ارشيف من :أخبار لبنانية
كرة روحاني في ملعب الغرب
سميح صعب -صحيفة "الصباح" العراقية
لا يكفي فقط ان تبدي واشنطن الرغبة في الحوار مع طهران كي تحدث تحولاً في الموقف الايراني من الغرب بعد تسلم الرئيس حسن روحاني الرئاسة رسمياً الاحد. فقبل يومين من اعلان البيت الابيض انه راغب في الحوار مع الرئيس الايراني الجديد، فرض مجلس النواب الاميركي دفعة جديدة من العقوبات على طهران، مسقطاً بذلك هدنة غير معلنة في الغرب مع ايران منذ انتخاب روحاني خلفاً لمحمود احمدي نجاد في حزيران الماضي.
واذا ما استثنينا قرار مجلس النواب الاميركي من خانة السلوك الاميركي المزدوج، فإن الامر لا يحتمل كثيراً من التأويل والتفسير لفك رموزه ودلالاته. انه رسالة تذكير لروحاني مفادها ان العقوبات هي السياسة الوحيدة التي تنتظره في حال لم يتخل عن سياسة سلفه في ما يتعلق بالملف النووي الايراني او القضايا الاخرى ذات الخلاف بين الجانبين. ولم يتأخر روحاني في الرد على الرسالة الاميركية عندما قال اذا كنتم راغبين في الحوار "فلا تتحدثوا بلغة العقوبات".
وبكلام آخر أرادت اميركا ان تقول لروحاني ان جعبتها لم تفرغ من سلاح العقوبات، فرد عليها الرئيس الجديد بما معناه ان الحوار والعقوبات لا يستقيمان.
لقد سبق للغرب ان اعتمد لغة العقوبات في مواجهة احمدي نجاد، لحمله على تقديم التنازلات، لكنه لم يفلح. ويستند الرهان الغربي حيال ايران منذ اعوام على معادلة قوامها ضرورة التخلي عن تخصيب اليورانيوم ومحاصرة النفوذ الايراني في المنطقة ومنعها من ان تكون قوة اقليمية كبرى في الشرق الاوسط في موازاة اسرائيل وتركيا. واعتمد الغرب سياسة العقوبات وسيلة للضغط بينما كانت اسرائيل تطالب باللجوء الى استخدام القوة العسكرية لوضع حد للبرنامج النووي الايراني، الامر الذي عارضته اميركا مفضلة خيار العقوبات "المشلة" لا سيما بعدما طالت العقوبات الاميركية والاوروبية الاحادية، قطاع النفط والمصرف المركزي في ايران.
وكلما كانت لهجة الحرب ترتفع في اسرائيل، كانت الولايات المتحدة تسعى الى تهدئتها، بزيادة العقوبات الاحادية على ايران وماشت فرنسا وبريطانيا الولايات المتحدة في لعبتها الخطرة بعد اعوام من التمايز والحفاظ على شعرة معاوية مع طهران.
ولم يلجأ الغرب ولو لمرة واحدة الى اقتراح التبادلية في التعامل مع ايران. وتمايزت روسيا وحدها من بين مجموعة خمسة زائد واحد عندما شذت عن القاعدة فاقترحت اغراء ايران برفع بعض العقوبات عنها مقابل تشجيعها على تقديم تنازلات في ملفها النووي.لكن يبدو ان الغرب يسقط من حساباته الاقتراح الروسي ويمضي في الرهان على لي ذراع ايران بواسطة العقوبات، واذا لم تكن تكفي العقوبات المفروضة فإنه يفكر في فرض المزيد منها. ولم يترافق الخطاب الغربي المنادي بالحوار مع اية خطوة عملية تجعل ايران تفكر جدياً في التخلي عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم.
واذا كان التعاطي الغربي مع روحاني سيتواصل بالطريقة ذاتها التي مورست على احمدي نجاد، فكيف يمكن توقع ان تتشجع القيادة الايرانية الجديدة على تقديم تنازلات او ابداء المرونة في المفاوضات مع مجموعة خمسة زائد واحد. وبالمعيار ذاته فإن العمل على محاصرة النفوذ الايراني اقليمياً عن طريق تغذية الصراع السني-الشيعي لانهاك طهران وارغامها على تقديم تنازلات في الاقليم يمكن ان تعطي نتائج عكسية وتدفع بالمنطقة كلها نحو سيناريوهات كارثية. والتصدي للنفوذ الايراني في العراق وسوريا ولبنان عملية تقود الى مواجهات اقليمية وحروب بالوكالة. وهذه عملية لا تستنزف ايران وحدها بل انها تستنزف الدول الاقليمية الاخرى لا سيما دول الخليج وتركيا.
ولا يستطيع روحاني مهما كان معتدلاً في خطابه ان يتجاوز ثوابت في السياسة الايرانية يدرك جيداً ان اتخاذ القرار فيها في يد مرشد الجمهورية آية علي خامنئي. وصحيح ان العقوبات الدولية انهكت الاقتصاد الايراني، لكن الصحيح ايضاً ان فارضي العقوبات لا يتيحون للزعماء الايرانيين ان يروا الضوء في نهاية النفق.
ولا شك ان بداية التسوية التاريخية بين ايران والغرب والولايات المتحدة خصوصاً تبدأ حين يشعر الزعماء الايرانيون بأن بلادهم غير مستهدفة وبان هناك استعداداً لاخذ مصالحها في الاعتبار. وخلال اكثر من ثلاثين عاماً من المواجهة بين طهران وواشنطن، اخفقت سياسة العقوبات والحصار في اسقاط النظام الايراني وتمكن الايرانيون من التكيف مع هذه السياسة، تماماً مثلما اخفقت سياسة الحصار والحظر في تطويع كوبا على مدى اكثر من 50 عاماً.
وأية تسوية في المطلق تبدأ بالتبادلية وليس بالاملاء، لانه في الحالة الثانية تكون توقيع صك استسلام. اما في الحالة الاولى فإن جانب المسؤولية يتبدى اكثر كما جانب الجدية والنية الحسنة. ولا يبدو في الحالة الايرانية ان رهان العقوبات قد افلح في تحقيق ما يريده الغرب الذي يطالب روحاني اليوم بما لم يقبل به احمدي نجاد. وحتى الان لا تظهر مقدمات يمكن ان تحمل الغرب على التفاؤل بحصول التحول الكبير الذي يبتغيه في ايران. والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لا يجرب الغرب طريقة اخرى في التعامل ويقدم عرضاً لا يمكن لروحاني ان يرفضه. وطالما ان هذا العرض غير موجود فإن الامل ضعيف في امكان حصول تغيير يذكر في طهران، ما يعني ان التسوية التاريخية لم تنضج ظروفها بعد.
لا يكفي فقط ان تبدي واشنطن الرغبة في الحوار مع طهران كي تحدث تحولاً في الموقف الايراني من الغرب بعد تسلم الرئيس حسن روحاني الرئاسة رسمياً الاحد. فقبل يومين من اعلان البيت الابيض انه راغب في الحوار مع الرئيس الايراني الجديد، فرض مجلس النواب الاميركي دفعة جديدة من العقوبات على طهران، مسقطاً بذلك هدنة غير معلنة في الغرب مع ايران منذ انتخاب روحاني خلفاً لمحمود احمدي نجاد في حزيران الماضي.
واذا ما استثنينا قرار مجلس النواب الاميركي من خانة السلوك الاميركي المزدوج، فإن الامر لا يحتمل كثيراً من التأويل والتفسير لفك رموزه ودلالاته. انه رسالة تذكير لروحاني مفادها ان العقوبات هي السياسة الوحيدة التي تنتظره في حال لم يتخل عن سياسة سلفه في ما يتعلق بالملف النووي الايراني او القضايا الاخرى ذات الخلاف بين الجانبين. ولم يتأخر روحاني في الرد على الرسالة الاميركية عندما قال اذا كنتم راغبين في الحوار "فلا تتحدثوا بلغة العقوبات".
وبكلام آخر أرادت اميركا ان تقول لروحاني ان جعبتها لم تفرغ من سلاح العقوبات، فرد عليها الرئيس الجديد بما معناه ان الحوار والعقوبات لا يستقيمان.
لقد سبق للغرب ان اعتمد لغة العقوبات في مواجهة احمدي نجاد، لحمله على تقديم التنازلات، لكنه لم يفلح. ويستند الرهان الغربي حيال ايران منذ اعوام على معادلة قوامها ضرورة التخلي عن تخصيب اليورانيوم ومحاصرة النفوذ الايراني في المنطقة ومنعها من ان تكون قوة اقليمية كبرى في الشرق الاوسط في موازاة اسرائيل وتركيا. واعتمد الغرب سياسة العقوبات وسيلة للضغط بينما كانت اسرائيل تطالب باللجوء الى استخدام القوة العسكرية لوضع حد للبرنامج النووي الايراني، الامر الذي عارضته اميركا مفضلة خيار العقوبات "المشلة" لا سيما بعدما طالت العقوبات الاميركية والاوروبية الاحادية، قطاع النفط والمصرف المركزي في ايران.
وكلما كانت لهجة الحرب ترتفع في اسرائيل، كانت الولايات المتحدة تسعى الى تهدئتها، بزيادة العقوبات الاحادية على ايران وماشت فرنسا وبريطانيا الولايات المتحدة في لعبتها الخطرة بعد اعوام من التمايز والحفاظ على شعرة معاوية مع طهران.
ولم يلجأ الغرب ولو لمرة واحدة الى اقتراح التبادلية في التعامل مع ايران. وتمايزت روسيا وحدها من بين مجموعة خمسة زائد واحد عندما شذت عن القاعدة فاقترحت اغراء ايران برفع بعض العقوبات عنها مقابل تشجيعها على تقديم تنازلات في ملفها النووي.لكن يبدو ان الغرب يسقط من حساباته الاقتراح الروسي ويمضي في الرهان على لي ذراع ايران بواسطة العقوبات، واذا لم تكن تكفي العقوبات المفروضة فإنه يفكر في فرض المزيد منها. ولم يترافق الخطاب الغربي المنادي بالحوار مع اية خطوة عملية تجعل ايران تفكر جدياً في التخلي عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم.
واذا كان التعاطي الغربي مع روحاني سيتواصل بالطريقة ذاتها التي مورست على احمدي نجاد، فكيف يمكن توقع ان تتشجع القيادة الايرانية الجديدة على تقديم تنازلات او ابداء المرونة في المفاوضات مع مجموعة خمسة زائد واحد. وبالمعيار ذاته فإن العمل على محاصرة النفوذ الايراني اقليمياً عن طريق تغذية الصراع السني-الشيعي لانهاك طهران وارغامها على تقديم تنازلات في الاقليم يمكن ان تعطي نتائج عكسية وتدفع بالمنطقة كلها نحو سيناريوهات كارثية. والتصدي للنفوذ الايراني في العراق وسوريا ولبنان عملية تقود الى مواجهات اقليمية وحروب بالوكالة. وهذه عملية لا تستنزف ايران وحدها بل انها تستنزف الدول الاقليمية الاخرى لا سيما دول الخليج وتركيا.
ولا يستطيع روحاني مهما كان معتدلاً في خطابه ان يتجاوز ثوابت في السياسة الايرانية يدرك جيداً ان اتخاذ القرار فيها في يد مرشد الجمهورية آية علي خامنئي. وصحيح ان العقوبات الدولية انهكت الاقتصاد الايراني، لكن الصحيح ايضاً ان فارضي العقوبات لا يتيحون للزعماء الايرانيين ان يروا الضوء في نهاية النفق.
ولا شك ان بداية التسوية التاريخية بين ايران والغرب والولايات المتحدة خصوصاً تبدأ حين يشعر الزعماء الايرانيون بأن بلادهم غير مستهدفة وبان هناك استعداداً لاخذ مصالحها في الاعتبار. وخلال اكثر من ثلاثين عاماً من المواجهة بين طهران وواشنطن، اخفقت سياسة العقوبات والحصار في اسقاط النظام الايراني وتمكن الايرانيون من التكيف مع هذه السياسة، تماماً مثلما اخفقت سياسة الحصار والحظر في تطويع كوبا على مدى اكثر من 50 عاماً.
وأية تسوية في المطلق تبدأ بالتبادلية وليس بالاملاء، لانه في الحالة الثانية تكون توقيع صك استسلام. اما في الحالة الاولى فإن جانب المسؤولية يتبدى اكثر كما جانب الجدية والنية الحسنة. ولا يبدو في الحالة الايرانية ان رهان العقوبات قد افلح في تحقيق ما يريده الغرب الذي يطالب روحاني اليوم بما لم يقبل به احمدي نجاد. وحتى الان لا تظهر مقدمات يمكن ان تحمل الغرب على التفاؤل بحصول التحول الكبير الذي يبتغيه في ايران. والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لا يجرب الغرب طريقة اخرى في التعامل ويقدم عرضاً لا يمكن لروحاني ان يرفضه. وطالما ان هذا العرض غير موجود فإن الامل ضعيف في امكان حصول تغيير يذكر في طهران، ما يعني ان التسوية التاريخية لم تنضج ظروفها بعد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018