ارشيف من :أخبار لبنانية
إضطرابات لبنانية تواكب المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية
جوني منير - صحيفة الجمهورية
تحرَّكت الساحة اللبنانية فجأة، فاضطربت الأوضاع الأمنية وتصاعَدت حدّة المواجهات السياسية وبدت البلاد وكأنها متجهة نحو أفق مقفل، من دون وجود اسباب لبنانية داخلية تنقل الصورة من تفاؤلية مع تكليف الرئيس تمام سلام تأليف الحكومة، الى تشاؤمية.
وإذا كان الأمر غير واضح بالنسبة إلى اللبنانيين الذين انساقوا كعادتهم في حملات متبادلة وغرقوا في تناقضاتهم الداخلية، إلّا أنّ العارفين يشيرون بأصابعهم الى الترابط القائم بين تحرك الاوضاع في لبنان وانطلاق المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية، ما يعني ضمناً استعمال الخلافات اللبنانية وقوداً لإنضاج المفاوضات الأكثر تعقيداً في العالم.
صحيح أنّ الاستقرار الداخلي كان قد شهد تطوراً كبيراً مع استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، خصوصاً أنّ هذه الاستقالة جاءت فعلياً في سياق الحرب الدائرة في سوريا، وبهدف مواكبة "معركة دمشق" التي لم تحصل، إلّا أنّ المواكبة الداخلية (تيار "المستقبل" والنائب وليد جنبلاط) والخارجية (المملكة العربية السعودية)، لهذه الاستقالة جاءت مرنة وهادئة.
وصحيح أيضاً انّ تمسّك "حزب الله" بالثلث المعطل "المقدّس" أخَّر ولادة هذه الحكومة ولا يزال، إلّا انّ الأجواء المرنة استمرت طوال المراحل الماضية وهي لم تنقلب الى تشنّج إلّا مع اعلان استئناف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية.
فاتّخذت أوروبا قرارها فجأة، ما انعكس أجواء ضاغطة، وارتفعت حدّة المواقف الداخلية ضد "حزب الله"، وتحرّك الملف الحكومي على أساس ولادة قريبة لحكومة من دون الحزب مع تسجيل انضمام جنبلاط الى هذا الجانب، خلافاً لالتزاماته الضمنية والعلنية السابقة.
وأخيراً وليس آخراً، انطلاق الصواريخ في اتجاه قصر بعبدا بعد ساعات على مواقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان القوية ضد سلاح "حزب الله" ودوره في سوريا، الى جانب اكتشاف خلية تُحضّر لأعمال ارهابية عن طريق المصادفة، من دون نسيان رسالة السيارة المفخخة في بئر العبد والتي بات واضحاً أنّ مصدرها الفعلي هو إحدى الدول العربية.
وصحيح أيضاً وأيضاً أنّ الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله وجّه رسالة قوية الى واشنطن، اضافة الى عواصم عربية بإسمه وإسم العالم الشيعي (ضمناً ايران) حول المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية، إلّا أنّ الديبلوماسيين الغربيّين مقتنعون بأنّ هناك من يدفع في اتجاه صدام أمني وعسكري بين "حزب الله" والشرعية اللبنانية والعالم الغربي.
فمَع صدور القرار الاوروبي، امتلكت باريس معلومات مؤكدة عن تحضيرات جارية لاستهداف المصالح الفرنسية في الجنوب، إضافة الى مصالح اوروبية وذلك من خلال مجموعات اسلامية متطرفة للإيحاء بأنّ "حزب الله" يقف وراء ذلك. وقد أبلغت باريس عبر قنواتها المباشرة الى من يعنيهم الأمر، أنها باتت على معرفة كاملة بما يُخطّط له.
وفي السياق عينه، وضعت العواصم الغربية، بما فيها واشنطن، صواريخ قصر بعبدا يوم عيد الجيش، في اطار محاولات الإيقاع بين "حزب الله" والشرعية اللبنانية وبين الحزب والعواصم الغربية، بدليل ان هذه العواصم التي تعتبر نفسها في مواجهة مع "حزب الله" لم تعلن أي موقف يتضمن اتهاماً للحزب، لا مباشرة ولا حتى تلميحاً، على عكس سياق المواقف اللبنانية الداخلية.
كما أن العواصم الغربية تعتبر أن حزب الله لا يتخذ مواقفه على أساس رد الفعل، بل على أساس حسابات داخل مؤسساته. ذلك انّ الحركة المحورية تتركز الآن على المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية، حيث الخيوط متشابكة والحسابات مختلفة والاهداف تبدو كبيرة، لا بل كبيرة جداً.
فرئيس الوفد الاميركي المفاوض الديبلوماسي الاميركي العتيق والخبير مارتن انديك اخذ اجازة ادارية من وظيفته الحالية في معهد "بروكنغز" لمدة تسعة اشهر، وهي المدة التي حدَّدها وزير الخارجية الاميركي جون كيري لإنهاء المفاوضات. وباشر انديك اختيار فريقه المعاون، حيث يعتبر معظم اعضاء هذا الفريق من طاقمه القديم، خصوصاً السيدة تمارا كوفمان ويتس المتخصصة بالمفاوضات الاسرائيلية - العربية.
لكن المهم في الموضوع أنّ هذا الفريق كان منكباً منذ اكثر من عشر سنوات على دراسة الديموغرافيا والنمو السكاني ما بين اليهود والعرب الذين يحملون الجنسية الاسرائيلية، وهو ما يريح الاسرائيليين الذين يضعون هذه "المشكلة" أولوية قومية ملحّة بالنسبة اليهم كونها مرتبطة بوجودية اسرائيل وديمومتها.
والذين يعرفون افراد هذا الفريق جيداً، يشيرون الى أنّ الفريق المعاون لأنديك مقتنع تماماً بأنّ بناء المستوطنات الاسرائيلية لا يحل مشكلة التزايد السكاني لدى العرب الاسرائيليين، ولا يحدّ منه، وان الحل الوحيد هو اداري من خلال جعل العرب مستقلين إدارياً وسياسياً وتنظيمياً وانتخابياً عن اليهود الاسرائيليين.
ويعتقد الطاقم المعاون لأنديك أنه اذا لم يقدّم حلّاً مقنعاً الى الحكومة الاسرائيلية حيال معضلة الديموغرافيا، فإنّ المفاوضات ستتعثر حتماً، ومن هنا جاءت فكرة تحديد مهلة الأشهر التسعة للمفاوضات. لذلك، فإنّ فريق أنديك متحمّس لإعادة النظر في النظام الانتخابي في اسرائيل، والذي يطبّق الآن على اساس النسبية، لأنهم يعتبرونه مسؤولاً عن فشل النظام السياسي الإسرائيلي.
والمعروف أنّ مجموعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة الاميركية سئمت التعنّت الاسرائيلي حيال الافكار المقدمة لإنجاز سلام فلسطيني - اسرائيلي، وتعتبر أنّ المصلحة الاميركية على المحك لإنجاز تسوية بسرعة معقولة. وهذا الكلام اعلنه كيري خلال لقاء جمعه مع قسم العلوم السياسية في جامعة جورج تاون أخيراً.
ويعتقد كيري أنّ التقدم على المسار الفلسطيني - الاسرائيلي يُعزّز فرضية الحل السياسي للملف الايراني، بما يعني أنّ "الصفقة الكبرى" ما تزال هدفاً استراتيجياً لإدارة اوباما. لذلك لا بد من طرح اسئلة كبيرة حيال مصير اللاجئين الفلسطينيين، خصوصاً في لبنان، وهل يُحضِّر لبنان لمواجهة ذلك.
ومن الزاوية الفلسطينية - الاسرائيلية تحرّكت الساحة اللبنانية على أمل أن لا تطول الاهتزازات الداخلية طوال الاشهر التسعة المقبلة. وتأتي حادثة الخرق الاسرائيلي للحدود الحنوبية في اللبّونة أمس لتشكّل مثالاً لما يمكن أن يتطوّر على مستوى الجبهة اللبنانية ـ الاسرائيلية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018