ارشيف من :أخبار لبنانية
اعترافات عابر طريق ...
جان عزيز - صحيفة الاخبار
في الطريق من قائمقامية مارونستان الصغرى إلى المملكة السوليديرية الحريرية، تكاد تُعيد النظر في كل مفاهيم الوطن وترمي عنك الكثير من أوهام قضاياه الكبرى.
يبدأ مشوار العذاب اليومي عند مصب نهر الكلب. حيث لا نهر اليوم، ولا حتى كلب. كأن صاحب التسمية هجره صيفاً، أو في كل فصل، هرباً من مصبات آلاف البيوت اللافظة أحشاءها الوسخة. من فوق صنين وجوار نبع العسل ـــ قال ـــ إلى بحر أسود «متوسخ». آلاف البيوت الناهشة بطن ضفتي الوادي، بتوحش سوريالي. كأن بين بشاعتها والطبيعة ثأراً لثور آخر من فصيلة جار أدونيس... هل لهذه الرائحة الصباحية المأزومة علاقة برائحة الفتنة الكبرى العابقة في العالم الإسلامي الملياري؟ عند أول جسر استُحدثت له إشارة حمراء ـــ كأننا ممن يُشار لهم أو يستشيرون ـــ يجلس دركي مكسور الظهر منذ دهر. يتفيّأ لوح صفيح. لا بد أنه استعاره من تلك الورشة القريبة، حيث تتراكم ثروة المضاربة العقارية على ملك عام، منذ صدق أحدهم قول الناس له: روح بلّط البحر! على جانبي الطريق بقايا من حفلات ترفيه لحشد لبناني حضاري كبير، يحج إلى تلك المساحة كل ليلة. يترك جمالياته الذوقية على الجدران والأرصفة والطرقات. وحده عامل سوكلين المسكين يحاول عدّها بتلك العصا اللاقطة. وصل في تعداده إلى بضعة مليارات، أي بمعدل ناتج قومي من وساختنا أضعاف دخلنا المحسوب لقاء كل رأس فارغ في هذه الأمة العظيمة... لا مسؤولية على أي منا في هذه المزبلة الكبرى. هي جزء من ثقب الأوزون قطعاً، أو من رفض واشنطن لاتفاق كويتو. وإلا لماذا جعلت سفارتها قبالة هذه القمامة الوطنية المتواضعة، مقارنة بجبل النفايات الأكبر هناك؟
على ما يُفترض أن يكون طريقاً دولياً، تتسارع عوارض الأزمات الكونية، بدءاً من تقاطع خطوط الطول والعرض على كوكبنا، كأنه المسؤول الأول عن عجز أي سائق لبناني عن التزام السير بين خطي طول، وعن شغفه الكياني باحتراف القيادة بالعرض، وصولاً إلى سباق التشاطر الأخلاقي على كل سنتمتر فارغ من الطريق، بين نصف مليون سيارة مزروكة زركاً. نصف مليون سيارة تعتقها كل يوم جلجلة الساحل الكسرواني. جلجلة سببها سبع عشرة مخالفة، بين فرن وسوبرماركت ومستوعب مشروبات ومحل دواليب... سبعة عشر مستفيداً يعتقلون كل صباح ومساء نصف مليون إنسان. ذات يوم طلب مسؤول كبير لائحة بأسمائهم، تمهيداً لقراره الحاسم برفع التعديات وفتح «الأستراد». قرأ الأسماء جيداً، تمعن في حماياتها غير الطبيعية، قبل أن ينسى، ويفيق على حسم آخر...
على الطريق البحرية الوضع أفضل، ما يسمح بتسلل عوادم الدراجات وزقاقييها بسهولة وسرعة. مخلوقات غريبة، كل منها على عجلتين، تمارس أبشع أنواع التعذيب السمعي على ثلث سكان لبنان. يبدأونه عند منتصف الليل، زعيقاً قاتلاً لا يهدأ عند أي نهار. أي أزمة دولية تمنع قمع تلك الزمر؟ لماذا لا تزعج مسؤولاً حريرياً، علّه يشملها بتشكيلاته البصبوصية؟ لماذا لا يُفصل لقمعها عنصر واحد من الألفين المنصَّبين لخدمة خمسين سخيفاً سياسياً في البلد؟
تكمل الطريق صوب نهر الموت. أي رؤيوية طوّبت تلك التسمية، حتى قبل إقامة هذا الجسر الجريمة!؟ قيل إن صاحب «إمارة» قريبة انتفع بمئتي وظيفة في ذلك المركز التجاري، فوعده بإقامة عمود الجسر في منتصف الطريق، كي لا يسد باب رزقه ورزقه. بُني الجسر والمحول، واحتُفل به، وافتُتح أيّما افتتاح، وتفاقمت الأزمة. ألا يستحق المعنيون بهذه الجريمة محكمة دولية؟ على جانبي الجسر المعلق بقايا لافتات من عيد الجيش. لماذا لم ينزعها أهل المؤسسة بعد؟ حرصاً عليها وعليهم. أسماء ثابتة، توقع منذ ربع قرن نفس العبارات الممجوجة لأسماء وعهود متقلبة. كيف للاسم ذاته أن يمجد «القائد» ميشال عون يوم كان يحارب سوريا، ثم يؤلّه «القائد» إميل لحود يوم كان يحارب عون، ثم يقدس «القائد» ميشال سليمان يوم كان في صمته البالغ غير البليغ، واليوم يكرر مسخرته؟ صنميّ فاسد يتسول حمايته الدائمة. عيب! أزيلوا تلك اللافتات وامنعوها أبداً، أو أفضل، اعتقلوا معلقيها، وحاكموهم ميدانياً...
بعد مفترق مرفأ بيروت، تُرفع الستارة عن المشهد الكافكي: شارل حلو من فوق، و«سوريا اللبنانية» من تحت. سيارات فاخرة تقف وسط الطريق على الجسر فوق، على الأرجح لمراجعات بلاتينية في شركة الخلوي، بما يوقف السير حتى ساحة الشهداء، أو بما يجعل من كل عابر مشروع شهيد. ومئات البؤساء يقفزون قفزاً فوق فاصل الطريق تحت، يركضون خلف باص أقلع، أو خلف سراب «شغلة» مسرعة... تجتاز آخر الإشارات المطفأة، قبل أن تدخل المدينة الاصطناعية. جميلة جداً، مثل وجه جفصيني. لا قلب، لا شعور، لا بسمة عينين هنا. كل ما فيها حزمة حقائب، وربطات عنق على عدد آخر الخانعين لرزق ورزقة... بعد ساعات قليلة يستحق موعد جلجلة العودة. فارق بسيط يطرأ في نهايتها. الآن ستعبر النفق الشهير عند مدخل مارونستان. هذا الذي علمك كتاب التاريخ المدرسي أنه حطم كل الغزاة. فمروا كلهم من هنا، ورحلوا، وصمدت أنت. حين تمدد زحمة السير طول النفق، لتجعله من شركة مياة ضبيه حتى مفترق بلدة فؤاد شهاب، تنتبه إلى وتيرة اللوحات التذكارية المحفورة على الصخر. وتدرك أن ثمة أمثولة أخرى أسقطها كتاب وزارة التربية. فالصحيح أن كل غاز كان يطرد من سبقه. فيما أنت تتفرج، وأحياناً كثيرة ترفع لافتة مرحّبة...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018