ارشيف من :أخبار لبنانية

لغة يفهمها العالم

لغة يفهمها العالم
صحيفة النهار الكويتية - ظاري جاسم الشمالي

خلف التصريحات الدبلوماسية المنمقة وربطات العنق تخاطب الأمم بعضها بعضا بلغة فيزيائية، فهذه تفجر تجربة نووية، وتلك تجرب صاروخا جديدا في كل شهر أو شهرين وأخرى ترسل قمرا صناعيا إلى الفضاء.

ومن ناحية أخرى، من العالم تصل الرسالة، فتتحرك الأساطيل وتنشأ القواعد العسكرية الجديدة ويتم مسح العالم استخباراتيا وإلكترونيا من فوق الغلاف الجوي ومن تحت الأرض والمياه فضلا عن النشاط الذي لا يهدأ على السطح.

الإيمان بقوة الكلام والتفاوض ينهار لصالح الإيمان بكلام القوة، والظاهر أن أمة واحدة لاتزال تعتمد على الخطابة كقوة استراتيجية وهي الأمة العربية. فإذا انفعلت تقدم مبادرة، فيرد الإسرائيلي باجتياح رام الله بالدبابات، قوة فيزيائية ملموسة طاحنة مقابل مبادرة على الورق، وإذا أحبطت تهدد بسحب المبادرة الورقية بعد أن تجاوزتها الأحداث آلاف المرات.

متى يتصالح العقل العربي مع الواقع ويرى الفيزياء في السياسة؟ متى سنسمع بتغيير جذري وملموس في الصناعة العربية على جميع المستويات ليجلس المفاوض العربي على الطاولة مستندا إلى ترسانة حقيقية من القوة ... وهل تصنع القوة باستعارة القوة؟ والقوة المستعارة تخدم غير صاحبها الأصيل يا ترى في عالم المصالح المتوحش؟

لن تتمكن إدارة اوباما من فعل شيء مع كوريا الشمالية، ستهدد ستحرض ستلوح بالحصار وستجري مناورات مشتركة مع الجارة الجنوبية، ولكنها ستبقى تتحرك فيما هو دون العقاب العسكري لماذا؟ لأن كوريا دولة نووية.

أما مع إيران، فالوضع لا يقل تعقيدا في ظل الحاجة الأميركية لتعاون إيراني في أفغانستان والعراق وآسيا الوسطى بل وفي موضوع جورجيا ....

جماعة الفيزياء والحقائق الصادمة هم الموجودون حقا على الطاولة، أما الآخرون فساحات صراع مفتوح إلى أن يتصالحوا مع العالم.

والحرب قائمة فعلا، في المصانع والمختبرات ومراكز الدراسات الجادة التي تضع خارطة العالم أمامها لتمدد نطاق النفوذ في كل اتجاه سعيا وراء البقاء في عالم داروين ونيتشه.

أما الدبلوماسي الحقيقي فهو مجرد فرقة استطلاع تتقدم الجيوش وتتلمس مواقع الأقدام واستعداد الحلفاء للحرب والأعداء للمواجهة.

فأين الاستنفار العربي... إنه في محطات الإعلام الفضائي ... يعني في عالم الكلام ... عالم صناعة الهواجس والمخاوف وبث الإشاعات والإحباطات، عالم الحقن والشحن الذي ينجلي غباره مع أول طلقة مدفع أو طلقة رصاص. وحتى بعد أن ينطلق المدفع الصهيوني يستمر الإعلام في محاولة الانتصار بالتغطية الإعلامية للحدث، فيما تكون الفيزياء ممعنة في تغيير معالم الأرض والسماء والفضاء.
2009-06-04