ارشيف من :أخبار لبنانية
قال العماد قهوجي كلمته
نبيه البرجي - صحيفة الديار
من دمّر المفهوم الوطني للمؤسسة العسكرية في الدول العربية؟ وكالة الاستخبارات المركزية التي بدأت العمل في هذا الاتجاه من سوريا حيث كانت وراء انقلاب حسني الزعيم في حزيران 1949، والغاية آنذاك الوصول بأنطون سعادة الى منصة الاعدام...
وتلاحقت الانقلابات التي كانت المادة الثرية، والمغوية، للصحف اللبنانية بما فيها الصحف التي كانت تصدر ظهراً، اي بعد ساعات قليلة من البلاغ رقم واحد، حيث كان الباعة يصدحون في ساحة البرج بالمانشيتات المثيرة حول الانقلاب. من هم قادته وما هي اهدافه، فيما استشرت تلك الظاهرة العجيبة التي كان وراءها اكثر من جهاز استخبارات: ضباط حلب، وضباط دير الزور، وضباط الشام، وضباط حمص. وكذا دواليك...
الاميرال روسكو هيلنكوتر هو الذي كان يرأس الـ«سي.آي.اي» في عام 1949. لكن آلان والش دالاس الذي تسلم المنصب في عام 1953، شقيق وزير الخارجية جون فوستر دالاس، هو من ادخل مفهوم الانقلابات في الفلسفة الاستراتيجية للولايات المتحدة، بدءاً من اميركا اللاتينية وانتهاء بالشرق الاوسط، لتقوم جمهوريات الموز، ودون ان تنجو بعض ممالك الموز من هذه الظاهرة، فكان الانقلاب على الاسرة الهاشمية في العراق عام 1958، وعلى الاسرة المتوكلية في اليمن عام 1961، وعلى الاسرة السنوسية في ليبيا عام 1969، وحيث كان للديكتاتورية ان تأخذ مداها لتحل العصا الكهربائية، وفي احيان كثيرة الحذاء الكهربائي، محل العصا الخشبية وبالتالي الحذاء الخشبي...
الاكثر غرابة هو ان ثمة انظمة لا تتزحزح. وصفها سايروس سالزبرغر بالانظمة المقدسة لانها تحت السلطة المباشرة للاساطيل الاميركية...
الآن، يقوم انقلاب من طراز آخر في لبنان. انقلاب من اجل حماية المؤسسة العسكرية من الانقلابات او من الولاءات السياسية والطائفية بعدما توالت الدعوات الى الانشقاقات المذهبية، وبعدما سجلت محاولات قامت بها بعض المرجعيات السياسية والطائفية لوضع اليد على المؤسسة، فيما كان هناك ضباط على تواصل مع تلك المراجع، ودون ادراك للفاصل الدقيق بين السلطة السياسية والسلطة العسكرية، وبالتالي دون ادراك للمفهوم الايديولوجي والاستراتيجي لهيكلية الدولة...
ما قاله العماد جان قهوجي لم يقله اي قائد جيش في العالم العربي حيث ذلك التماهي الغرائبي بين الجيش وبين قوى السلطة، وسواء كانت القوى القبلية ام القوى العائلية ام القوى الطائفية، وحيث تحولت الجيوش الى حامية للانظمة، فيما تزداد بنى الدول هشاشة وقابلية للتناثر، إلا من اسبغت عليه نعمة الحماية الخارجية التي تأخذ شكل الفضيحة، ولكن ألا يتم في العالم العربي تسويق الفضيحة او التكيف معها ما حمل آلان غريش على الحديث عن «الفضيحة المقدسة» او «الفضيحة البهية». كثيرون تحت وصاية السيدة... الفضيحة.
لا احد يمكنه ان ينفي دور اجهزة الاستخبارات المختلفة في اختراق الجيوش العربية، حتى ان ضابطاً سابقاً وملاحقاً في جيش عربي طالما تغنى البعض بفاعليته (القبلية) قال لنا ان هناك شبه تفاهم او شبه اتفاق بين بعض الاجهزة الغربية، بالشركة المباشرة والعلنية مع الاستخبارات الاسرائيلية، على تقاسم القطاعات المختلفة في هذا الجيش، حتى ليوصف البعض احدهم علناً بالجنرال الانكليزي، والآخر بالجنرال الاميركي. حتماً هناك... الجنرال الاسرائيلي.
في اللحظة المناسبة، واثر تلك الاختبارات المضنية التي واجهها الجيش اللبناني وسط تمزق سياسي وطائفي على المستويات كافة، قال العماد قهوجي كلمته. لا تسييس للمؤسسة العسكرية. ضمناً لا تطييف لانك قد تجد في لبنان ملوك الطوائف. رجال الدولة بالكاد تمكن رؤيتهم بالعين المجردة...
واضح انه كانت هناك جهات، وتدار من الخارج، تراهن على الفراغ في قيادة المؤسسة. وواضح ان هناك قوى سياسية لطالما سعت الى تعبئة الغرائز دون ان تعي العواقب الكارثية لهذه العملية، تنبهت، في اللحظة الاخيرة، الى ما كانت ترمي اليه خطة من زرعوا الشيخ احمد الاسير في منطقة عبرا تحديداً، وعلى مقربة من مخيم عين الحلوة الذي يرجح ان يكون يقيم فيه حالياً، ومن عملوا ويعملون من اجل تحويل طرابلس الى امارة منفصلة عن الجمهورية اللبنانية...
الموقف كان مدوياً وضرورياً في هذه المرحلة بالذات. لا تفلت في المؤسسة العسكرية، ولا انتقال للاوبئة التي تضرب اهل السياسة الى هذه المؤسسة، فالثابت ان الجيش سيواجه في المرحلة المقبلة، وعلى وقع التطورات الخطرة المرتقبة في سوريا، اوضاعاً دقيقة جداً يمكن ان تدفع في اتجاه مزيد من «التصدع الجيولوجي» للدولة وصولاً الى الجيش. القرار كان وقائياً مثلما هو قرار استراتيجي، فإذا كان هناك من هو ضنين بالدولة وببقائها، عليه ان يحافظ على عنفوانه لا ان يكون ظلاً مرقطاً لهذه المرجعية السياسية او لتلك المرجعية الطائفية...
لا بد من قائد جيش حازم، ولا بد من مواقف حازمة الآن، بعدما بلغت الهلهلة بالمؤسسات السياسية ما بلغته، وبعدما بدأ الحديث عن اضمحلال منهجي للدولة في لبنان، ودائما من خلال استدراج الجيش الى «استراتيجية الازقة»، فيما الساسة، وكما بدا من تجربة عبرا، او لنقل بعض الساسة والغون، بطريقة او بأخرى، في لعبة المستنقعات دون ان يدروا ان استشراء تلك الحالات الخارجة للتو من الكهوف انما تجهز عليهم قبل غيرهم، ودون ان يبقى سراً ان مناقشات صاخبة جرت في هذا الخصوص وتم خلالها الاتفاق على العودة الى...الوعي.
استطراداً لا بد لطرابلس ان تكون لبنانية، وبكل اهلها، لا ان تكون مخطوفة كما قال بيان دار الافتاء في المدينة والذي يعكس موقفاً وطنياً فاعلاً وواعياً ورفيع المستوى، ولا بد للجيش من ان يكون في كل مكان حتى لا يصيب الدولة اللبنانية ما يصيب غيرها...
ولن يكون الجيش عصياً على كل ملوك الطوائف، وملوك الازقة، فحسب، بل وايضا على اجهزة الاستخبارات، العربية بوجه خاص، التي حاولت ان تلعب في الآونة الاخيرة لتفكيك المؤسسة العسكرية او لتوظيف قطاعات منها في سيناريوات معينة. قال العماد قهوجي كلمته. اللبنانيون معه..
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018