ارشيف من :أخبار لبنانية

جنرال خامس وفراغ رابع وجمهورية ثالثة أم كارثة؟

جنرال خامس وفراغ رابع وجمهورية ثالثة أم كارثة؟
جان عزيز-"الأخبار"
 
إن لم يعد السفير السعودي إلى بيروت قريباً، وإن لم يعد حاملاً مقترحاً تسووياً قابلاً للتجسيد، حكومياً على الأقل، عندها، فلتسمّ الأشياء بأسمائها، ونكون قد دخلنا من الآن في الفراغ الرئاسي.


البعض يراهن على أن السفير علي عواض العسيري لن يعود فعلاً إلى لبنان. أما السبب، فسعودي داخلي تقني وإداري. أو كنتيجة مباشرة لأحد صواريخ 2 آب، الذي سقط قرب منزل السفير. وهو ما قد تكون الرياض قد اعتبرته رسالة ترحيل، هي التي لم تشف ذاكرتها بعد من وقائع إجلاء 7 أيار 2008. وقد يكون عدم عودة العسيري مجرد تعبير عن استمرار الوقت الضائع في بيروت واستمرار عجز كل العواصم، بما فيها الرياض، عن ملء هذا الفراغ أو تقديم أي حل. بما يحتم استمرار الانتظار والمراقبة عن بعد.

أما التساؤل عمّا قد يحمله العسيري، فعائد بدوره إلى الغموض الذي يلفّ الدور السعودي في لبنان. فمنذ نالت الرياض التلزيم الغربي الحصري في بيروت، بعد إقصاء تركيا و«تقطير» قطر وانكفاء كل الأطلسي، أظهرت السعودية علامات متناقضة جداً حيال سياستها اللبنانية، التي راوحت بين مساعي الاحتواء وسمات الاستعداء. يكفي دليلاً على غموضها هذا، أن كل حلفائها يشكون علناً من إهمالها لهم. فيما كل خصومها يرونها منخرطة في الحرب الشاملة ضدهم. أما «البنادرة»، كما باتت تسميهم مجالس الرياض، فلم يفهموا حتى اللحظة بعد، ما كانت نتيجة زيارة معلمهم بندر لموسكو. كل ذلك وسط كلام عن لامبالاة سعودية كاملة حيال لبنان. كأن الرياض تقول لجماعتها في بيروت: أوقفوا «النق». لا شيء ممكناً عندكم اليوم. اتركونا نُنضج اللعبة الكبرى من الخارج. بعدها تنسحب عليكم نتائجها. وتمام سلام هو الخيار الأفضل لهذا التكتيك. فهو لا يحكي مع أحد ولا أحد يحكي معه. وفي الوقت نفسه لا ييأس ولا يعتذر. كذلك فإنه لا يطلب زيارة الرياض، بحيث لا يحرجنا إذا قلنا له أقدم ولا إذا قلنا أحجم...

في ضوء هذا الإيقاع، يمكن القول إننا دخلنا منذ الآن الفراغ الكامل. فالأزمة السورية، التي تنتظر السعودية أفقها، متمادية في الزمن أبعد بكثير من استحقاقاتنا اللبنانية. حتى انتخابات الرئاسة السورية، إذا كان هناك من لا يزال يعتقد أنها تشكل محطة في تلك الحرب، مفترضة بعد انتخاباتنا الرئاسية. كل القضايا المحيطة تقاس بالآجال المتوسطة أو الطويلة. فيما 15 آذار، موعد بداية المهلة الدستورية لانتخاب خلف لميشال سليمان، بات خلف الباب. يكفي أن نتذكر أن نجيب ميقاتي استقال في 22 آذار الماضي، ونحن لا نزال في فراغه، كأنه أمس الذي لم يعبر.

الفراغ آتٍ إذاً، وهو ليس الأول. قد يكون الرابع فعلياً. ومعه جنرال خامس. تماماً كما مع كل فراغ. كأنها ميزة مطارح العالم الثالث، هذا التلازم بين الفراغات والجنرالات. كأنها تجذبهم جذباً، وكأنهم يطردونها طرداً. نموذج أول لفراغنا والجنرال الذي لازمه، كان سنة 1952، مع استقالة بشارة الخوري. يومها كانت المظلة الخارجية جاهزة، لا بل ربما سابقة للاستقالة. وكان الداخل مطواعاً، فرتبت فوراً انتخاب كميل شمعون، ولم يكن دور الجنرال الأول فؤاد شهاب، إلا تنفيذ الطبخة وحمايتها.

سنة 2007، كان نموذج الفراغ الثالث، بشغور الرئاسة مع نهاية ولاية الجنرال إميل لحود. يومها تأخرت المظلة الخارجية في إنضاج طبختها، وكان الداخل بين مروَّض ورافض. لكنها أنجزتها في مهلة معقولة. وكان الجنرال ميشال سليمان هناك، تماماً مثل فيلم هال أشبي الرائع. فصار رئيساً... وبين الأول والآخر كان النموذج الثالث للفراغ سنة 1988. يومها لم يكن الخارج جاهزاً ولا الداخل قانعاً، فجاء الجنرال ميشال عون.

عُرض عليه تكرار نموذج الفراغ الأول، بحيث ينفذ طبخة مورفي ـــ الأسد، فرفض. وقيل إنه كان ممكناً له أن يجسد نموذج ميشال سليمان قبله بعشرين عاماً، لكن ذلك لم يحصل. فانفجر الوضع، ودفع الأزمة حتى أعماقها، حتى ملامسة قعر النظام المتكلس، فسقط، وولدت من معاناة سقوطه جمهورية ثانية.

في ربيع عام 2014، ما لم يتغير شيء ما سريعاً وجذرياً، ذاهبون نحن إلى الفراغ الرابع، مع جنرال خامس اسمه جان قهوجي، لكن مع أي نموذج من الثلاثة السابقة؟ هل يفرض السياق الخارجي والداخلي أن يحمي قهوجي حلاً سريعاً ناضجاً يضمن بقاء الدولة المدنية، كما مع شهاب – شمعون؟ أم تكون تسوية متوسطة سرعة الإنضاج، تستمر معها إدارة الأزمة في نظام مفلس، كما صار مع لحود ــ سليمان؟ أم تذهب الأمور إلى تغييرات جذرية تنبئ بجمهورية ثالثة، ويكون واجب قهوجي عندها أن يجعلها تمر بلا حروب وأن تبلغ نهايتها الآمنة بلا خسائر؟

هذا هو التفسير الأعمق لكل الفوضى الحاصلة اليوم. ومهما كانت أسراره، يظل من المؤكد تدليله إلى أن بيروت 2014 قد دخلت منذ الآن ربيعاً فراغياً من النوع المبكر والطويل.

2013-08-13