" شغلت حيزا كبيرا في اهتمامات مختلف الاوساط الجماهيرية والنخب الفكرية والثقافية والسياسية والدينية والاعلامية العراقية.
ومن يتحدث هذا العام فإنه قد لا يأتي بجديد، بقدر ما يؤكد حقائق دامغة، ويثبت مواقف راسخة، ويشخص مسارات صائبة.
وما يستحق الاشارة هنا هو ان المرجع الديني الكبير الامام محسن الحكيم افتى في ستينيات القرن الماضي بوجوب دعم القضية الفلسطينية ومساندتها من خلال دفع الحقوق الشرعية لمواجهة الكيان الصهيوني الغاصب، وللتخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني، وهذا يؤكد اندكاك العراقيين بالقضية الفلسطينية منذ وقت مبكر.
ولعل اربع مفردات نجدها حاضرة لدى العراقيين جماهير ونخبا، وهي تتعاطى مع يوم القدس العالمي، المفردات الاربع هي، الامام الخميني، والوحدة الاسلامية، وديمومة المواجهة، وحتمية الانتصار، وكل مفردة من هذه المفردات تكمل الاخرى، لتنصهر جميعها في بوتقة واحدة، وتشكل مفهوما عاما ورؤية شمولية.
ولان الامام الخميني (قدس سره الشريف) كان القائد الذي صنع ملحمة تاريخية قل نظيرها، ولانه صاحب المبادرة، فمن الطبيعي ان يكون حاضرا بقوة، وما يمنح ذلك الحضور قوة اكبر لدى العراقيين، هو انه عاش بينهم وقريبا منهم ما يقارب عقدا ونصف العقد من الزمن، ومن ثم كان في مقدمة الداعمين والمساندين لنضالهم ضد النظام الدكتاتوري البعثي في العراق.
يوم القدس العالمي من زاوية عراقية
ويشير المستشار في مؤسسة الفرات الاعلامية حافظ ال بشارة الى انه "عندما اعلن الامام الخميني (قده) الجمعة الأخيرة من شهر رمضان يوما عالميا للقدس فإن هذا الاختيار لم تكن تقف وراءه اعتبارات سياسية وان كانت آثاره ذات طابع سياسي بل هي فكرة دينية شعائرية، فشهر رمضان هو اقدس الشهور، ويوم الجمعة هو اقدس الايام، وعندما يتم اتخاذ اقدس يوم في اقدس شهر للتذكير بأقدس قضية في تاريخ التوحيد، فعند ذاك تكتمل عناصر التعبئة الروحية لدى المسلمين الى جانب الصيام والقيام وعتق الرقاب من النار والصدقة والتوبة واحياء ليلة القدر، فتكون ذكرى القدس مكملة لتلك العبادات، والهدف منها ابقاء الشعور بالمسؤولية الفردية لدى كل مسلم تجاه احتلال مسجده المقدس الذي هو ليس اقل شأنا من الارواح والاعراض والاموال، وبذلك يبقى المسلمون ذهنيا في دائرة مشروع التحرير المؤمل، فهم ان لم يكونوا قادرين على القتال من أجل تحرير الاقصى حاليا فهم قادرون على الاقل من خلال هذه المناسبة على ابقاء القضية الكبرى ماثلة في اذهان الأجيال ، ذلك لأن الصهاينة يستخدمون عنصر الزمن واستراتيجية الانساء والنسيان لطمس هذه القضية الاسلامية المقدسة".
ويؤكد الامين العام للهيئة المركزية لعشائر العراق الشيخ محمد الفكيكي "ان يوم القدس يعتبر يوما من ايام الله، وهو اليوم الذي اختاره الامام الخميني رضوان الله عليه بعد انتصار الثورة الاسلامية الايرانية بخمسة اشهر، وذلك من اجل شرف الامة الاسلامية وتحرير القدس من براثن الاحتلال الصهيوني".
ويعتبر الامين العام لرابطة المثقفين في العراق حيدر الدهوي "ان دعوة الامام الخميني الراحل رضوان الله عليه كانت مباركة وبشرت بخير في تحرير الارض المغتصبة، ارض فلسطين المحتلة".
وطبيعي ان اختيار الامام الخميني للجمعة الاخيرة من شهر رمضان المبارك من كل عام كيوم للتعبير عن نصرة ومساندة الشعب الفلسطيني في جهاده ونضاله ضد الكيان الصهيوني الغاصب، لم يكن امرا عفويا او عابرا حكمته انفعالات اللحظة وعواطف وجدانية معينة، وانما انطلق من حسابات وتقديرات دقيقة ومعمقة.
ويقول منذر شواي رئيس مجلس محافظة ميسان "ان يوم القدس العالمي الذي دعا اليه الامام الخميني (قدس سره) يذكر المسلمين بواجبهم تجاه تحرير الارض المقدسة من براثن العدو الصهيوني، رغم كل المؤامرات التي تحاك ضد سوريا وحزب الله.
ويرى شواي "امكانية هزيمة هذا الكيان الغاصب في ظل امتلاك الجماهير الاسلامية لارادة المقاومة والايمان بالحق على الباطل، وان كل ما يشاع عن اسطورة الجيش الصهيوني ما هي الا اوهام وخزعبلات معششة في عقول الحكام العرب، لان ارادة المقاومة والتحرير ليست على اجندتهم، لذلك سيبقى يوم القدس العالمي رمزا للصراع الدائر بين الحق المتمثل في الامة الاسلامية المطالبة باستعادة حقوقها المشروعة في فلسطين والقدس قبلة المسلمين الاولى، والباطل المتمثل في كيان الاحتلال الصهيوني والذين يقفون معه ويدعمونه في ظلمه وجرائمه".
ولعله كان من الطبيعي جدا ان يكون للثورة الاسلامية في ايران اثر معنوي ومادي كبير على الشعب الفلسطيني، ومختلف الشعوب المظلومة والمضطهدة، كالشعب العراقي الذي كان يرزح تحت سطوة واستبداد وطغيان نظام حزب البعث.
وبدلا من ان يكون النظام الحاكم في ايران حليفا استراتيجيا للكيان الصهيوني، فإنه اصبح بعد انتصار الثورة يمثل خط المواجهة والدفاع الاول، ولان القضية الفسلطينية لا تعني العرب فحسب، بل تعني المسلمين على وجه العموم، والانسانية قاطبة، فإن الامام الخميني اراد ان تكون رسالة الدعم والاسناد والنصرة متواصلة لا انقطاع فيها ما دام الاحتلال قائما ومعه كل مظاهر الظلم والقمع والحيف والاستبداد ومصادرة الحقوق، ويوم القدس العالمي في الجمعة الاخيرة من كل شهر رمضان مثل تلك الرسالة المتواصلة والحية، التي اريد لها ان تكون عالمية الابعاد والمضامين، وباتت كذلك بالفعل، وما المسيرات المليونية التي تخرج في شتى بلدان العالمي الاسلامي وغير الاسلامي في كل عام الا دليل صارخ على عالمية وشمولية رسالة يوم القدس العالمي.
ما يحتاجه العالم بكامله، لا سيما الشعوب التي ترزح تحت وطأة الظلم والاستبداد هو أن يتكاتف ويتآزر ويتعاون من اجل تغيير الواقع السيئ بسبب انظمة الجور والطغيان وفي مقدمتها الكيان الصهيوني الغاصب لارض فلسطين والمستبيح لحرماتها والمشرد لابنائها.
ويؤكد الاستاذ في جامعة المصطفى العالمية الشيخ رحيم الكعبي "ان القراءة الدقيقة في إمكانية استقطاب المسلمين ضمن مشاريع وحدوية تعبّر عن واقعية ودواعي دينهم وعقيدتهم، هي التي ألهمت مشروع الإمام الخميني (قدس سره) هذا البعد العالمي وقدمته صورة رائعة لتكاتف المسلمين وتلاحمهم بعد ارتكازه على جملة مشتركات لإنجاح مشروعه بدءًا من شهر رمضان واستكمال البناء الروحي، خصوصاً في أيامه الأخيرة مروراً بجمعة المسلمين واعتزازهم بها وانتهاءً بقضية فلسطين التي لا يختلف عليها اثنان".
وبنفس المعنى يشير التدريسي في كلية الاداب بجامعة بغداد الدكتور عباس الاسدي، حينما يقول "مثلت دعوة زعيم الثورة الاسلامية الإمام الخميني (قدس سره) في 7/ 8/ 1979 وما زالت، في إعلان آخر يوم جمعة من شهر رمضان المبارك يوماً عالمياً للقدس صرخة بوجه الظلم وبوجه من يحاول ان يتناسى مأساة شعبنا الفلسطيني وإعلان التضامن معه من مسلمي العالم. والامام الراحل بصرخته المدوّية يحيي القضية الفلسطينية ويعيدها للحياة، فالقدس تهم جميع الموحدين في العالم، ويوم القدس العالمي هو فضحٌ للطبيعة الارهابية والعنصرية لكيان اسرائيل الغاصب ومن يقف معه او يتوارى مخافة السلامة، وانتصارٌ للحركات المناهضة في مسيرة الشعب الفلسطيني، ورسالة واضحة للذين يلتزمون الصمت امام اسرائيل وما تقترفه بأن الدور سيصلكم مهما طال الزمن".
وبما ان موضوع الوحدة الاسلامية كان يمثل احد ابرز اولويات منهج الامام الخميني، فإنه حاول منذ البداية اعطاء القضية الفلسطينية بعدا اسلاميا عاما، بل وعالميا، وهو ما تحقق على ارض الواقع وإن واجه ـ وما زال يواجه ـ الكثير من المصاعب والتحديات والاجندات المضادة، وهو ما ساهم في ديمومة المواجهة، ومن ثم تحقيق انتصارات مشرفة وباهرة على الكيان الصهيوني في مواقع ومفاصل شتى.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018