ارشيف من :أخبار لبنانية

لماذا يرفض حزب الله تشكيل حكومة من دونه؟..و المخاطر !؟

لماذا يرفض حزب الله تشكيل حكومة من دونه؟..و المخاطر !؟
العميد د. أمين محمد حطيط

عندما أُمر الميقاتي بالاستقالة من اجل إخراج حزب الله من الحكم كان المخطط يظن ان كل شيء مهيأ للانقضاض على سورية تنفيذاً لخطة اوباما لإسقاط دمشق في أسبوعين والسيطرة على كامل البلاد في شهرين ينتهيان قبل 20 6 2013. لكن الحسابات الأطلسية لم تجد لها ترجمة في الحقل السوري وانقلب الموقف الغربي من ساعٍ إلى الانتصار إلى حالم بإقامة التوازن بين الحكم السوري الشرعي وبين حالة إرهابية خارجة على كل قواعد القانون والأخلاق والدين حالة تفشت في سورية من أجل تدميرها خدمة للمشروع الصهيو اميركي. ومع هذا التحول في الهدف كان تحول في الإدارة الميدانية للعدوان على سورية وآل الملف حصرياً إلى اليد السعودية واعتبر أمير مخابراتها قائداً ميدانياً مسؤولاً عن إقامة التوازن المطلوب.


 وفي التنفيذ بدا ان الخطة التي وضعت راعت ما ظنه الغرب عامل التغيير المؤثر في الميدان حيث أن ما أسموه «خللاً في التوازن» أعادوا سببه إلى فقدان السيطرة على المنطقة الوسطى من سورية وعدم التمكن من الثبات في غوطة دمشق من الشرق إلى الغرب مروراً بمنطقة السيدة زينب وعزوا سبب كل ذلك أو توهموا أو حاولوا إقناع أنفسهم وسواهم بأن مرد كل ذلك عائد إلى حزب الله و«تدخله الفاعل في الحرب لمنع سقوط النظام» كما يصفون ومن أجل ذلك رأوا أن يعاقبوا حزب الله على فعلته و«تدخله غير المقبول» و«خروجه على سياسة النأي بالنفس» و«انتهاكه لإعلان بعبدا» على حد ما راحوا يقولون أو يروجون بعقاب توخوا منه الضغط عليه حتى يتراجع. وكان العقاب الذي اختاروه ووفقاً لما بات واضحا من مواقفهم وتسريباتهم يقضي بالعزل السياسي والحصار الدولي وتفعيل الملاحقة القضائية ضده وظنوا ان هذا سيؤدي وفي مهلة قصيرة حددت حتى أواخر أيلول 2013 إلى ثني حزب الله عما يقوم به في سورية ما يفتح الطريق أمامهم لتنفيذ المراد.

 وعلى هذا الأساس دفعوا الاتحاد الاوربي إلى إدراج ما سماه «جناح عسكري لحزب الله « على لائحة الإرهاب وحددوا كانون الأول المقبل موعداً لبدء المحاكمة في محكمة الحريري الدولية أما القرار الأهم برأيهم فقد كان في تشكيل حكومة لا يكون فيها مقعد او صوت لحزب الله وتعتمد بياناً وزارياً لا يكون في متنه معادلة «الجيش والشعب والمقاومة». ويكون في هذا إسقاط رسمي لشرعية سلاح المقاومة وجعلها ميليشيا بنظر القانون يلاحقها القرار 1559 مع التنكر لاي موقع او وظيفة للحزب في أي استراتيجية دفاعية يمكن أن يجري البحث فيها.

 وفي الرد كان لحزب الله موقف من كل عنوان مما ذكر يتناسب مع أهميته فكانت الرسالة أولاً للاتحاد الاروبي تعليقاً على قراره «بلّوا واشرب ميتو» مستسخفاً أي أثر للقرار على الحزب وخياراته الاستراتيجية ثم كان اندفاع أكثر نحو تحميل الاتحاد الأروبي مسؤولية أي عدوان إسرائيلي على المقاومة ولبنان باعتباره سيكون شريكاً للمعتدي لأن قراره أنتج بيئة تبريرية له وشجع عليه هذا التصرف جعل الاتحاد الأروبي يغالي في محاولة استرضاء الحزب ويرفض أي عدوان اسرائيلي على المقاومة وكل لبنان مع ابداء الاستعداد لمراجعة القرار بعد ستة اشهر أي في الحصيلة أفرغ القرار من محتواه ولم يؤد المطلوب منه في الضغط على الحزب لا بل كان أثره عكسياً وأحرج خصوم الحزب ومتخذي القرار أكثر مما أحرج الحزب نفسه.

 اما في عنوان المحاكمة فقد سخّف الحزب الموضوع بالنسبة له إلى الحد الذي لم يتوقف عنده في إعلامه حتى بإدراجه خبراً في آخر النشرة وطبعاً امتناع مسؤولي الحزب عن مناقشة الموضوع من قريب أو بعيد لأن الحزب كان حسم سابقاً الموقف من هذه المحكمة واعتبرها مؤسسة صهيونية لن يكون له تعامل معها يختلف عن مواجهته للعدو الصهيوني وتالياً فقد اعتبر أن كل ما صدر او سيصدر عن هذه المحكمة انما يندرج في إطار الحرب الصهيوأميركية على المنطقة ومقاومتها ولن يجد هذا الهجوم إلا ما يناسبه من رد على يد الحزب ما يعني أن تعيين موعد المحكمة كما عدم التعيين سواء بالنسبة لتأثيره على قرارات الحزب واستراتيجياته في المواجهة.

 يبقى العنوان الثالث وهو بالنسبة للحزب الأهم من كل ما ذكر وتالياً كان التعاطي معه والتحضير لمواجهته بالقدر الذي يناسب تلك الأهمية. وهنا وقبل الخوض في التفاصيل ينبغي ان نذكر أن المقاومة عندما انطلقت وفي ظل حكم نصّبه الاسرائيلي حكم آل الجميل لم تكن تبحث عن مشروعية ما يسبغها عليها هذا الحكم فالمشروعية هي من الشعب الذي يرفض الاحتلال ويتمسك بحقه في دفعه عنه ولذا لم تكن تعتني بما تتضمنه البيانات الوزارية من نصوص بحق المقاومة سلباً أو إيجاباً. ومن جهة أخرى فإن الحزب امتنع عن المشاركة في الحكومة بعد الطائف وقبل عام 2005 لأنه لا يرى أن السلطة مطلوبة لذاتها بل جل ما يطلبه منها ان تؤمن للمقاومة بيئة تعمل فيها ولا تضطرها لإنفاق جهد في الداخل تقتطعه من قدراتها المعدة لمواجهة العدو الذي من أجله ولرد عدوانه قامت المقاومة أصلاً. وقد كانت الطمأنينة قائمة بوجود حكم ترعاه سورية التي تحتضن المقاومة.

 لكن الأمر هذا تغير وعلى مرحلتين الأولى بعد اتفاق الطائف الذي أكد على مواجهة العدو والحق بتحرير الأرض التي يحتلها في الجنوب بشتى الوسائل بما في ذلك العمل المسلح المقاومة واعتبر أي سلاح خارج المقاومة إنما هو سلاح ميليشوي واجب النزع ثم كان التغيير الثاني عقب خروج الجيش السوري من لبنان وتحول السلطة في لبنان إلى يد هيئة يديرها السفير الاميركي وتتلقى أوامرها من واشنطن. هنا كان على حزب الله ان يحمي مقاومته من سياسة يقودها من يخضع أو ينتمي للمشروع الصهيو اميركي من اجل ذلك كان قراره بالاشتراك في الحكومات بعد 2005 وبإدراج حق المقاومة في العمل كبند واضح في البيانات الوزارية وتطبيقاً لذلك شارك حزب الله في كل حكومات ما بعد 2005 واستقر الموقف في البيانات الوزارية على معادلة «الشعب والجيش والمقاومة « معادلة تحمي لبنان. ومع اشتداد الضغوط على حزب الله من قبل مكونات المشروع الصهيواميركي باتت حاجة حزب الله للتمسك بهذه الحقوق الطبيعية والمكتسبة أمراً ملحاً حيث يعتبر أي تراجع عنها اليوم هزيمة وقبولاً بالعقاب ما يفتح الباب أمام تنازلات ومحاصرة قد تلزمه بتقديم تضحيات جسيمة لمنعها.

 في هذا السياق نجد حزب الله يرفض وعليه أن يتمسك برفض أي حكومة لا يكون جزءاً منها ولا تعتمد المعادلة المثلثة في بياناتها في حين يتمسك الفريق الخارجي الذي يستهدف الحزب - ضمن المخطط التي ذكرنا بالسعي إلى تشكيل حكومة كما يشتهي وينساق معه أطراف لبنانيون بعضهم عن تبعية وارتهان وبعضهم قد يكون عن حسن نية او حرص معين على تحريك عجلة الحكم واخراجها من دائرة التجميد والتعطيل لكن الفريقين يحاولان وكل من منطلقه تشكيل حكومة من غير حزب الله وثلاثيته. وهنا نسأل إلى اين ستقود هذه المواجهة؟

 إن المسألة بالنسبة لحزب الله تتخطى موضوعياً مقعداً في حكومة رغم أهمية الحكومة المقبلة مع ترجيح العجز عن إجراء الانتخابات الرئاسية وتوليها مهام رئاسة الجمهورية أو عبارة في بيان وزاري وأنها انقلبت وبكل المعايير إلى معركة دفاعية مكتملة المواصفات يخوضها حزب لله عن الوجود والدور والفعالية للمقاومة لتي ينظمها والتي اعدها لمواجهة العدو ثم إن وجوده في سورية هو دفاع عن هذه المقاومة وليس تدخلاً في أزمة سورية داخلية وإن استمراره في المقاومة بوجه إسرائيل ذات الحضور الفاعل في العمليات الارهابية في سورية هو دفاع عن النفس وعن لبنان.

 ومن ثمّ فإن كل من يطلب من حزب الله القبول بالتخلي عن الاشتراك بالحكومة او عن ثلاثيته يكون وببساطة كلية كمن يطلب منه الانتحار الطوعي ثم ان كل من يشارك في تنفيذ القرار بشكل قسري يقدمه كامر واقع يكون شريكاً في عدوان وجريمة موصوفة ترتكب بحق الحزب وعليه أن ينتظر وأن لا يفاجأ بأن يسلك الحزب أي سلوك لدفع هذا العدوان في معرض الدفاع عن النفس فاذا كان التحرش بسلاح الاشارة في الحزب لتفكيكه في عام 2008 قاد إلى ردة فعل اسقطت المشروع السعودي العسكري بتسليح ميليشيا «المستقبل» فإن السؤال هنا سيكون عن حجم ومدى ردة فعل سيلجأ اليها حزب الله وجمهوره عندما يكون العدوان من الطبيعة تلك. ومع عدم الحاجة إلى مخاطبة أدوات المشروع الصهيو اميركي في لبنان يبقى ان نسأل حسني النية والحريصين على لبنان أي مصلحة لهم في حكومة يتوخونها للانفراج فيجدونها فتيلاً يشعل النار ويحدث انفجاراً يعرف متى يبدأ ولا يعرف متى وكيف ينتهي.
 
 
2013-08-07