ارشيف من :أخبار لبنانية

رئيس جديد في أيار 2014

رئيس جديد في أيار 2014

جوني منير  - صحيفة الجمهورية


يسود انطباع الأوساط السياسية والشعبية والمراقبة على حد سواء بأنّ حال انعدام الوزن الذي تعيشه الدولة اللبنانية منذ قرار التمديد للمجلس النيابي وعجز الرئيس المكلف تمام سلام عن اتمام مهمته، ستستمرّ وصولاً الى الاستحقاق الرئاسي في أيار المقبل، حيث هناك قناعة بأنّ الفراغ بات حتمياً في كرسي الرئاسة الأولى.

وما عزَّز هذه القناعة استمرار الحرب في سوريا وتصاعد التكهنات حيال عدم وجود أفق زمني لها، لا بل وسط تأكيد العواصم الغربية أنّ الحرب التي تعيشها سوريا ستستمر سنوات، بعدما كانت قد بنَت سياستها بداية الحرب على أساس قرب سقوط النظام.

فإضافة الى الترابط الحاصل بين الساحتين السورية واللبنانية، ما يجعل الاستقرار الأمني اللبناني أسير المستجدات العسكرية السورية، شطَبَ انشغال النظام السوري في حربه المفتوحة داخلياً موقعه من المعادلة التي طبعت الاستحقاقات الرئاسية منذ العام 1976 (باستثناء استحقاق العام 1982 ولفترة وجيزة). تلك المعادلة التي جمعت بين المفتاح السوري والقفل الأميركي وأنتجت رؤساء جمهورية غلبت عليهم صفة "التوافقي"، باستثناء العماد اميل لحود الذي أتى على أساس معادلة التوازن مع رئيس الحكومة القوي رفيق الحريري.

ومع انكفاء دور دمشق بفعل الحرب الدائرة، بدا للبنانيين أنّ أي معادلة اقليمية جديدة لم تتبلور بعد، خصوصاً مع غياب النتائج الحاسمة على مستوى الصراع الدائر في سوريا والمنطقة.

لذلك، باتت الطبقة السياسية اللبنانية على قناعة بأنّ "انكسار" المعادلة الإقليمية التي كانت قائمة، إضافة الى انشغال واشنطن بملفات المنطقة المعقدة، إن على مستوى الملف الفلسطيني - الإسرائيلي، أو على مستوى الصراع المتصاعد الإيراني - العربي، ودخول موسكو المستجد بقوة عبر البوابة السورية، كل ذلك دفع في اتجاه تأجيل الانتخابات النيابية وأوحى بصعوبة انجاز الانتخابات الرئاسية، وبالتالي حلول الفراغ في قصر بعبدا.

وانطلاقاً من هذه الخلاصة بالذات، يشتد الصراع على حكومة لا يمكن أن تولد في الأساس من دون صفقة ما خارجية. فالطرفان الرئيسيان في الداخل اللبناني، واللذان يرجّحان احتمال الفراغ على مستوى الرئاسة الأولى، ينظران الى الحكومة على أساس أنها ستتولى صلاحياتها الدستورية مضافاً اليها صلاحيات رئاسة الجمهورية، إضافة الى أنّ عمرها لن يكون محدداً، أو بتوصيف أدق، سيكون طويلاً وحافلاً بالقرارات المصيرية.

ووفق هذه القناعة، سيمهّد التفكك الذي ستشهده مؤسسات الدولة للذهاب الى مؤتمر تأسيسي جديد يبحث في صيغة حكم جديدة تأخذ في الاعتبار المستجدات التي طرأت على الواقع اللبناني خلال الحرب اللبنانية وما بعدها.

إلّا أنّ توقيت موعد انعقاد هذا المؤتمر التأسيسي والذي سيكون تحت إشراف إقليمي ودولي، لا بد أن يحدد بالتزامن مع الحل السوري الذي سيشبه كما بات معروفاً الحل الذي اعتمد في لبنان نهاية الحرب، أي ما بات يُعرف بطائف سوري.

قد تكون كل هذه الصورة صحيحة، باستثناء أن المستجدات التي شهدتها الحرب في سوريا تتطلّب تعديلاً جوهرياً لهذا السيناريو. فخلافاً لكل التوقعات، أثبت النظام السوري صلابته، لا سيّما لناحية المؤسسة العسكرية التي بقيت تركيبتها الأساسية وفيّة له.

كما أنّ الفوضى التي عمّت صفوف المعارضة ودخول العناصر المتطرفة الأجنبية والطامحة لإقامة امارة إسلامية، أو افغانستان أخرى، عدَّلت في الحسابات خصوصاً وأن "جبهة النصرة" استطاعت الإمساك بالأرض افضل بكثير من "الجيش السوري الحر".

لذلك، بدا أنّ أوان الحل في سوريا ما زال بعيداً، لا سيما مع تحضير الفريقين جيداً لمعركة حلب، حيث يريد النظام توجيه الضربة العسكرية القاضية مع السيطرة على كامل المدينة، فيما تسعى المعارضة الى تكريس التوازن من خلال سيطرتها على كامل حلب.

وبالتالي، يُعتبر بقاء لبنان في حال من انعدام التوازن لفترة غير محددة، خياراً يحمل مخاطرة كبيرة، خصوصاً أنّ نتائج الحرب وآثارها التي ضربته، ما تزال راسخة في الكثير من الحالات السياسية والاجتماعية والديموغرافية، ما يُهدّد بتفكك سريع للدولة وعجز الجيش عن منع هذا الواقع كونه سيكون اقوى واكبر من قدرته.

لذلك، بدا للديبلوماسيين المكلفين بالملف اللبناني ضرورة انجاز الاستحقاق الرئاسي اللبناني انطلاقاً من اعتبارين:

الأول، أنّ واشنطن ليست لوحدها في رؤيتها حماية مؤسسات الدولة اللبنانية من التفكك. فدمشق، التي لا تملك منفذاً فعلياً لها سوى لبنان، لن تغامر بذهابه إلى المجهول، لأنه لا يزال يمثل لها الرئة الضرورية لتتنفّس. لذلك، ليس في مصلحة "حزب الله" ترك الدولة اللبنانية تنهار، لا بل إنه متمسك بالإبقاء على الشرعية اللبنانية كحامية له.

والثاني، أنّ الطرف المقابل من المعادلة قد يكون "فيتو" حزب الله، الذي يستطيع التنسيق مع النظام السوري لتأمين ولادة الرئيس المقبل للجمهورية والذي سيكون "توافقياً" بطبيعة الحال.

وتفيد معلومات المصادر الديبلوماسية المعنية، أنّ غربلة سريعة للأسماء بدأت، مع قناعة هذه المصادر بأنّ سبر أغوار "حزب الله" قد يتأخر بعض الشيء في انتظار اعتماد قناة تواصل موثوقة معه، من المفترض أن تكون قناة رسمية لبنانية.

ويتحدث المطلعون عن تداول يشمل عدداً محدوداً من الاسماء ينطبق عليها صفة "التوافقي" مع الأخذ في الإعتبار الجانب الحازم للرئيس المقبل في حال الأوضاع العسكرية المتأرجحة، أو الجانب "الخبير" في حال تأزم الأوضاع الاقتصادية والنقدية، أو ربما الجانب "الديبلوماسي" المرن القادر على جمع كل الفئات اللبنانية لتأمين الوصول الى المؤتمر التأسيسي، وفي الوقت نفسه القدرة على ترؤس الورشة اللبنانية بكل تشعّباتها العسكرية والأمنية والاقتصادية والنقدية والسياسية، وإدارتها بمهارة ومرونة وحنكة سياسية تتطلبها الظروف الخاصة والدقيقة التي تمر بها المنطقة ومعها لبنان.








2013-08-12