ارشيف من :أخبار لبنانية

الحكومة المستحيلة... الدولة المستحيلة

الحكومة المستحيلة... الدولة المستحيلة
نبيه البرجي-"الديار"

الحكومة مستحيلة، اي الحكومة السياسية، كيف تكون الدولة ممكنة. ذات مقال استعدنا قول جورج نقاش «سلبيتان لا تصنعان وطناً»، وسألنا ماذا اذا كنا امام مستحيلين، وقد بتنا امام مستحيل ثالث يتمثل بالتداعيات الدراماتيكية للازمة السورية، وحيث الخلايا النائمة تستيقظ الواحدة تلو الاخرى؟

كم كانت المستحيلات الثلاثة اخاذة في المأثور العربي (الغول والعنقاء والخل الوفي)؟ الآن تبدو المستحيلات الثلاثة كما لو انها تدفع بالمنطقة بأسرها الى الانفجار، بل الى الانتحار، وبعدما اظهرت «المحادثات الحساسة» بين الامير بندر بن سلطان والمسؤولين الروس ألا مجال للتوافق بين موسكو والرياض حول رؤية موحدة للتسوية في سوريا، وبعدما بدا ان اللوبي اليهودي في ذروة تحركاته لفرض حصار على الرئيس الايراني الجديد حسن روحاني، اذ كيف يمكن المضي في السيناريو إياه اذا ما فتحت ابواب معينة امام الرجل؟

من لا يعرف ان الدولة في لبنان، وسواء كانت دولة الميثاق الوطني ام دولة وثيقة الوفاق الوطني، قد انتهت؟ لا مجال للحديث عن الجمهورية الثالثة بانتظار ان تتبلور الصيغة في سوريا. على الاقل، اي في احسن الاحوال، متجهون نحو الدولة الفديرالية او الكونفديرالية،اذ لا امكانية البتة للتسوية بين نصف الاسلام والنصف الآخر...
ولعلنا، ثانية، امام ذلك القول لهنري كيسنجر بالنسبة الى الملف الفلسطيني-الاسرائيلي «لكأننا امام تسوية بين نصف الله والنصف الآخر»، وهو ما حمل ادوار سعيد على ابداء خشيته من ان يكون آلهة القرن، او انبياء القرن، قد احدثوا انقلابا استراتيجيا في السماء...

ماذا عن المسيحيين في لبنان؟ احدهم اذا تكلم، وكثيرا ما يتكلم، تظنه ناطقا سياسياً، وعقائدياً، باسم «جبهة النصرة»، والآخر حين ينظر في وجه القمر لا يرى سوى وجهه، كما لو ان احداً لا يشاهد ما يحدث في سوريا حيث النظام يبدو، في احيان كثيرة، كما لو انه حارس الخراب، وحيث المعارضة برئاسة 1200 قائد (استخبارات البنتاغون هي التي قالت ذلك على لسان ديفيد شيد) خلعت كل الاقنعة وبدأت بدفعٍ تركي واضح بتطبيق سياسات التطهير المذهبي والاتني على الارض...

اجل، انقرة مرة اخرى، وقد اخفقت في تنفيذ الخطة الخاصة بكسر شوكة الاكراد في محافظة الحسكة بعدما تم تجهيز الآلاف من عناصر جبهة النصرة واخواتها لكي يقتلعوا الحالة الكردية هناك وتشتيتها في كل الاتجاهات، فإذا بها تدفع نحو محافظة اللاذقية، وكان منظر ذلك الشيخ العلوي المضرج بالدماء، وقد تعرض للضرب المبرّح، وهو يعرض، كما عرض احدهم في مدينة طرابلس بعدما ربط عنقه بالحبل وكتب اسم طائفته على صدره و على ظهره، مروعاً فعلاً. هل هؤلاء ثوار ينشدون الحرية والعدالة ام أبالسة يفقأون العيون، ويقطعون الروؤس، باسم القرآن؟

التماهي يزداد بين الحالة السورية والحالة اللبنانية. بماذا يختلف احمد الاسير عن ابي محمد الجولاني او عن ابي مصعب الزرقاوي،وصولا الى احمد عبد اللطيف الدخاخني الذي ظهر بالصدفة بيننا، وفي بلدة عرفت بعقيدتها المعتدلة والعقلانية والتي طالما فتحت ابوابها لكل ضيف دون التدقيق في هويته او في طائفته او في اتجاهه السياسي؟

وهل بات ممكناً الاستمرار في التستر على تلك الشائعات التي تتردد في الفيحاء التي لم تعرف يوماً التطرف، ولا علاقة لاهلها البتة بثقافة تورا بورا، حول المعركة الآتية بعد العيد. يقال ان جبل محسن هو الهدف، ولو اقتضى الامر زغرتا ايضا. والسؤال دائما حول من يدفع في هذا الاتجاه الرهيب: انقرة ام تل ابيب ام عواصم عربية تتكىء الآن على الاثنتين معاً، كما لو اننا نعيش سقوط العقل، بل وسقوط العرب، بل واكثر سقوط الاسلام بوجهه البهي، وبأصوله التي تتناقض كلياً مع اصوليي هذه الايام الذين يخجل منهم حتى اكلة لحوم البشر...

بالرغم من سوداوية المشهد، واهواله، ثمة في لبنان من يقول بحكومة محايدة. لسنا ضد الحكومة المحايدة في المبدأ إن كان هناك من محايدين فعلا، لكن المشكلة في تحييد القضايا الحساسة. كيف؟ وهل تمكن مواجهة احمد عبد اللطيف الدخاخني بزياد بارود؟ وهل يمكن الحد من تداعيات الهيستيريا السورية برائد شرف الدين، والاثنان من اصحاب الادمغة النظيفة و الراقية، ولكن هذا ليس زمنهم بل زمن الذين يتواجدون، بأحذيتهم الثقيلة، على الارض التي باتت بدورها ثقيلة؟

ولكن ألم يلمّح وليد جنبلاط بتغيير خياراته بعدما مهد لذلك بكلام واضح جدا في تعليقه على الصواريخ؟ التفسير التلقائي لهذا هو ان ثمة من يضغط، ومن الخارج تحديداً، للاتيان بحكومة امر واقع، كما لو ان الواقع في لبنان لا ينذر بالشر المستطير، وكما لو ان الواقع في لبنان ليس اولئك الذين يمسكون بالواقع لا الذين يعترضون عليه وسواء بالصوت العالي ام بالقفازات الحريرية؟..

لبنان كما سوريا امام المستحيل. لا تسوية في الافق، بل ان ثمة مؤشرات كثيرة على ايام صعبة، بل وصعبة جداً، بعدما انتشرت في سوريا ثقافة التطهير، او ثقافة الاجتثاث التي لها امتداداتها على الساحة اللبنانية، وبتعبئة عقائدية ومادية معروفة تماماً...

كل كلام آخر يصدر عن اي مسؤول لبناني هو هباء منثور. ألا يشبه هؤلاء المسؤولون الهباء المنثور؟
 
2013-08-07